من يملك ذاكرة الثورة؟ ١٩٢٤ وديسمبر في مواجهة إعادة كتابة التاريخ

وجدي كامل
قد تبدو العلاقة الزمنية بين ثورتي ١٩٢٤ وديسمبر متباعدة من حيث وقوع الأحداث. غير أن من المهم الإشارة إلى أن كليهما قد دخلتا في صراع مع سلطة الدولة التي يمكن تصنيفها كاستعمار خارجي تقليدي واستعمار داخلي أيديولوجي امتلكا القوة وأدواتها. ولكن فإن ما يجمع حقًا بين الثورتين هو المصير الذي لحق بالمعنى الذي أنتجته كل منهما، كما إعادة هندسة الذاكرة عنهما عندما تعثر مشروعهما السياسي. فالدرس الذي تنتهي إليه الأحداث الكبيرة والثورات بصفة خاصة ليس في فشلها وتدمير قواها بالاعتقال أو النفي أو غيره، بقدر ما هو ما يظل في الذاكرة حاضرًا عنها. إن ذلك يعني أن ثمة حياة أخرى تعيشها الأحداث الكبيرة والثورات في الذاكرة على بما يشكله من مادة ضخمة للإلهام والتحفيز على التغيير لإنسان الثورة المقبل، الممثل في الأجيال الجديدة.
ما بين 1924 وديسمبر علاقة مشتركة تتصل بمن يملك حق تحديد معنى الثورة بعد انحسار لحظتها؟
كانت هزيمة 1924 هزيمة عسكرية وسياسية واضحة لا خلاف حولها أو لبس. قُمعت الحركة، وأُعدم بعض قادتها، وسُجن آخرون، وانتهت المرحلة التي فتحتها حركة الضباط والطلاب والوطنيين.
لكن الثورة لم تختفِ.
لقد انتقلت من الشارع إلى الذاكرة.
وهناك بدأت حياة أخرى لها، استعادتها الكتابة الوطنية كواحدة من البدايات المهمة للحركة الوطنية السودانية التي استعادت أسماء قادتها، وفي مقدمتهم علي عبد اللطيف، كرمز مبكر للمقاومة الوطنية، ثم جاءت قراءات أخرى حاولت أن تفسر الثورة من خلال الطبقة والتعليم والمدينة ونشوء الفئات الحديثة.
لقد بقي هذا الاسترداد ضروريًا في مواجهة الرواية الاستعمارية التي أرادت للثورة أن تظهر باعتبارها حركة تمرد عسكرية فاشلة.
إن ثورة ٢٤ وحين نقرأها من موقع الاستقلال الذي تحقق بعد ذلك، تصبح وبلا شك كخطوة مبكرة في طريق كان التاريخ يعرف وجهته سلفًا، دون أن يعرف وجهته في 1924.
كان المستقبل مفتوحًا.
وكان السؤال الذي طرحته الثورة أكثر اتساعًا من مجرد مقاومة الاستعمار: من يحق له أن يتحدث باسم السودان؟ ومن يملك حق المشاركة في صناعة دولته؟ وما الذي يجعل الإنسان سودانيًا في المجال السياسي؟
وهذه الأسئلة لا تختفي عندما تُهزم الثورة. لكنها يمكن أن تختفي من الرواية التي تستعيد الثورة.
وهنا تحديدًا يبدأ ما يمكن تسميته بالهزيمة الثانية.
لم تكن الهزيمة الثانية تدمير الثورة ماديًا، وإنما كانت في انتقال الثورة من كونها احتمالًا سياسيًا مفتوحًا إلى كونها حدثًا تاريخيًا مغلقًا، لا تزال الكثير من النخب والعديد من الباحثين أسرى لرواية تقليدية عنه.
أما في ديسمبر فقد كان الوضع مختلفًا.
لم تكن الثورة مجرد حركة صغيرة تعتمد على أن يأتي المؤرخون بعد عقود لكي يستعيدوا آثارها. لقد كان المشاركون فيها ينتجون ذاكرتهم بأنفسهم وفي اللحظة نفسها التي كانوا يصنعون فيها الحدث.
فكانت الكاميرا في يد المتظاهر، والهاتف في يد الشاب. وكان الهتاف مسجلًا، والجداريات مصورة، والاعتصام موثقًا بالصوت والصورة، والشهادات تنتشر قبل أن تستطيع السلطة محوها والنزوع لكتابة روايتها المضللة عنها.
لقد كانت ثورة ديسمبر المجيدة ثورة في المجال العام، وثورة في إنتاج الذاكرة في الوقت نفسه.
وهذه نقطة فارقة.
ففي 1924 كانت السلطة الاستعمارية تملك أدوات واسعة لتسجيل الحدث وكتابة الرواية عنه، بينما كانت ذاكرة الحركة تحتاج لاحقًا إلى جهود من جاءوا بعدها لاستعادتها.
أما ديسمبر فقد أنتجت، منذ بدايتها، أرشيفًا شعبيًا هائلًا، خارج السيطرة الكاملة للمؤسسات الرسمية.
كان السودانيون يصورون أنفسهم وهم يصنعون التاريخ.
ولذلك لم تكن المعركة حول ديسمبر معركة على الشارع وحده.
كانت أيضًا معركة على من يملك الصورة، ومن يملك الشهادة، ومن يملك تسمية ما حدث.
ثم جاءت الحرب.
هنا تبدأ المقارنة التي تهمنا.
لم تُهزم ديسمبر في معركة عسكرية مثل 1924. لقد أسقطت رأس النظام وزبانيته من القيادات، ثم تعثر انتقالها السياسي، فوقع الانقلاب، واستمرت الأزمة حتى اندلعت الحرب في أبريل 2023.

فغيّرت البيئة التي كانت ذاكرة ديسمبر تُنتج داخلها.
فالحرب لم تأتِ فقط لتقطع مسارًا سياسيًا؛ جاءت معها كارثة إعلامية وأرشيفية وذاكرية ضخمة.
دُمّرت مقار صحفية. ونُهبت مكتبات وأرشيفات. وفرّ الصحفيون.
قُتل بعضهم واعتُقل آخرون.
وتراجعت الصحافة المهنية أمام اتساع فضاء الدعاية والتضليل والحسابات التي تعمل من داخل أطراف الصراع وخارجها.
وفي الوقت نفسه، امتلأ المجال العام بصورة أخرى للسودان تمثلت في صورة الحرب التي خلقت شروطًا هائلة لإعادة ترتيب الذاكرة السياسية بما كانت قد صنعته ديسمبر، وأن الإعلام كان واحدًا من أهم الماكينات.
فمن محو الذاكرة في ثورة ١٩٢٤ انتقلنا إلى إغراقها.
وهنا ينبغي أن نميز بين المحو والتخريب.
المحو يعني أن تختفي الذاكرة.
أما التخريب فيمكن أن يحدث وهي ما تزال موجودة.
قد تبقى صورة الاعتصام، لكن يُفقد سياقها. وقد يبقى شعار «حرية، سلام، وعدالة»، لكن يتراجع السؤال الذي أنتجه.
وقد تبقى أسماء الشهداء، لكن تصبح صور الحرب اليومية أكثر قدرة على احتلال مجال الوعي.
وقد تبقى الثورة في الكتب والهواتف والمنشورات، لكن تصبح بعيدة عن التجربة اليومية لمجتمع يعيش الموت والنزوح والخوف والغلاء والجوع.
وهذه إحدى أكثر صور تخريب الذاكرة فداحة.
فذاكرة الحرب لا تنافس ذاكرة الثورة في المجال نفسه.
إنها تستولي على الحاضر كله.
وخير مثال على ذلك أن قبل الحرب كانت كلمات مثل المواطنة، والدولة المدنية، والعدالة، والحرية، والسلام، تحتل مساحة واسعة من النقاش العام.
قبل أن تتقدم كلمات أخرى بعد الحرب وتتسيد قاموس الاستخدام اليومي، مثل: السلاح، الجيش، الدعم السريع، الأرض، النزوح، القبيلة، النجاة، الانتصار، الهزيمة.
لم تختفِ الكلمات القديمة.
لكن تغيّر ترتيبها.
وهذا التغيير في ترتيب الذاكرة قد يكون، في أثره التاريخي، أعمق من النسيان نفسه.
من صورة المواطن إلى صورة المقاتل.
فقد كان أحد أهم التحولات الرمزية التي صنعتها ديسمبر إعادة المواطن إلى مركز المشهد السياسي. فرأينا المواطن الذي يهتف، والمواطن الذي يحتج، والمواطن الذي يحتل ويغلق الشارع.
كان وفي كلمة واحدة: المواطن الذي يقول إن الدولة ملك له، وإن السلطة ليست امتيازًا دائمًا لمن يملك القوة.
أما الحرب فقد أعادت السلاح إلى مركز الصورة، كما أعادت الجندي، والمقاتل، والقائد العسكري. وفي هذا التحول لم يتعلق الأمر بالصورة وحدها. فالصورة قد حملت معها تصورًا ضمنيًا عن مصدر الشرعية.
في لحظة الثورة، كان مصدر الشرعية المتخيل هو الشارع والمواطن.
وفي لحظة الحرب، أصبح مصدر الشرعية هو القوة التي تدعي أنها تستطيع حماية الأرض أو السيطرة عليها.
ومن هنا صار الإعلام جزءًا من الصراع على الشرعية، وليس مجرد ناقل للصراع عليها.
الذاكرة بوصفها ساحة حرب
وهذا ما جعل مفهوم التوحش الإعلامي أوسع من الدعاية والكذب والتحريض.
فالإعلام المتوحش لا يكتفي بإنتاج صورة مشوهة عن الحاضر؛ بل يمكنه أن يشارك في تحديد أي ماضٍ ينبغي أن يبقى حاضرًا في الوعي، وأي ماضٍ ينبغي أن يتراجع ويختفي.
وقد أظهرت دراسات عن الدعاية خلال الحرب السودانية أن أطراف الصراع تستخدم المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي في بناء روايات متنافسة، وفي نشر معلومات مضللة وخطاب تعبوي، بحيث يصبح المجال المعلوماتي نفسه جزءًا من الحرب.
لكن أخطر ما في هذه العملية ليس أن الناس قد يصدقون المعلومة الكاذبة، بل أن كثافة المعلومات المتضاربة قد تجعل الوصول إلى الحقيقة نفسها أكثر صعوبة.
وحين يتساوى الخبر الصحيح مع الخبر الكاذب، والصورة الحقيقية مع الصورة المفبركة، والشهادة مع الدعاية، فإن المجتمع يفقد شيئًا أهم من المعلومة. إنه يفقد الثقة في إمكانية الوصول إلى الحقيقة.
وعندها تصبح الذاكرة نفسها مخترقة. وقد لعب عامل تدمير الأرشيف، أو حرق وإخفاء الجانب المادي من الحرب، ركنًا من أركان تخريب الذاكرة. وتظهر هذه المسألة بوضوح في شهادات الصحفيين والصحفيات الذين فقدوا أرشيفاتهم أثناء الحرب.
فالصحفية التي تفقد عشرين عامًا من موادها لا تفقد أوراقًا شخصية فحسب.
لقد فقدت جزءًا من تاريخ السودان الذي مر عبر مكتبها وقلمها وكاميرتها.
والصحيفة التي تُنهب لا تفقد أجهزة الطباعة أو الحواسيب وحدها. إنها تفقد سلسلة من الشهادات التي من الصعب إعادة إنتاجها بالطريقة نفسها.
والإذاعة التي تفقد تسجيلاتها لا تفقد أصواتًا قديمة فقط.
إنها تفقد طبقات من الذاكرة السمعية للسودان: خطبًا، مقابلات، أغنيات، برامج، شهادات، ولهجات، وأصوات أناس ربما لم يعودوا موجودين.
ولهذا فإن ما حدث للأرشيف السوداني أثناء الحرب ينبغي ألا يُقرأ باعتباره مسألة ثقافية هامشية. إنه جزء من الحرب على إمكانية معرفة الماضي.
لكن تخريب الذاكرة لا يحتاج دائمًا إلى تدمير الأرشيف.
وهذه هي النقطة الأهم.
حتى لو بقيت كل الوثائق، يمكن تخريب الذاكرة. فقد يمكن وضع الوثيقة الصحيحة داخل سياق خاطئ. كما يمكن حذف جزء من القصة. وتضخيم حدث وإخفاء آخر، بذات المستوى الذي يمكن فيه تغيير أسماء الفاعلين.
هنا يمكن تحويل الضحية إلى متهم، وجعل حادثة تبدو معزولة بينما هي في الحقيقة جزء من مسار طويل.
وفي الحرب يمكن استدعاء لحظة من التاريخ وإخفاء اللحظة التي تناقض الرواية التي يُراد إنتاجها.
بهذا المعنى، التخريب الإعلامي للذاكرة أكثر خطورة من تدمير الأرشيف وحده.
الأرشيف يمكن، في بعض الأحيان، أن يُستعاد كما هو يحدث في نطاق الإعلام الإلكتروني.
أما حين تستقر رواية مشوهة في وعي جيل كامل، فإن استعادتها تصبح أكثر صعوبة. لكل ذلك، إن من غير الدقيق أن نقول إن ما حدث لذاكرة 1924 هو نفسه ما يحدث لذاكرة ديسمبر.
في 1924 كانت الهزيمة واضحة، ثم جاءت إعادة الكتابة لاحقًا.
أما ديسمبر، فقد دخلت الحرب قبل أن تستقر ذاكرتها التاريخية بصورة نهائية.
في 1924 كان هناك زمن طويل يفصل الحدث عن القراءات التي أعادت تفسيره.
أما ديسمبر، فإن إعادة تفسير الثورة تحدث في الزمن نفسه الذي ما زالت آثارها السياسية والاجتماعية مفتوحة.
لكن بين الحالتين سؤال مشترك:
ماذا يحدث للثورة عندما تفشل في تحويل اللحظة الثورية إلى نظام جديد للشرعية؟
في 1924، تراجعت إمكانية بناء شرعية وطنية جديدة، واستمر المجتمع والدولة في حمل كثير من التراتبات والشرعيات التي سبقت الثورة.
وفي ديسمبر، أُسقط مستوى من النظام، لكن لم يكتمل التحول الذي كانت الثورة تفتحه.
ثم جاءت الحرب لتعيد المجتمع إلى سؤال أكثر بدائية وقسوة:
من يملك القوة؟
ومن يستطيع حماية نفسه؟
ومن يسيطر على الأرض؟
وهكذا يمكن للحرب أن تدفع أسئلة المواطنة إلى الخلف، حتى لو لم تُلغها.
إن جوهر العلاقة يبقى في أن الثورتين لم تكونا في جوهرهما، مجرد حركتين ضد حاكم بعينه.
كانتا، بدرجات مختلفة، محاولتين لإعادة طرح سؤال:
من يملك السودان؟
1924 ظهر هذا السؤال في صورة مبكرة وغير مكتملة.
وفي ديسمبر عاد في صورة أكثر اتساعًا، وأكثر شعبية، وأكثر قدرة على إنتاج الرموز واللغة والصور.
ثم جاءت الحرب لتعيد طرحه من موقع مختلف تمامًا: موقع القوة المسلحة.
ومن هنا تصبح الذاكرة نفسها جزءًا من الصراع.
ولهذا فإن إنقاذ ذاكرة ديسمبر ليس فعل حنين.
إنه فعل سياسي ومعرفي.
حفظ الصور والشهادات والتسجيلات والوثائق ليس مجرد عمل أرشيفي.
إنه حماية للحق في معرفة ما حدث.
فالذاكرة التي لا تُحفظ تترك المجال مفتوحًا لمن يملك القوة كي يكتبها.
ومن هنا يصبح الأرشيف جزءًا من مقاومة التوحش الإعلامي.
ليس لأنه يمنع الكذب وحده، وإنما لأنه يحتفظ بما يمكن العودة إليه عندما تهدأ الضوضاء.
في 1924 أُغلقت إمكانات، ثم جرى لاحقًا تطبيع الهزيمة داخل روايات وطنية متعددة.
وفي ديسمبر انفتح احتمال جديد، ثم تعثر قبل أن يتحول إلى نظام مستقر، وجاءت الحرب لتعيد ترتيب المجال الذي كانت الثورة قد أنتجت داخله ذاكرتها.
وبين اللحظتين ظل السؤال نفسه يعود:
أي سودان يمكن أن يكون؟
لكن الحرب تطرح سؤالًا أشد قسوة:
أي سودان سيبقى في الذاكرة بعد أن تنتهي؟
وهنا تبلغ قضية التوحش الإعلامي مداها الحقيقي الأقصى.





