“كيف يُعاد إنتاج الإنسان داخل أنظمة العنف؟ قراءة في رواية «ذبيح وثلاث ضفاف» مع علي الزين”

يقول علي الزين في حوار حول روايته «ذبيح وثلاث ضفاف»: “العنف لا يدمّر الذات فقط، بل يُسهم أيضًا في إنتاجها وإعادة تكوينها.”

تعرفت إلى علي الزين قبل سنوات طويلة في الجامعة. كنت وقتها طالباً مستجداً، أو كما نقول في السودان: “برلوم”، بينما كان هو قد سبقنا في التجربة الدراسية والسياسية والإنسانية. ومنذ ذلك الوقت ظل بيننا خيط من الونسة والحوار والأسئلة التي لا تنتهي.

ومع مرور السنوات تفرقت بنا المدن والبلدان، لكن بقيت الأسئلة نفسها تلاحقنا: أسئلة السودان، والهوية، والهامش، والعنف، والتاريخ، ومعنى أن يجد الإنسان مكانه داخل عالم يتغير باستمرار

حين قرأت رواية «ذبيح وثلاث ضفاف» شعرت أنني لا أقرأ فقط حكاية فتى من بحر الغزال اقتلعته حركة التاريخ من موطنه الأول، بل أقرأ أيضا أسئلة ظلت ترافق أجيالاً كاملة من السودانيين وهم يحاولون فهم أنفسهم وبلادهم والعالم من حولهم

فالرواية، رغم امتدادها من بحر الغزال إلى الخرطوم والقاهرة ولندن الفيكتورية، ليست رواية عن الأمكنة بقدر ما هي رواية عن الإنسان حين يجد نفسه داخل قوى تاريخية أكبر منه. عن الاقتلاع، والعبودية، والاغتراب، والذاكرة، والعنف، وعن الكيفية التي يُعاد بها تشكيل البشر تحت ضغط التاريخ

في هذا الحوار نحاول الاقتراب من بعض الأسئلة التي تقف خلف الرواية. نتحدث عن هومي بابا وفكرة المحاكاة، وعن فرانز فانون والعنف الذي يحتل الوعي قبل أن يحتل الأرض، وعن محمد عبد الحي وسؤال العودة إلى الذات، وعن أبكر آدم إسماعيل وجدلية المركز والهامش، وعن ماركس والاغتراب، كما نتوقف عند العلاقة بين الأدب والتاريخ، وعند موقع الرواية داخل السردية الأدبية السودانية

لكن الحوار يتجاوز الرواية أيضا إلى أسئلة أكبر تتعلق بالسودان نفسه. أسئلة الهوية والانتماء والاعتراف، ومعنى الوطن، وحدود الجماعة الوطنية، وما إذا كانت أزمتنا تدور حول الدولة فقط، أم حول الأمة نفسها، وحول الكيفية التي نتخيل بها ذواتنا داخل حكاية مشتركة لم يكتمل بناؤها بعد.

حاوره: مناضل الطيب (أبو وطن)

 

أثناء قراءتي لـ ” ذبيح وثلاث ضفاف ” ، استحضرت عبارة عاطف خيري: «آية الهارب في الأرض، أقداره: أسوار». وبدت لي شخصية ورو لا تعيش أزمة هوية تقليدية، بل توجد داخل بنية مغلقة تعيد تشكيلها وترميمها باستمرار من داخل أسوارها، وكأنها مشروع إعادة تأهيل لا ينتهي. وهكذا لا يظهر العنف كقوة مدمِّرة للذات فقط، بل كقوة تُسهم أيضًا في إنتاجها وإعادة تكوينها.

.”

أعتقد أن هذه نقطة جوهرية فعلا الرواية لا تتعامل مع الهوية كجوهر ثابت يتمزق لاحقا، بل كشيء يُصنع تحت الضغط

ولهذا لا أرى أن ورو مجرد شخصية “متشظية”، هو إنسان يعاد تشكيله في كل مرحلة، ثم يهدم ما تشكل فيه مرة أخرى

 

حتي اسمه نفسة يلغي ويعطي اسم جديد كل مرة ، في الرواية عبارة (لم يكن ينقصه شيء… لكن لم يكن له اسم محدد) كانت مؤلمة!

ليس الاسم وحده، بل موقعه كانفاسان داخل العالم، وحقه في الاعتراف، وفي أن يكون مرئياً كذات لا كشيء لم يحصل عليه.

إذن هل يمكن قراءة الرواية عبر مفهوم الهجنة عند هومي بابا واعرف اهتمامك به ؟

يمكن البدء من بابا، لكن لا يمكن التوقف عنده ، الهجنة تفترض وجود مساحة للتفاوض، وإمكانية للمناورة داخل لغة المستعمِر وتمثيلاته ، أما ورو فلا يمتلك هذا الموقع أصلا ، هو لا يناور داخل النظام، بل يعاد تشكيله داخله ، فلا حول له ولا قوة أمام البنية التي تعيد إنتاجه باستمرار .

حتى المحاكاة كآلية رصدها بابا عند ورو ليست استراتيجية، وهنا أقصد بالمحاكاة ذلك مفهوم أنه يتبنى المستعمَر لغة المستعمِر وسلوكه وصوره عن العالم، لا كنسخة مطابقة، لكن كنسخة تشبهه ولا تشبهه تماماً.

هل يمكن ان تشرح بتفصيل أكثر؟

لأن المحاكاة عند ورو ليست أداة تفاوض أو مناورة هي شرخ داخلي فهو لا يرتدي قناع الآخر بإرادته، بل يجد نفسه مضطراً للنظر إلى العالم، وأحياناً إلى نفسه، عبر عين ليست عينه، وربما هنا يقترب ورو من السؤال الذي شغل محمد عبد الحي في «العودة إلى سنار»: كيف يمكن للإنسان أن يعود إلى نفسه بعد رحلة طويلة من الاقتلاع والتحولات..

وأتذكر أيضا سؤال محمود درويش: من أنا دون منفى؟  فورو لا يفقد مكانه في العالم فقط، بل يفقد أحيانا يقينه بمن يكون حين يتكلم لغة ليست لغته، ويرى نفسه بعين ليست عينه.

في هذا الجانب من الرواية نتذكرفرانز فانون، خاصة فكرته عن الإنسان الذي يكتشف نفسه داخل نظرة الآخر إليه. أحيانا يشعر القارىء أن معاناة ورو لا تأتي فقط مما حدث له، بل أيضا من الصورة التي فُرض عليه أن يرى نفسه من خلالها

إلى أي مدى كان فانون حاضرا في خلفية الرواية؟

فانون حاضر بلا شك، لكن ليس بوصفه مرجعا نظريا مباشرا، بل بوصفه أحد الذين فهموا الطبيعة العميقة للعنف،

فانون لم يتحدث فقط عن احتلال الأرض، بل عن احتلال الوعي ، عن اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان في رؤية نفسه عبر التصنيفات التي صنعها الآخر له ولهذا فإن أخطر ما يفعله العنف ليس تدمير الجسد، بل إعادة تعريف الإنسان لنفسه ، حين يقتنع المقهور، ولو جزئيا، بالرواية التي كتبها القاهر عنه. وهذا ما كنت مهتما بتتبعه في تجربة ورو،  ليس فقط ما فعله الآخرون به، بل ما الذي حدث داخله نتيجة لكل ذلك.

كثير من الروايات تتعامل مع العنف بوصفه حدثا يقع على الشخصيات من الخارج. لكن في «ذبيح وثلاث ضفاف» شعرت أن العنف ليس مجرد حدث، بل قوة تعيد تشكيل البشر من الداخل، وربما هنا نشير إلى أبكر آدم إسماعيل حديثه عن الاستلاب الثقافي، حين لا يكتفي القهر بإخضاع الإنسان، بل يدفعه أحيانا إلى النظر إلى نفسه بعين الآخر، والتماهي مع المعايير التي فُرضت عليه. و هل يمكن القول إن الرواية لا تنشغل فقط بما يفعله العنف بالأجساد، بل بما يفعله بالوعي والذاكرة والإحساس بالذات؟

هذا صحيح إلى حد بعيد ، لأن العنف لا ينتهي عند لحظة الضرب أو الأسر أو الاقتلاع ، هذه هي لحظته المرئية فقط ، أما آثاره الأعمق فتظهر لاحقا، حين يبدأ الإنسان في إعادة ترتيب علاقته بنفسه وبالعالم من حوله  كنت مهتما بالسؤال التالي: ماذا يبقى من الإنسان بعد أن يمر عبر كل هذه التجارب؟

وما الذي ينجو منه؟

وهل يخرج من العنف الشخص نفسه الذي دخله؟

أم أن العنف يترك وراءه إنسانا آخر؟

ولهذا فالرواية لا تتعامل مع العنف بوصفه حادثة، بل بوصفه عملية طويلة لإعادة تشكيل الذات..

هل كان  ماركس حاضر أيضا، لكن ليس بالمعنى الاقتصادي المباشر، بل عبر فكرة الاغتراب. كأن ورو مغترب حتى عن نفسه، هل يمكن قراءة الرواية من هذا الباب؟

: بالتأكيد

لكن الاغتراب هنا لا يظهر فقط بوصفه اغتراب العامل عن عمله كما عند ماركس في صيغته الكلاسيكية، لكن اكثر قسوة ، اغتراب الإنسان عن ذاته، وعن جسده، وعن العالم الذي يعيش داخله ، ورو لا يفقد شيئا خارجيا فقط، بل يفقد تدريجيا علاقته بنفسه ، هناك لحظات لا يشعر فيها أنه صاحب حياته بالكامل، بل كأن حياته تحدث لشخص آخر يشبهه ، أن يصبح الإنسان غريبا حتى عن التجربة التي يعيشها بنفسه.

تقصد أن الاغتراب عند ورو وجودي أكثر منه حالة فقر اقتصادي؟

علي الزين: هو وجودي، لكن جذوره مادية وتاريخية أيضا، ماركس كان مهما لأنه كشف أن الأنظمة القمعية لا تسرق جهد الإنسان فقط، بل تعيد تشكيل علاقته بنفسه وبالعالم ، وفي حالة ورو، العنف لا يجعله مقموعا فقط، بل يجعله غريبا حتى عن صورته الداخلية ، لا يغترب عن وطنه فقط ، لكن عن اللغة، والجسد، والذاكرة، وحتى عن الإحساس الطبيعي بالانتماء، إنه لا ينتقل بين عوالم مستقرة، بل يعيش داخل انقطاع دائم..

في بعض اللحظات وكأن ورو يتحول إلى شيء يُستخدم أكثر من كونه إنسانا يعيش حياته؟

وهذا قريب جدا من فكرة الاختزال ، حين يتحول الإنسان إلى وظيفة، أو إلى أداة، أو إلى مجرد حضور قابل للتنظيم والإدارة.

ورو في لحظات كثيرة لا يُعامل كذات كاملة، بل كجسد يمكن ضبطه، أو كائن يمكن نقله وإعادة ترتيبه داخل النظام

وهنا يصبح الاغتراب أعمق ، لأن الإنسان لا تُسلب حريته فقط، بل يُسلب إحساسه بأنه غاية في ذاته.

في بعض اللحظات يبدو أن مشكلة ورو ليست أنه لا يتكلم، بل أن العالم حوله لن يسمعه هل هذا يمكن أن يكون صحيح؟. 

أعتقد أن هذه ملاحظة مهمة ، فورو يتكلم لكنه لا يُسمع دائما بوصفه ذات ، حالة اصعب مما وصفتها غياتري سيبفاك ، المشكلة ليست في القدرة على الكلام، بل في شروط الاعتراف بمن يتكلم ، ان صح التعبير. ولهذا يتحول أحيانا إلى مجرد حضور جسدي، أو موضوع للمراقبة، أو كائن يُشرح أكثر مما يُصغى إليه ، وهنا يصبح السؤال أعمق من الحرية نفسها ، لأن الإنسان لا يحتاج فقط إلى أن يتكلم، بل إلى أن يُعترف به بوصفه إنسانا يملك الحق في الكلام ، حميد قال أغنى الناس الما بتسمعنى .

وهل لهذا حضرت فكرة الموت الاجتماعي بقوة في الرواية؟

نعم ،  لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس موت الجسد فقط، بل أن يعيش الإنسان دون اعتراف كامل  أن يكون حاضرا ، لكن خارج السردية، وخارج الذاكرة، وخارج التمثيل وربما هنا أتذكر ما كتبه الشاعر نعيم علي

نبقى أشخاصا في الهوامش

نبقى أبطالا دون رواية

فالمأساة ليست دائما في غياب البشر، بل في غياب الحكاية التي تعترف بوجودهم، وهذا ما يجعل بعض أشكال العنف تستمر حتى بعد توقفها الظاهري، لأن البنية التي أنتجتها ما تزال قائمة

تقصد أن المشكلة ليست في استبعاد بعض الأصوات من السردية، بل ربما في افتراض وجود سردية وطنية لدينا مكتملة من الأصل ، فقد لاحظت ان الرواية حاولت تغطية جزء كبير من السودان.

هذا ما أميل إليه ، السردية الوطنية نفسها لم تكتمل بعد، لم يتحول السودان حتى الآن، إلى حكاية مشتركة ولهذا فإن الخلاف لا يدور فقط حول من يوجد داخل الذاكرة الوطنية ومن يوجد خارجها، بل حول الذاكرة الوطنية نفسها وحول الحكاية التي يجب أن يكون الجميع داخلها ولهذا صراعاتنا ليست صراعات داخل وطن متفق عليه لكن صراعات حول الوطن نفسه ومعناه وحول تاريخه.

السودان فضاء التقت فيه ذواكر متعددة ، الذي من دارفور لا يتذكر الماضي بالطريقة نفسها التي يتذكره بها ابن الشمالية وذاكرة جبال النوبة ليست هي ذاكرة الجزيرة كما أن ذاكرة البجا ليست هي ذاكرة الخرطوم بل حتى داخل كل منطقة توجد ذواكر متقاطعة ومتباينة. 

ولهذا فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن تم استبعاده من الذاكرة الوطنية بل يتعلق أيضا بطبيعة هذه الذاكرة نفسها

هل توجد بالفعل ذاكرة وطنية سودانية جامعة؟  أم أننا نتحدث، في كثير من الأحيان، عن ذاكرة الدولة السودانية الرسمية أكثر مما نتحدث عن ذاكرة المجتمعات السودانية؟

ذاكرة جرى إنتاجها عبر المدرسة، والصحافة، وإذاعة أم درمان، والتلفزيون، والجامعة، ومؤسسات الدولة الحديثة

هذا يقودنا إلى سؤال آخر، إذا كانت الذاكرة الوطنية نفسها ما تزال محل تفاوض، وإذا كانت السردية الجامعة لم تستقر بعد، فهل يمكن القول إن الأزمة السودانية أعمق من مجرد أزمة دولة أو نظام حكم؟

أعتقد ذلك،  لأن كثيرا من النقاشات السودانية تُختزل في سؤال السلطة   من يحكم؟ وكيف يحكم؟ ومن يشارك في الحكم

وهي أسئلة مهمة بلا شك لكنها ليست كل شيء، فالدولة الحديثة لا تقوم فقط على المؤسسات والقوانين والأجهزة ولكن على جماعات سياسية تتخيل نفسها جزءا من مصير مشترك رغم تنوعها..

إذا كانت الوطن نفسه قيد التشكل، وإذا كانت السردية الوطنية لم تستقر بعد، فما الدور الذي يمكن أن يلعبه الأدب؟

هل يكتفي بوصف الانقسامات والتصدعات، أم يمكن أن يساهم في تخيل أفق مشترك؟

لا أعتقد أن وظيفة الأدب هي تقديم الحلول،  وليس مطلوبا منه أن يتحول إلى برنامج سياسي أو مشروع وطني جاهز

لكن الأدب يمتلك شيئا آخر يمتلك القدرة على توسيع الخيال أن يجعل الإنسان يرى العالم من موقع غير موقعه وأن يعيش، ولو مؤقتا، داخل تجربة شخص آخر، وفي المجتمعات المنقسمة تصبح هذه القدرة مهمة للغاية لأن كثيرا من الصراعات تبدأ حين يصبح الناس عاجزين عن تخيل حياة الآخرين، أو فهم مخاوفهم وآمالهم وذاكرتهم، الأدب لا يوحد الناس بالقوة ، لكنه يفتح مساحة للاعتراف المتبادل ومجرد الاعتراف بالآخر خطوة كبيرة في أي مشروع وطني.

هل لهذا السبب تبدو الرواية أحيانا منشغلة بمن هم خارج السرديات الكبرى أكثر من انشغالها بالأبطال التقليديين؟

ربما، لأن التاريخ الرسمي غالبا ما يتذكر الملوك والقادة والجنرالات أما الأدب فيستطيع أن يلتفت إلى الذين مروا بصمت ولم تُسمَّ الشوارع بأسمائهم ولم يدخلوا الكتب المدرسية، وهؤلاء الذين يعيشون على تخوم السرديات الكبرى يستحقون الاهتمام ليس لأنهم أكثر فضيلة من غيرهم بل لأنهم يكشفون ما تعجز السرديات الرسمية عن رؤيته.

فالمأساة ليست دائما في غياب البشر ، بل في غياب الحكاية التي تعترف بوجودهم، وفي كثير من الأحيان لا يفعل الأدب أكثر من إعادة هؤلاء إلى دائرة الرؤية

 

سؤال أخير، بعد كل هذه الرحلة بين الهوية والاغتراب والعنف والذاكرة وسؤال السودان، أريد أن أعود إلى ورو نفسه.

هل كان ورو بالنسبة لك شخصية روائية فقط؟ أم أنه كان وسيلة للتفكير في هذه الأسئلة كلها؟

أعتقد أنه كان أكثر من شخصية روائية ، لا أنظر إلى ورو بوصفه فردا معزولا، بل بوصفه نقطة تتقاطع عندها أسئلة كثيرة ، أسئلة الاقتلاع والسلطة والذاكرة والاعتراف والانتماء ولهذا لم أكن مهتما فقط بما يحدث لورو، بل بما يكشفه ورو عن العالم الذي يتحرك داخله ، فالشخصية الروائية بالنسبة لي ليست غاية في ذاتها ، هي نافذة نرى عبرها أشياء أكبر منها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى