حكاية من بيئتي (35) ــ مرآتي مرآتي… هل أنا جميلة؟

محمد أحمد الفيلابي
ــ أنت جميلة ولكن قطر الندى أجمل منك.
طافت بذاكرتي المسرحية المدرسية، وذلك الرد الجامع بين السخرية، وشيء من الحقيقة، وشيء من القسوة في المسرحية المعربة من التراث الأوروبي، وتحديداً من قصة بياض الثلج (Snow White)، للأخوين (غريم) الباحثين الألمانيين (يعقوب – 1785 – 1863، وفيلهلم 1786 – 1859)، اللذين جمعا الحكايات الشعبية الألمانية من أفواه الناس، ثم أعادا صياغتها في كتب أصبحت لاحقاً من أشهر حكايات العالم. وفي القصة تسأل الملكة الشريرة مرآتها السحرية: “مرآتي يا مرآتي على الجدار، من هي الأجمل بين الجميع؟”
أخذ المسرح السوداني الجملة وأعاد صياغتها في عمل مدرسي، في سياق نقد هوس الجمال لدى النساء في ثلاث ظواهر هي المقارنة القاتلة التي هي أصل كل عقدة، والجمال المثالي المستحيل، والمرآة هنا تمثل المجتمع، حيث تتحول المرآة من أداة صدق إلى أداة قسوة ناعمة. وقطر الندى في المسرحية ليست شخصية حقيقية داخل الأحداث، بل (مثال الجمال المطلق) الذي تستخدمه المرآة لإحباط الفتاة. ما يجعل المقارنة عبثية، ويكشف ظلم المجتمع في صناعة معايير لا يمكن الوصول إليها. كما أن المسرحية التي كانت تُعرض في المدارس تعكس واقعاً أكبر يتمثل في الضغط على البنات ليشبهن المثال (قطر الندى) المعيار الغير قابل للتحقيق. ويعشن في مقارنة مستمرة لا تولّد سوى الشعور بالنقص، فيكبر معهن الخوف من الرفض. رفض المجتمع الذي يبحث عن النقص في الآخر فيظهره، تخفيفاً للإحساس المستبطن في كل فرد يحاول مداراة نقصه، لذا كانت الظواهر الغير قابلة للتحكم فيها.
لما ظهرت كريمات التفتيح… ثم الفلاتر… ثم الذكاء الاصطناعي… كانت كلها امتداداً لنفس السؤال القديم (هل أنا جميلة؟)
“أنت جميلة… ولكن…”
وهذه الـ (لكن) هي التي دمّرت الكثير من الثقة بالنفس. فهوس الجمال ليس جديداً، والمرأة دائماً تُقارن بشيء غير موجود، فالمجتمع دائماً يخلق (قطر ندى) جديد. ويستغل السوق هذا الجرح.
قبل أعوام حدثني صديقي أنه وجد في غرفة ابنته الكثير من علب مستحضرات التجميل، فسألها:
ــ من قال لكِ يا ابنتي إن لون بشرتك ليس جميلاً؟ من زرع في قلبك هذا الخوف من نفسك؟ ولماذا ترغبين في تغيير الخارج، بينما الجرح في الداخل؟
قال لي أنها هزّت كتفيها بخجل، ولم تقل شيئاً.
كنت يومها قد كتبت عن (برومات البوتاسيوم) التي تستخدم لتحسين الخبز، وشبهتها بمستحضرات التجميل، التي قد تمنح (جمالاً لحظياً) لكنها تبقى أثراً صحياً سالباً. فقطعة الخبز تبدو منتفخة لامعة متماسكة، لكنها تترك في الجسد أثراً سالباً يتراكم بصمت. وكذا الأمر مع مستحضرات التجميل التي تعمل بالطريقة نفسها، تلمّع الوجه، تخفي العيوب، توحّد اللون، أو تستبدله بالكامل، لكنها تُحمّل الجلد ما لا يراه المرء إلا بعد حين.
ابنة صديقي لم تكن هي التي كرهت لونها، إذ كان المجتمع هو الذي وضع أمامها مرآة مكسورة، وقال لها “هكذا يجب أن تكوني”. وهكذا الأمر مع قطعة الخبز، ما يعني أننا أسرى ثقافة تُفضّل الصورة (المزيفة) على الحقيقة. نعيش زمناً صار فيه التجميل بديلاً عن الإصلاح، والتحسين اللحظي بديلاً عن العافية، أي أننا بتنا نستهلك ما يرضي العين، ويؤذي الجسد.
من أين جاءت عبارة (أنا لا أكذب لكني أتجمّل)؟
في الجملة تلخيص لحيلة بشرية قديمة. أن تقول نصف الحقيقة، أو تلمّعها، أو تخفف حدّتها، دون أن تعترف بالكذب الصريح. لتصبح العبارة فيما بعد مبرراً اجتماعياً، ونكتة سياسية، وحكمة ساخرة، واعترافاً لطيفاً بالتحايل.
قلت لصديقي أن الإجابة التي لم تجدها عند ابنتك، فهي عند تجار مستحضرات التجميل، وخاصة كريمات تفتيح البشرة الذين باعوا الخوف في علب صغيرة، زادتها جاذبية الإعلانات الجميلة التي تخفي منتجات خطرة. والاجابة الأكثر (صدمة) هي عند مجتمع جعل بياض اللون قيمة، وما عداه مشكلة. أنه زمن الاستغفال والاستغلال، حيث تُشترى ثقة الأنثى بلون وجهها.
المسرحية كانت نبوءة مبكرة لما نعيشه اليوم في عصر السيلفي والذكاء الاصطناعي. إذ ما كنت لأصدق أن أرى (قطر الندى) تعود إلى الحياة عبر الذكاء الاصطناعي، وبهذه الكيفية. فقد تحولت المرآة إلى تطبيق يقول للفتاة” أنت جميلة… ولكن دعيني أريك نسخة أجمل. نسخة بعيون أوسع، وبشرة أنقى، وزمن سبعيناتي دافئ. زمن لا يشبه زمنها. وإن قارنتها المسرحية بـ(قطر الندى) فالخوارزمية تقارنها بنفسها، ولكن بنسخة مستحيلة، نسخة لا تعيش إلا في الشاشة. فيظل السؤال هو السؤال، والجرح هو ذات الجرح. والركض هو خلف قطر الندى الصورة التي لا تُمسّ هو نفسه. فحين كبرت الفتاة وجدت قطر الندى في علبة كريم تفتيح، ثم وجدته في فلتر سيلفي، ومن بعد في صورة ذكاء اصطناعي تعيدها إلى السبعينات.
هربت الفتيات من لونٍ خلقه الله، وركضن خلف صورة خلقها الناس. واليوم، أصبحن يحوّلن صورهن إلى (ستايل السبعينات)، هرباً من زمنٍ قاسٍ، وركضاً خلف زمنٍ لم يعشنه. زمن لا حرب فيه ولا نزوح ولا خوف، زمن يتخيلنه أجمل من حاضرهن. فالصورة المحوّلة ليست ترفاً ولا سطحية، كما يشير البعض. إنها الرغبة في زمن بديل، إنها محاولة لرؤية الذات بخير ولو على الشاشات الصغيرة.
الصورة في زمن الذكاء الاصطناعي، أصبحت قابلة للتجميل والتزوير والتغيير بضغطة زر، فلم تعد دليلًا ولا ذاكرة ولا مرآة، بل مشروعاً تجميلياً لذات مرهقة تبحث عن نسخة محتملة من نفسها. فبعد محاولات تغيير البشرة، ها هن اليوم يحاولن تغيير تاريخهن. يبحثن عن زمن أجمل، وحياة أهدأ، وملامح مرتّبة، وألوان دافئة، فساتين بسيطة، نظرة هادئة، وابتسامة بلا خوف. وعودة مظفرة لـ(الثوب السوداني). والإحساس بالانتماء لحقبة مستقرة، لم يعشنها إلا في الحكايات، وألبومات الصور القديمة.
الصورة في (ستايل السبعينات) كما أسمينه علاج نفسي. بحث عن ذات متعبة تريد أن ترى نفسها في زمن لا يجرح ولا يخيف، زمن تتمنى لو كان لها. وعبارات لا تقال، لكنها تهمس سراً حين تقع العين على الصورة “شوفوا الجمال الطبيعي. شوفوا نحن كنا حا نطلع كيف لو الزمن كان رحيم.”
لعنة الله على الحرب، وآثارها من خوف ونزوح، وزمن مضاع، سريع، قاسي، لا يمنح الفرصة للتنفس، فالذوات مرهقة، والواقع قاسي، بل أقسى من قدرتهن على التحمل، والأدهى والأمَر -كما يقول صديقي – أن المستقبل أصبح ضبابياً، وفي كل يوم تزداد معاناة النساء.
سألت صديقي عن ابنته، وكيف هي مع ما حدث من تحولات.
فقال لي أنها كالأخريات اللائي يبحثن عما يعينهن لتحمل اليوم التالي.
والمرأة تحت كل الظروف في حاجة لأن ترى نفسها بشكل أجمل. وهنا لا يعد عشق الذات غروراً.. بل محاولة للنجاة. صوت داخلي يذكّر المرأة السودانية بما تبقّى لها حين سقط كل شيء من حولها. كانت الحرب قد جرّدت الوجوه من زينتها، والبيوت من دفئها، والمرآة من وظيفتها القديمة. لكن وسط الخراب، اكتشفت المرأة أن الجمال الذي كانت تبحث عنه في انعكاس الزجاج. كان يسكنها منذ البداية، لتدرك أن الحرب تستطيع أن تبهت ملامحها، لكنها لا تستطيع أن تبهت ضوءها الداخلي.. إنسانيتها.
الآن حين تنظر المرأة إلى المرآة في مركز النزوح، أو معسكر اللجوء، لن تسأل: :
ــ هل أنا جميلة؟
بل ستسأل سؤالاً جديداً:
ــ هل ما زلتُ أنا؟
وسيأتيها الرد من أعماقها:
ــ نعم… لأن قطر الندى عادت.. عادت كقوة تحمل، صبر وقدرة على حماية الآخرين. خدمة من يحتاجني. إنه الجمال الذي لا علاقة له بالملامح، بل بالروح.





