التطرف العنيف في السودان؟!

السر السيد

السر السيد 

أواصل، وبتصرف، نشر ما جاء في مخطوطتي: (الشباب والتطرف العنيف في السودان 1990-2018: خلية الدندر نموذجًا)، التي فرغتُ من إنجازها في العام 2018.

تمهيد

أشرتُ إلى أن هذه المقالات تجيء لتُقرأ في سياق الحملة التي تنشط الآن من أجل تصنيف الحركة الإسلامية السودانية تنظيمًا إرهابيًا عالميًا، أو لقراءة هذه الحملة على خلفيتها.

ومواصلةً للمقالات السابقة حول الجهود الفكرية، سأتوقف في هذا المقال عند بعض المساهمات التي نُشرت في الصحف والمجلات السودانية.

الإرهاب… معضلات التعريف والمواجهة:

تحت هذا العنوان كتب الدكتور أمين حسن عمر سلسلة مقالات في جريدة الصحافة خلال شهر أغسطس من العام 2016، قدّم فيها مقاربة لمصطلحي: (الإرهاب والتطرف)، كاشفًا عن دلالتيهما وحمولتيهما. ومما قاله: (إن الكلمة المناسبة لتعريب الكلمة الإنجليزية “terrorism” هي “إرعاب” وليس “إرهاب”، لأن كلمة إرهاب وفقًا للمصطلح القرآني لا تعطي المعنى الذي تعطيه الكلمة الإنجليزية وفقًا للتعريف الغربي السائد الآن للإرهاب).

وفيما يتعلق بكلمة (التطرف)، أشار إلى أن الكلمة المناسبة هي (الغلو) وفقًا للمصطلح القرآني. وجاء في السلسلة أيضًا: (إن ظاهرة الغلو والإرهاب ليست سؤالًا تقع مسؤولية الإجابة عنه على المسلمين فقط، وإنما تقع على الجميع، وذلك لأن من أسباب الظاهرة ـ إضافة إلى التأويلات الخاطئة للنصوص الدينية وبعض أحداث التاريخ الإسلامي ـ يأتي الوضع الحضاري الراهن وما يطرحه من ثقافة تكرّس للعنف بسبب ارتكازها على الشمولية والمركزية وسلطة النموذج الواحد وغياب العدالة بمفهومها الأشمل).

وبخصوص ما يُعرف بـ(الولاء والبراء)، جاء في المقالة السادسة من السلسلة: (وقد صارت عقيدة البراء من الكفر، التي بلورها الإمام ابن تيمية فيما أسماه الولاء والبراء، عقيدة لبعض أهل الغلو والتشدد، فكأنها أصل من أصول الإيمان، وعلا مقدارها عندهم أكثر من مقدار وجوبية الدعوة إلى الله، التي هي ثلث الإيمان. فكيف تُجانب الكافر المسالم وتحاربه، ثم تزعم أنك تستجيب لنداء الله: “ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن”؟).

وسنجد أن من بعض ما عبّرت عنه هذه المقالات نقدُها للمؤسسات الفكرية والاستراتيجية الغربية، وللعلمانيين في مقاربتهم لظاهرة الغلو، وتعمد الكثيرين منهم عدم مناقشة ما يُعرف بـ(إرهاب الدولة).

مجلة الرائد

في ذات المسار مضت مجلة الرائد، التي يصدرها قطاع الفكر والثقافة وشؤون المجتمع بحزب المؤتمر الوطني، إذ أفردت ملفًا خاصًا بعنوان (خطاب التطرف) في عددها الثالث الصادر في يناير 2016.

كتب فيه البروفيسور عبد الرحيم علي ورقة بحثية بعنوان (الدين وأثره في إرساء السلم العالمي)، نأخذ منها قوله: (الدين ظاهرة اجتماعية وإنسانية كونية، وهي مرتبطة مع الظواهر الأخرى من النشاط الإنساني ومؤثرة فيها. وليست كل الأديان سواءً في تعاليمها أو في طقوسها أو في قيمها، ولكن الأديان الكبرى الكتابية: الإسلام والمسيحية واليهودية، متشابهة في أصولها وغاياتها، وتكاد تكون متطابقة في القيم الروحية والمظاهر. وكل هذه الأديان تهدف إلى إحداث سلام مع النفس، وسلام مع الله، وسلام مع الكون كله، وذلك من خلال رياضات روحية، وآداب خلقية، وشرائع اجتماعية).

وكتب فيه البروفيسور حسن مكي ورقة بحثية بعنوان (الاقتصاديات الثقافية للإرهاب)، ومما جاء فيها قوله: (إن الشروط المثالية لنمو وازدهار الجماعات الإرهابية واستمرارها وتعمقها تقتضي وجود عوامل ثقافية مؤثرة، وعلى رأسها أنماط خاصة من الدين ـ وبكلمة أدق: التدين ـ وكذلك عصبية الانتماء العرقي أو الجهوي. وإذا كانت هذه العوامل والعصبيات تعمل في مناخ صراعي تتصاعد فيه مشاعر الغضب والكراهية، فإن فعل العوامل السياسية يزداد قوة في تأجيج نار الصراع، وتظهر حالة تسودها قيم الحرب التي تنمو خصمًا على قيم السلام، وتزداد شهية المستثمرين من كل الأطراف: الدول والعصابات، والأفراد والجماعات).

وكتب فيه الدكتور الصادق الفقيه ورقة بحثية بعنوان (الميديا والدين.. من هنا نبدأ: القيم وتحديات التقدم الرقمي)، نأخذ منها قوله: (وبعد أكثر من ألف سنة حافظ فيها علماء الإسلام، بشكل عام، على سيطرتهم الكبيرة على الإنتاج الفقهي والتفسير ونشر النصوص الإسلامية والمحتوى العلمي والمعرفي لجموع المسلمين في جميع أنحاء العالم، نجد أننا الآن، وللمرة الأولى على الإطلاق في تاريخ الأمة، نشهد بداية تغيير جذري، إذ تأخذ وسائل الإعلام الجديد مثل “فيسبوك” و“ووردبرس” و“تويتر” و“يوتيوب” و“واتساب”، والعديد من أدوات الشبكة العنكبوتية، زمام المبادرة في النشر وتبادل المحتوى بطرق سهلة ورخيصة أو مجانية وتشاركية. ونتيجة لذلك، يتعرض الملايين من مستخدمي الإنترنت من الشباب المسلمين اليوم إلى تنوع هائل في مصادر المعرفة الدينية والفتاوى والأفكار والآراء الخلافية المختلفة، وربما الخاطئة، عن الإسلام، على عكس أي وقت مضى).

مستخلص

عند النظر بصورة عامة إلى المنتج الفكري السوداني في مواجهة التطرف والتطرف العنيف، سنقف على الآتي:

1- نهضت هذه المساهمات على معرفة بأسئلة التطرف في السودان: مصادره، ومنطلقاته، ومرجعياته.

2- أكدت المساهمات على الأدوار التي يمكن أن يقوم بها المثقفون والمفكرون والدعاة في التنوير، وفي الدفاع عن أديان وثقافة وتقاليد الشعب.

3- مما أضاف لهذه المساهمات قيمةً إلى قيمتها مزاوجتُها بين الإرث الإنساني العام في الفكر والسياسة، والموروث الفقهي والفكر الإسلامي المعاصر، كما أنها جميعًا عبّرت عن احتياج ملح يتمثل في ضرورة بناء وإنتاج خطاب إسلامي يقارب أسئلة الواقع المتغير.

4- جاءت المساهمات من فاعلين في الحراك الإسلامي المعاصر، وبالتالي توفرت على دراية عملية بأبعاد الظاهرة، ومكامن قوتها، ومكامن ضعفها.

5- يمكن وصف هذه المساهمات، بصورة عامة، بأنها حوار يقوم به إسلاميون مع إسلاميين متطرفين حول الإسلام وطبيعة دوره وموقعه بوصفه دينًا عالميًا في عالم متغير، الأمر الذي يعني أن بُعدًا جديدًا أُضيف لدراسات التطرف والإرهاب؛ إذ إن الغالب فيها هو جهد الغربيين والعلمانيين المسلمين، أفرادًا ومؤسسات. وهو ما سيمنحها وجاهة أكبر، خاصة وأن هناك نقاشًا صاخبًا يدور في المجتمعات الأكاديمية بالولايات المتحدة وأوروبا ـ خاصة خلال الفترة التي تغطيها المخطوطة (1990-2018)، ولا يزال ـ حول ما إذا كان ينبغي إشراك الإسلاميين في بناء ما يُعرف بشبكات الاعتدال في العالم الإسلامي، ومن ثم إدخالهم في العملية السياسية.

ولتفاصيل أكثر يمكن الرجوع إلى كتاب (بناء شبكات الاعتدال الإسلامي)، الذي ألّفه فريق من الباحثين المرتبطين بـ RAND Corporation، وترجمه إبراهيم عوض.

6- في الفترة التي تحركت فيها المخطوطة (1990-2018)، وقفتُ على مساهمات فكرية سودانية كثيرة ومهمة في نقد خطاب الإسلام السياسي في السودان، كتبها بعض ممن يُوصفون بالعلمانيين “العقلانيين”، لكنني بالمقابل لم أجد لهم مساهمات في نقد خطاب التطرف العنيف (الإرهاب) كمبحث فكري له أبعاده وخصوصيته، باستثناء دراسة للأستاذ الحاج وراق بعنوان (نحو رؤية سودانية إنسانية لقضايا التطرف العنيف)، نشرها في جريدة حريات الإلكترونية في مارس 2018، وكتاب للدكتور إبراهيم الأمين بعنوان (اللاعبون الجدد في الشرق الأوسط)، الصادر في العام 2017.

.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى