نزوح جماعي وأوضاع إنسانية قاسية في “مستريحة” بشمال دارفور

أفق جديد
يعيش أكثر من ثلاثة آلاف نازح من منطقة “مستريحة” بولاية شمال دارفور أوضاعًا إنسانية مأساوية في العراء، وسط غياب شبه كامل لأبسط مقومات الحياة من مأوى وغذاء ومياه شرب، عقب اجتياح المنطقة من قبل قوات الدعم السريع.
وجاء النزوح الجماعي في أعقاب اعتداءات مسلحة استهدفت المنطقة، شملت هجمات بطائرات مسيّرة واقتحامات برية، وأسفرت عن حرق منازل ونهب ممتلكات خاصة وعامة. ودعت منظمات دولية وإنسانية إلى التدخل العاجل لتوفير الإيواء والغذاء ومياه الشرب والرعاية الصحية للأسر المتضررة، بعد أن تحولت مساكنهم إلى أنقاض.
وأعلنت الأمم المتحدة، مؤخرًا، عن إطلاق خطة الاحتياجات الإنسانية للسودان لعام 2026، التي تستهدف مساعدة 20.4 ملايين شخص، بتكلفة 2.9 مليار دولار للوصول إلى 20.4 ملايين شخص بمساعدات حيوية لإنقاذ الأرواح.
وفي 23 فبراير الجاري، اقتحمت قوات الدعم السريع بلدة “مستريحة”، بعد يوم واحد من هجوم بطائرات مسيّرة استهدف مقر ضيافة الزعيم الأهلي موسى هلال، إضافة إلى مرافق طبية ومؤسسات خدمية أخرى. وتلاحق القوات المهاجمة اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة، تشمل القتل والنهب وتدمير ممتلكات المدنيين.
وأعلنت الأمم المتحدة تضاعف أعداد القتلى المدنيين في حرب السودان خلال عام 2025 مقارنة بالأعوام السابقة، مع اتساع رقعة الاشتباكات واستخدام الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة في مناطق مأهولة بالسكان.
وقال أحمد محمد أبكر، الناطق بإسم مجلس الصحوة الثوري السوداني، إن الهجوم على مستريحة أسفر عن سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى في صفوف المدنيين، إلى جانب إحراق ونهب منازل ومتاجر، ما تسبب في موجة نزوح واسعة. ووصف ما جرى بأنه “يشبه إلى حد كبير ما حدث في الفاشر والجنينة”، معتبرًا الأحداث بمثابة إبادة جماعية.
واتهم أبكر مجموعات مسلحة تضم، بحسب قوله، مرتزقة من تشاد وجنوب السودان بالمشاركة في الهجوم من أربعة محاور، مشيرًا إلى تنفيذ العملية بتنسيق واسع. ولم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من هذه الاتهامات، نظرًا لصعوبة الوصول إلى المنطقة وانقطاع الاتصالات.
وفيما يتعلق بموسى هلال، أوضح أبكر أن هلال، رئيس مجلس الصحوة الثوري السوداني وزعيم قبيلة المحاميد، وصل إلى مناطق سيطرة الجيش السوداني خارج إقليم دارفور “بسلام وصحة جيدة”، مؤكدًا أنه سيخاطب الرأي العام قريبًا لعرض تفاصيل ما جرى.
كما أشار إلى مقتل حيدر، نجل موسى هلال، رميًا بالرصاص بعد أسره، وفقًا للمعلومات التي تلقوها، إضافة إلى ورود أنباء عن مقتل عبد الباسط، نجل هلال الآخر، وعدد من الأشخاص. غير أن المجلس لم يتمكن من التحقق المباشر من هذه المعلومات بسبب تعذر الوصول إلى موقع الأحداث.
وتعكس هذه التطورات استمرار التدهور الأمني في شمال دارفور، وسط تحذيرات متزايدة من اتساع موجات النزوح وتفاقم الاحتياجات الإنسانية، مع مطالبات بتوفير حماية عاجلة في صفوف المدنيين وضمان وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة.
ويأتي هذا النزوح في سياق تصاعد أعمال العنف في أجزاء واسعة من الولاية، حيث تدفع الاشتباكات والهجمات المتكررة المدنيين إلى الفرار نحو القرى والمناطق المجاورة بحثًا عن الأمان، في ظل ضعف البنية التحتية وشح الموارد في مناطق الاستقبال.
وأفاد شهود عيان “أفق جديد” بأن غالبية النازحين من النساء والأطفال وكبار السن والحوامل، اضطروا إلى الفرار دون متاع أو مؤن، ووصل الآلاف إلى مدينة كبكابية، بعد أن تحولت مستريحة إلى أنقاض وأكوام رماد، ما ينذر بكارثة صحية وإنسانية وشيكة إذا لم تتدخل المنظمات الدولية بشكل عاجل.
وأكدت المنظمة الدولية للهجرة تفرّق بعض النازحين في مواقع متعددة بمحلية كبكابية، في ظل أوضاع أمنية معقدة.
وبحسب إفادات ناشطين، تعيش الأسر المهجّرة أوضاعًا إنسانية بالغة القسوة، مع انعدام تام للمأوى والغذاء ومياه الشرب، ما يضع حياتهم في دائرة الخطر، ويستدعي استجابة إغاثية فورية لتفادي تفاقم الأزمة.
ويتزامن ذلك مع وصول منسقة الشؤون الإنسانية في السودان، دينيس براون، إلى مطار الخرطوم الدولي على رأس وفد أممي، في زيارة تُعد الأولى لمسؤول أممي رفيع إلى العاصمة عبر المطار منذ استئناف نشاطه الملاحي.
وبينما تسيطر قوات الدعم السريع على معظم ولايات دارفور الخمس، يحتفظ الجيش السوداني بنفوذه في أجزاء من شمال دارفور وبقية الولايات، بما فيها العاصمة الخرطوم. ومنذ أبريل 2023، يخوض الطرفان حربًا على خلفية خلافات بشأن دمج قوات الدعم السريع في المؤسسة العسكرية، ما أدى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، تسببت في مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص، فضلًا عن تفشي المجاعة في عدة مناطق.
وتتزايد الدعوات الأممية والدولية لوقف الحرب في السودان، تفاديًا لانزلاق البلاد إلى كارثة إنسانية أعمق، مع استمرار معاناة الملايين من نقص الغذاء والخدمات الأساسية نتيجة استمرار القتال.





