دار حمر.. أزمة مياه خانقة وسط اتهامات بالجبايات القسرية

أفق جديد
تعيش إدارية “عيال بخيت” التابعة لمحلية الخوي بولاية غرب كردفان أوضاعًا إنسانية متدهورة بسبب أزمة حادة في مياه الشرب، دفعت آلاف السكان إلى مواجهة خطر العطش في منطقة تعاني أصلًا من تداعيات الحرب وتراجع الخدمات الأساسية.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت شكاوى المواطنين من الارتفاع الكبير في أسعار المياه، حيث تجاوز سعر برميل المياه 40 ألف جنيه سوداني، في وقت تشهد فيه المنطقة تراجعًا في مصادر الدخل وارتفاعًا مستمرًا في تكاليف المعيشة، ما جعل الحصول على المياه النظيفة تحديًا يوميًا للأسر.
ويقول سكان محليون إن الأزمة تفاقمت نتيجة تعطل عدد من مصادر المياه وعدم توفر الوقود اللازم لتشغيل بعضها، إلى جانب ضعف التدخلات الإنسانية والخدمية الرامية إلى تخفيف معاناة المواطنين.
رحلة يومية
في أحد أحياء عيال بخيت، يقول المواطن عيسى أحمد، لـ “أفق جديد” إن الحصول على المياه أصبح يستنزف معظم دخل الأسرة: “كنا في السابق نحصل على المياه بأسعار معقولة، أما اليوم فقد أصبح برميل المياه يساوي ما تنفقه بعض الأسر على الغذاء لأيام. أحيانًا نضطر لتقليل الاستهلاك أو الاعتماد على مصادر غير آمنة.”
ويضيف أن الأزمة أثرت بصورة مباشرة على حياة السكان، خصوصًا الأطفال وكبار السن، مشيرًا إلى أن العديد من الأسر باتت تقطع مسافات طويلة بحثًا عن المياه أو تنتظر ساعات لوصول عربات النقل.
ولا تختلف معاناة النساء كثيرًا، إذ تقول بخيتة عبد الله، إن العبء الأكبر يقع على النساء في توفير المياه للاستخدامات اليومية.
وتوضح لـ “لأفق جديد”: “نستيقظ منذ ساعات الفجر الأولى بحثًا عن المياه. أحيانًا نعود دون أن نحصل على الكمية التي نحتاجها. أصبح همّنا الأول هو توفير الماء قبل الطعام”.
أعباء متزايدة
إلى جانب أزمة المياه، يشكو السكان من أوضاع اقتصادية صعبة زادت من حدة المعاناة الإنسانية. ويقول المزارع الطاهر إسماعيل لـ “أفق جديد”، إن غالبية الأسر فقدت مصادر دخلها أو تراجعت قدرتها الشرائية بسبب الظروف الأمنية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة.
ويضيف: “الناس بالكاد يستطيعون توفير احتياجاتهم الأساسية. عندما يصل سعر برميل المياه إلى هذا المستوى، تصبح الأسر أمام خيارات قاسية بين شراء الماء أو شراء الغذاء”.
وبحسب إفادات متطابقة من مواطنين تحدثوا لـ “أفق جديد”، فإن الأزمة لم تعد مقتصرة على نقص المياه فحسب، بل امتدت لتشمل تأثيرات صحية واجتماعية متزايدة، مع تراجع معدلات النظافة الشخصية وارتفاع المخاوف من انتشار الأمراض المرتبطة بشح المياه.
جبايات قسرية
في المقابل، تتهم جهات محلية وسكان الإدارات المدنية التابعة لقوات الدعم السريع في المنطقة بفرض جبايات ورسوم على المواطنين في ظل الظروف الإنسانية الراهنة.
ويقول خالد عبد الباقي وهو أحد وجهاء المنطقة، إن المواطنين ظلوا يطالبون بمعالجة أزمة المياه وصيانة الآبار المتعطلة، إلا أن الاستجابة ظلت محدودة.
وأضاف في حديثه لـ “أفق جديد”: “الناس ينتظرون حلولًا حقيقية للأزمة، لكن معاناتهم تتزايد يومًا بعد يوم. المطلوب هو توفير الخدمات الأساسية بصورة عاجلة، لأن الوضع أصبح لا يحتمل.”
ولم يتسن الحصول على تعليق من الجهات المعنية بشأن هذه الاتهامات حتى وقت إعداد هذا التقرير.
كارثة إنسانية
ويحذر مراقبون من أن استمرار الأزمة قد يقود إلى أوضاع أكثر تعقيدًا، خاصة مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، الأمر الذي يزيد من الطلب على المياه ويضاعف المخاطر الصحية على السكان.
كما يخشى مواطنون من نزوح المزيد من الأسر إلى مناطق أخرى بحثًا عن مصادر مياه أكثر استقرارًا، ما قد يضيف أعباء جديدة على المجتمعات المستضيفة والمناطق المجاورة.
وتدعو فعاليات أهلية ومنظمات مجتمع مدني إلى تدخل عاجل من الجهات المختصة والمنظمات الإنسانية لإعادة تأهيل مصادر المياه المتعطلة وتوفير الوقود اللازم لتشغيل المحطات، إضافة إلى دعم المجتمعات المتضررة بالمياه الصالحة للشرب.
في دار “عيال بخيت” والقرى والبلدات المجاورة، لم تعد أزمة المياه مجرد مشكلة خدمية عابرة، بل تحولت إلى معركة يومية يخوضها السكان من أجل البقاء. وبين آبار متوقفة وأسعار متصاعدة وأوضاع اقتصادية منهكة، يجد آلاف المواطنين أنفسهم في مواجهة خطر العطش وسط مطالبات متزايدة بتحرك عاجل يضع حدًا لمعاناة تتفاقم يومًا بعد آخر، قبل أن تتحول إلى كارثة إنسانية أوسع نطاقًا.





