بين شجاعة المبادئ وعقبات الميدان.. قراءة في إعلان المبادئ الصادر في نيروبي؟

كتب أحمد عثمان محمد المبارك

بصفتي مواطنًا سودانيًا ومؤيدًا مخلصًا للخط العام الذي تسير عليه قوى التغيير المدني، عكفتُ على قراءة وفحص تفاصيل وثيقة إعلان المبادئ الثاني الصادر عن مؤتمر نيروبي الثاني، بقراءة متعمقة تتجاوز مجرد الحماس العاطفي إلى الرغبة الحقيقية في تجويد هذا المنتج السياسي وتحصينه ضد عقبات الواقع المعقد.

إن إيماني العميق بالميثاق وخريطة الطريق المقترحة لوقف الحرب والانتقال الديمقراطي، يفرض علينا أن نقف وقفة تحليلية متأنية توازن بين تثمين المكاسب غير المسبوقة التي حققها المجتمعون في هذا المؤتمر، وبين الفحص النقدي البنّاء للثغرات التكتيكية التي قد تعيق تحويل هذه المبادئ إلى واقع ملموس ينقذ أهلنا على الأرض؛ فالهدف هو فرز خيارات الوثيقة بدقة لمعرفة أين أصبنا بامتياز، وأين نحتاج إلى إعادة ضبط ومراجعة، من خلال تحديد نقاط قوة الإعلان ونقاط ضعفه.

أولًا: نقاط القوة والفرص المتاحة في الإعلان:

يتميز الإعلان بقدرة لافتة على كسر حالة الجمود السياسي السائدة منذ اندلاع الحرب، حيث نجح في صياغة مركز ثقل مدني جديد يجمع، لأول مرة، مكوّنات متباينة وعريضة تشمل الأحزاب التقليدية والقوى الحديثة والحركات المسلحة والشخصيات المستقلة، مما يؤكد قدرة الجبهة المدنية على تجاوز خلافاتها النخبوية الضيقة أمام أولوية إنقاذ الوطن. ولم يقتصر التميز هنا على الجانب النظري، بل امتد إلى طرح خطة إجرائية وعملية محددة زمنيًا، باقتراح هدنة لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد، مدعومة بهيكل تنفيذي مؤسسي يفصل بذكاء بين المسار العسكري عبر اللجنة المشتركة لمراقبة الانتهاكات، والمسار السياسي من خلال المفوضية السياسية للإشراف ومعالجة النزاعات.

كما تظهر قوة الإعلان في تبنيه رؤية شمولية تقطع الطريق أمام التسويات المجزأة، وذلك بالربط العضوي الصارم بين الملفات الإنسانية والعسكرية والسياسية في حزمة واحدة، تضمن ألّا تضيع مكتسبات التحول الديمقراطي في أي مقايضات قادمة.

ويضاف إلى ذلك التشخيص الدقيق والجريء الذي قدمه المجتمعون لأزمة شتات المنابر الخارجية، حيث وضعوا إصبعهم على جرح التنافس الدولي والإقليمي الذي أطال أمد الحرب، وطالبوا بوضوح بتوحيد المبادرات في منبر تنسيقي واحد يستند إلى رؤية مشتركة، مما يمنح الموقف المدني السوداني صوتًا قويًا وموحدًا أمام العالم.

ثانيًا: نقاط الضعف في الإعلان:

في المقابل، يواجه الإعلان ثغرة واضحة تتعلق بآليات إلزام أطراف النزاع الفاعلة على الأرض، إذ يفرط في الاتكال على الضغط والتدخل الدولي الحاسم لإجبار الجيش والدعم السريع على قبول الهدنة واللجان المشتركة، وهو رهان قد لا يصمد كثيرًا بالنظر إلى بطء المجتمع الدولي وتعدد مصالحه، مما يفرض تجويد الوثيقة بابتكار أدوات ضغط مدنية وشعبية ملموسة، واشتراط حزم عقوبات وحوافز محددة يتبناها الحلفاء.

وتبرز إشكالية أخرى في التناقض العملي بين تبني الموقف الأخلاقي الثوري القاضي بالإقصاء المسبق للحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني من العملية السياسية، وبين الواقعية الميدانية التي تشير إلى تغلغل هذه المجموعات وقتالها الحالي بجانب الجيش، مما قد يدفع الطرف الآخر إلى التمسك بخيار الحرب الشاملة ورفض المبادرة برمتها، وهو ما يتطلب تجويدًا يفصل بين المحاسبة الجنائية القضائية الصارمة لكل من أجرم، وبين وضع شروط دستورية عامة للعملية السياسية تقوم على المواطنة ونبذ العنف وتفكيك التمكين.

كذلك يؤخذ على الخطاب الإعلامي للمخرجات استخدام مصطلح (الكتلة الثالثة)، الذي يضع المدنيين في كفة مساوية عسكريًا وسياسيًا لطرفي الحرب، بينما هم يمثلون الأغلبية العريضة وصاحبة المصلحة الأساسية، مما يستدعي إعادة طرح الجبهة المدنية كمنصة وطنية جامعة لاستعادة الدولة، مع وضع معايير دقيقة تمنع اختراقها وتتفادى عيوب التجارب التحالفية السابقة.

ويمتد الطموح الزائد للبيان إلى اشتراط الدمج والتسريح الشامل وتأسيس الجيش المهني الموحد كبند رئيسي في المراحل الأولى للعملية السياسية، وهو سقف مرتفع قد يصطدم بالعقيدة العسكرية للأطراف المتحاربة ويجهض التفاوض؛ لذلك فمن الأفضل تبني استراتيجية المراحل المجزأة التي تركز أولًا على وقف إطلاق النار وفتح الممرات الإنسانية، وتأجيل دمج الجيوش ليكون قضية دستورية كبرى يناقشها المؤتمر القومي الدستوري لاحقًا.

وأخيرًا، فإن حصر المرجعية الدولية في خريطة طريق الآلية الرباعية، وتجاهل المنابر الإقليمية الأخرى كالاتحاد الأفريقي والإيغاد، قد يثير حزازات سياسية مع قوى إقليمية مهمة كمنظمة الإيغاد، التي تعتبر كينيا المستضيفة للمؤتمر قطبًا فيها، الأمر الذي يتطلب صياغة أكثر مرونة تدمج وتنسق بين مقترحات كافة المنابر الفاعلة، لتجنب صراع المحاور على الساحة السودانية.

وفي الختام، يظل إعلان المبادئ الثاني في نيروبي خطوة شجاعة وجسرًا حقيقيًا نحو صياغة مستقبل جديد للسودان، يعكس وعي القوى المدنية بضرورة التسامي فوق الخلافات لإنقاذ الوطن. إن الغرض من تسليط الضوء على هذه الثغرات وتفكيك بنود إعلان المبادئ ليس إضعافًا للمبادرة، بل هو سعي مخلص لتحصينها وجعلها أكثر مرونة وواقعية في مواجهة حقول الألغام السياسية والعسكرية على الأرض. وبقدر ما نملك من شجاعة لطرح الرؤى والبدائل، يجب أن نملك ذات الشجاعة لمراجعة أدواتنا وتجويد خططنا، حتى لا تظل هذه المبادئ الرفيعة حبيسة الأوراق، بل تتحول إلى حبل نجاة حقيقي ينتشل بلادنا من أتون هذه الحرب العبثية ويعيدها إلى مسار الحرية والسلام والعدالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى