“وثبة البرهان”.. ولكن برجل واحدة
أكثر ما لفت الانتباه في خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان بمناسبة عيد الأضحى ليس إعلانه عن حوار سوداني ـ سوداني، بل الشروط التي أحاط بها هذا الحوار قبل أن يبدأ. فالحوار، بحسب ما جاء في الخطاب، لن يكون مفتوحاً لكل السودانيين، وإنما سيقتصر على من أسماهم “أصحاب الوجعة”، وعلى القوى الوطنية “من غير الذين تلطخت أيديهم بدماء الشعب السوداني”. وهي عبارات تبدو للوهلة الأولى أخلاقية ومنطقية، لكنها في حقيقتها تطرح السؤال الأهم: من الذي يحدد من هم أصحاب الوجعة؟ ومن الذي يملك حق تصنيف السودانيين إلى وطنيين وغير وطنيين، وإلى مستحقين للمشاركة ومستبعدين منها؟
الحوار الوطني، في جوهره، ليس مكافأة تمنحها السلطة لمن يتفق معها، ولا منصة يجري انتقاء المشاركين فيها وفق معايير تضعها جهة واحدة. الحوار الحقيقي يفترض الاعتراف بوجود أزمة وطنية شاملة، وبأن أطرافها متعددة، وأن حلها لا يمكن أن يتم عبر استبعاد الخصوم أو إعادة تعريف الوطن وفق رؤية من يظن نفسه منتصراً والبلاد لا تزال أجزاء واسعة منها تحت النار.
أو من يظن نفسه مسيطراً لأنه استطاع استرداد المقرات الحكومية بعد تدميرها. فحين تتحول الدعوة إلى عملية فرز سياسي وأخلاقي مسبقة، فإنها تصبح أقرب إلى مؤتمر تعبئة لأنصار السلطة منها إلى حوار وطني جامع.
ما قاله البرهان لا يعكس فقط رؤية إقصائية للحل السياسي، بل يكشف اتجاهاً متصاعداً نحو تكريس واقع الانقسام الذي أنتجته الحرب. فمنذ اندلاع النزاع لم تتصرف السلطة القائمة بوصفها سلطة تسعى للحفاظ على وحدة المجال السوداني، بقدر ما تصرفت كسلطة تدير جزءاً من البلاد وتعمل على عزله عن الجزء الآخر. تغيير العملة، وإجراءات الأوراق الثبوتية، وتنظيم امتحانات الشهادة السودانية في مناطق دون أخرى، وإغلاق خطوط التبادل التجاري مع مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، كلها خطوات تمضي في اتجاه واحد: ترسيم حدود سياسية واقتصادية وإدارية داخل الدولة الواحدة.
ولعل أخطر ما في هذا المسار أنه لا يكتفي بتقسيم الجغرافيا، بل يذهب إلى تقسيم المواطنين أنفسهم. فالسوداني الذي يعيش في دارفور أو كردفان، أو اضطرته ظروف الحرب للتعامل مع واقع تفرضه سلطات الأمر الواقع هناك، يجد نفسه تدريجياً موضوعاً في خانة الشبهة أو الاتهام. ولم يعد الأمر مقتصراً على الخطاب السياسي، بل امتد إلى الممارسة القانونية والإدارية، كما ظهر في الأحكام والإجراءات التي استهدفت بعض السائقين والتجار في مدينة الدبة بتهمة محاولة نقل بضائع إلى مناطق في غرب السودان. وهكذا تتحول الحرب من صراع بين قوتين مسلحتين إلى عملية فرز مجتمعي واسعة النطاق، يدفع ثمنها المواطن العادي قبل غيره.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة خارجة من حرب أهلية ليس وجود السلاح وحده، وإنما نشوء قناعة لدى قطاعات واسعة من السكان بأن الدولة لم تعد تمثلهم جميعاً. وعندما تتبنى السلطة خطاباً يقوم على تعريف من هو الوطني ومن هو غير الوطني، ومن يحق له المشاركة ومن لا يحق له، فإنها تقترب من هذه المنطقة الخطرة. فالوطن لا يُبنى عبر قوائم المدعوين، بل عبر القدرة على استيعاب المختلفين. والدولة لا تستعيد شرعيتها من خلال استبعاد الخصوم، وإنما من خلال قدرتها على إدارة الخلاف بينهم.
لقد عرف السودانيون هذا المشهد من قبل. فقبل سنوات أطلق الرئيس المخلوع عمر البشير ما عُرف بـ”حوار الوثبة”، وقدم باعتباره حواراً وطنياً شاملاً ينهي الأزمة السياسية المزمنة. لكن الوثبة انتهت إلى ما يشبه التجمع المغلق لأنصار النظام وحلفائه، ولم تنتج سلاماً ولا استقراراً ولا تحولاً ديمقراطياً. الفارق الوحيد أن البشير كان يحاول القفز بكلتا قدميه، بينما يبدو البرهان اليوم وكأنه يكرر التجربة نفسها على قدم واحدة، مستنداً إلى شرعية الحرب وإلى واقع عسكري مؤقت، لكنه يسير في الاتجاه ذاته.
وليس من المصادفة أن تأتي هذه الدعوة مقرونة برفض “حوارات العواصم” ونتائج المؤتمرات الخارجية. فالمشكلة ليست في مكان انعقاد الحوار، بل في طبيعته وشموله. الحوار الذي يعقد في بورتسودان أو الخرطوم ويستبعد جزءاً كبيراً من السودانيين لن يكون أكثر شرعية من حوار يعقد في أي عاصمة أخرى. الشرعية لا يمنحها المكان، وإنما يمنحها الاتساع والتمثيل والقدرة على معالجة جذور الأزمة.
السودان اليوم لا يحتاج إلى حوار طرشان، ولا إلى مؤتمرات الولاء السياسي، ولا إلى إعادة إنتاج تجارب أثبتت فشلها. يحتاج إلى مشروع وطني يعترف بحقائق الحرب وتداعياتها الكارثية، ويقر بأن البلاد لم تعد تحتمل مزيداً من الإقصاء والتصنيف. فبعد كل هذا الدم والخراب والنزوح والانقسام، يصبح السؤال الحقيقي ليس من هم أصحاب الوجعة، وإنما من الذي يملك الحق في احتكار وجع السودانيين أصلاً؟
إن أخطر ما في خطاب البرهان ليس ما قاله عن الحوار، بل ما كشفه عن تصور سلطة الأمر الواقع لمستقبل البلاد. تصور يقوم على أن السودان يمكن أن يُعاد بناؤه بمن حضر، وأن الوطن يمكن أن يُدار بمن توافق عليهم السلطة وحدها. لكن التجربة السودانية، منذ الاستقلال وحتى اليوم، تثبت العكس تماماً: كل مشروع حاول احتكار الوطنية انتهى إلى تعميق الأزمة، وكل سلطة قسمت السودانيين إلى فئات متقابلة تركت وراءها بلداً أكثر هشاشة وانقساماً.
ولهذا فإن الدعوة التي أُعلنت في خطاب العيد لا تبدو بداية لطريق الخروج من الأزمة، بقدر ما تبدو خطوة جديدة في طريق ترسيخها. فالحوار المشروط ليس حواراً، والوحدة التي تقوم على الاستبعاد ليست وحدة، والسلام الذي يُبنى على إقصاء نصف المشهد السياسي والاجتماعي لن يكون سوى هدنة مؤقتة في حرب مرشحة لأن تتخذ أشكالاً أخرى.
وإذا كان السودانيون قد دفعوا ثمناً باهظاً نتيجة الانقسامات التي راكمتها النخب السياسية والعسكرية عبر العقود، فإن أقل ما يحتاجونه اليوم هو سلطة تتوقف عن إنتاج انقسامات جديدة باسم الوطنية، وتدرك أن البلاد التي مزقتها الحرب لا يمكن أن تُحكم بمنطق الفرز، بل بمنطق الشراكة، ولا يمكن أن تُبنى بالإقصاء، بل بالاعتراف المتبادل بين جميع أبنائها.