حكاية من بيئتي (35) مطر اليقين

الفيلابي

ــ إنت يا أحمد المِحِل الملان ناس داك شنو؟

ــ كافتريا

ــ ببيعوا فيها شنو؟

ــ تمباك ونعلات.

ولما ضحكت المجموعة أدرك (عمر) أنها مطر السخرية التي لم تتوقف منذ وطأت قدماه المدينة. ولسوء حظه كان أول مستقبليه ابن خالته طويل اللسان (أحمد)، الذي يسخر من نفسه وممن حوله في كل الأوقات. وكان (بيت العزّابة)، ثاني صدمات المدينة التي ستلاحقه لشهور. الغرف الضيقة المكدّسة ببشر يسابقون الشمس للخروج، وبعضهم يؤوب بعد أن يتوغل الليل في ثلثه الأخير، ومنهم من لا يرى البيت إلا في مثل هذا اليوم من الأسبوع، ولولا أنها (جمعة المسلمين) لما تفرغوا ليذهبوا به إلى حيث سيلتقي بمن سيعمل لديه في متجره في أحد الأحياء الطرفية. كانوا قد بشروه بأنه سيجد في بيت العزابة الآخر رفيق طفولته الذي سبقه بسنوات إلى المدينة. وحين وصل وجده في منتصف الفناء الصغير منكباً على طست مهلهل، فهرع إليه بيديه الغارقتين في رغوة الصابون، ليتعانقا طويلاً، فيما انشغل الآخرون بتحية من يشغلون ظلال الغرفة والجدران.

تفرس في وجه صديقه بحثاُ عن ذلك البريق والشغف خلف الضحكات والأسئلة التي لا تنتظر إجابات، فلم يجده. فأيقن أكثر أن هناك شيء يغيّر الناس هنا. والشاهد أنهم حين تحلقوا حول ذلك الطبق الكبير لم يحس أنهم يستطعمون ما يأكلونه كما لو كانت وجبة هناك، ولكأنهم يؤدون واجباً، أو يمارسون عادة يومية، كما عبّر أحدهم..

ــ والله بقينا قدر ما (نصلّح) الفول ده نلقاهو ياهو الفول ذاتو.

تذكر مقولة أبيه حين كان يحاول إثناءه عن السفر..

ــ يا ولدي والله الجوع هناك أكتر من هنا، وحسو أعلى، وقرصتو توجع أكتر. هنا بنجوع نعم، بس جوعنا حدو قريب، وصوتو واطي. الجوع هنا عادي زيّو زي أي شي في حياتنا، إلا جوع المدينة ياهو (الجوع الكافر) ذاتو.

بدا يفهم حديث أبيه الذي لم يكن يقصد جوع البطن، إنما جوع الروح. بعد الشهر الخامس له بين أربعة جدران لا يغادرها إلا لماماً. يمشي طول النهار والليل بين أرفف المتجر، وبين قدرة الفول في الخارج. لا يجلس إلا ليعبئ الفحم، أو ينظف كمية الفول المعدة لليوم، أو ليغسل القدرة. وله من حقوق إراحة الجسد مقداراً يسيراً يقضيه كيفما شاء في (بيت العزابة) القريب من متجرهم..

ــ لماذا تتشابه هذه البيوت الى هذا الحد؟ ولماذا تتشابه عيون الناس فيها؟ ذات (المسكنة) المرسومة في عيون المتسولين والمتسولات يعبرونه الى الطرقات وتقاطعاتها، أو يقفون عنده قليلاً، وبينهم من لا يرضى برغيف الخبز الحاف، وبقايا الوجبات.

مثل هؤلاء في قريته لا يلفتون الأنظار، لأنهم يشبهون الجميع.

هو لم يدرك أن المدينة ترفع سقف التوقعات عبر المشاهدة اليومية للمترفين، وعبر الإعلانات، ونمط الحياة، ووسائل التواصل، ويزيد فيها الجوع لمشاهدة أرتال الأطعمة عبر البوابات والجدران الزجاجية، ونوافذ السيارات الفارهة، أو في الأيدي، أو حتى ما يتم رميه في حاويات النفايات. ففي المدينة الثراء يُعرض (باستفزاز) في الواجهات. حيث الاستهلاك معيار نجاح. هنا يتحول الجوع إلى صخب، وتتسع الفجوة بين الحلم والواقع. ما يعني أن الفقر في المدينة يعني للبعض شعور دائم بأنك متأخر عن الآخرين. الأمر الذي يجعل الانسان في حالة توتر دائم بين ما يراه عند الآخرين، وما كان يحلم بأن يمتلكه، وما يملكه في الواقع.

وبدأت ماكينة التفكير تشتغل في رأس (عمر). حين صمت عن الأسئلة التي كان يداري بها خوفه وقلقه وتوتره.

في الريف يكون سقف الحياة بيت بسيط، وأرض تهب ما يكفي لسد الرمق، وابتسامة تغسل الكآبة التي يرسمها شظف العيش، وقلة الحيلة. أما هنا فيتحول الأمر إلى نهم امتلاك كل شيء، وبأي وسيلة كانت، حيث يعلو سقف التوقعات ليشمل السكن الجيد، والسيارة الفارهة، ونمط الاستهلاك المغاير والمستمر. إلا أن هناك أصحاب اليقين، أولئك الذين أجبرتهم ظروف الحياة على سكن المدينة ومعايشة فقر الريف، من اعتادوا على الندرة، وأدركوا حكمة الثبات والقناعة والتوكُّل، واعتمدوا الصبر على حياة الكفاف في إيمان. فمن تربّى على يقين داخلي قوي قد لا يتحوّل فقره إلى ضجيج، حتى لو سكن المدينة، لأن معيار الرضا لديه داخلي، وليس خارجي.

وبات يبحث في داخله عن عمر (الموقن بالتجربة القصيرة)، فوجده في رجل بسيط يغشاه كل يوم وهو في طريقه إلى موقف السيارات القريب، تسبقه ابتسامة الرضا وتمتمات لا تتوقف إلا ليحادثه. على كتفه يعلق (مخلاية) يخرج عنها رنين أكواب الزجاج، وتتدلى من يسراه كفتيرة الشاي الكبيرة تتوهط الجمر المشتعل في الطبق المعدني، ، يضعها أرضاً ليسلمك الكوب بيمينه، ولا يرضى أن تمد له يدك اليسرى.

ــ جوع روحك يطول إن قست رزقك بي رزق الناس.. وإن قستو بي رضا قلبك تشبع وإن قل طعامك. الجوع عابر والهلع دائم (خلق الانسان هلوعا).. ونفسك إن ضاقت بي المقارنة وسعها بالحكمة.

هذا الرجل الطيب يتفرس في الوجوه، وإن قرأ زهداً فيما يقول مضى لحال سبيله، أما إن قرأ طلب الاستزادة، فإنه لا يبخل..

ــ إنت تقايل قلة ما في اليد فقر؟ 

لا والله المعطي الكريم بلا من ولا أذى.. الفقر في كترة التشوفو بي عينك وما تلحقو بي إيدك، ونفسك فيهو.

هل هذا الرجل، أو (عمر) نفسه على اطلاع على ما أورده يوماً البروفيسور محمد عبد الله الريح حين قال:

“عندما ينتقل الفقراء إلى المدن فانهم يزيدون أعداد القوى البشرية الجديدة التي تعيش في أحياء فقيرة اشبه بالأحجار، لا يجدون الماء النظيف، ولا العناية الطبية، ولا مدارس لأولادهم، وكيف ما تكون حالتهم فإنهم يقيسونها بأولئك الذين يملكون سيارات، والذين يأكلون طعاماً جيداً، ولا يعاني أطفالهم أمراض سوء التغذية، وهذا يخلق فيهم شعوراً بالضياع والحقد”. (أنسنة الحيوان ص 204).

شغل (عمر) السؤال أياماً قبل أن ينطق به:

ــ لماذا جئت إلى هنا؟

فقال الرجل بعد أن ارتسمت على وجهه سحابة أسى..

ــ لأن (هناك) لم يتبق فيه شيء.. الحرب هناك أكلت كل شيء.. ومن هم في مثل عمرك لم يفارقوا القرى ليعملوا في المتاجر الفقيرة مثلك، بل ليحملوا السلاح، وليزيدوا الحرب اشتعالاً.

يومها أحس (عمر) أنه أخطأ حين فارق قريته وأباه الذي بات في أشد الحاجة لوجوده بقربه.. فتساءل في نفسه..

ــ ماذا أضافت السنوات الطويلة لأمثال أحمد؟ وماذا أضافت لي الشهور؟ لماذا لا أعود إلى هناك حيث الأفق أكثر اتساعاً، وحيث يؤمن الناس أن الحياة لا تُمنح دفعة واحدة، لكنها تُسَكَّن مثلما تُسكّن قطرات المحلول الوريدي في الجسد المتعطش. وحيث اليقين كالأشجار ينمو يوماُ بعد يوم، والجوع جزء من دورة الحياة، بينما هو هنا (إهانة) كما قال الشيخ صاحب الكفتيرة، ذلك لأن المدينة تربط قيمة الانسان بالقدرة على الشراء، بينما يربط الريف القيمة بالقدرة على الصبر، والتكافل، والانتاج.

حمد الله أنه أيقن، وحزم أمره وعاد، مغسولاً بمطر اليقين.

وما هي إلا شهور قليلة ليجد أن المدينة بحالها اندلقت إلى قريته بعد أن شردتهم الحرب.

هرب صاحب الكفتيرة من قريته المحترقة إلى المدينة، وحين احترقت المدينة هرب إلى القرية الأخرى، فقد هداه تفكيره أن ينزل على القرية التي سكّن اسمها في الذاكرة على أثر الأنس العابر مع (عمر)، فنزل عليه ضيفاً قد تطول إقامته دونما كفتيرة، لكنه وجد الفرصة ليمارس مهنته القديمة في مزرعة والد (عمر الموقن).

ونلتقي في حكاية جديدة من بيئتي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى