فى الحواشات

خالد عمر
قالت لوزةُ القُطنِ بين يَديّ صمتِها العالي :
أنا شاشةٌ لجُرحِ الشَّهيد ، كَفَنٌ لوقتِهِ الآخروي .
أرافِقهُ إلى حيثُ أهلي فى الفِردوسِ – فى جَذَلٍ سماويٍّ – يُهيئون مقامَهُ ويفاخرونَ برفقَتي بينَ الخلائقِ فى العُلا
ولأن روحَه ساريةٌ ويداهُ غمامتان
تَتَنشَّقان الحُبَّ من نَفَسِ البِلادِ
وتَهطُلان
على احتمالاتِ السنابل
فى ضِفافِ الحُزنِ وفى ثنيَّاتِ العَدَم
كُنتُ النَّشيدَ الواضِحَ الوطنيَّ فى عَتَمِ المراحِلِ
واندلاعَ الشَّوقِ فى الساحاتِ
كُنتُ العَلَم
وقالت : يَخضَرُّ ويَبيَضُّ وربَّما يَحمَرُّ أحياناً دَمي
مِن نُبلِها حينَ تمسُّنِي مُعتَزَّةً برَفِيفِها الكونيِّ
فى تِلكُم الأسماءِ والهِمَمِ الّتى تَرفُضُّ
بين الماءِ والإنسانِ طالعةً تُؤاخي – على مُوجِ البداهةِ – أرخَبيلاتِ المَوَدَّةِ والأخاديدَ الرّهيبةَ فى راحَتَيّ عُمقِها يَدُ الفلَّاح .
وإني لأعرفُ نُورَها فى اللّيلِ ودَمْعَها فى الطّين
أعرفُ نَشْرَها فى فَرَحِ الغُدُوِّ وأحزان الرواح
تَرِبَتْ فى عَفوِها مبسوطةٌ يَدُ الفلَّاح ،
وُسْعَ الدَّمِ الرِّيفيِّ تَفْرِدُ وقتَها و تُهَدْهِدُ رُوحَ الأرضِ المُضطرِبةِ فى الضِّيقِ الّذى يَسَعُ الجَميعَ و يَزدَهِي
بقلائدَ من جِراحِ الأرضِ .. أوسِمةً ، نياشِينَ وشاراتٍ
يُعلِقُها فى عُروَةِ الإظلامِ فى جنباتِهِ إذ يَنْتَهِي
لِمغبَّةٍ يُعلِنُ نَفسَهُ فى زهوِها ضِيقاً أتمّاً مُحكَماً لا يَنْتَهِي
فَتُلقي الأرضُ زِينَتَها بحضنِ الأرضِ لتُضئَ وحدَتَها
وتلتقِطُ النَّدى بالذّات ، ترفعُ ظِلَّها ودُمُوعَها نحو أبوابِ الأعالي وتَحَنُّنِ الأشهاد ، ضارعةً لتتئدَ الخُطى فيها
ويطمئنُ الطَّينُ من حولي فتلتئِمُ الجراح .
تَرِبتْ مبسوطةٌ فى عَفوِها يَدُ الفلَّاح
مبسوطةٌ كتكِيَّةٍ باذِخَةٍ تمورُ بالشَّجَن البدائيِّ والبَرَكات ،
وتنهضُ عبْرَها كلُّ الفَسائل نحو حدائقِ الأزلِ
لتتلو نشيدَ نمائها جَهْراً
مثلما تَنزَعُ – فى سريرَتِها من عادَةٍ
نحو البقاءِ صَموتةً فى مقامِ الأخذِ و
فارقةً فى تواريخِ الحقول
يَدُ الفلَّاحِ الأناشيدُ القَوِيمةُ فى الحِرَاك الحُرِّ
واقتداراتِ السُّكونِ الصَّلبِ
فى لُجَّةِ الصَّمْتِ المَهُول.
وعلى مَحمَلِ الجِدِّ – ومنذُ تَبَرعُمي فى أولِ الأغصانِ وعداً طيباً
كانت يَدُ الفلَّاحِ تأخُذنى مِن مُراهَقَتي مثلَ شَهْقَتِها السَّعيدةِ فى صباحِ الخير
ثم تُطلقنى مَنادِيلاً ، شَفافيةً و أصداءَ صِدقٍ قاصدٍ
فى سماءِ الضَّائِعينَ فى أسماءِهم ،
فى بيوتِ المُتعَبين واجِفةً مُلتَفَّةً بمخاوفِ الآباءِ ليلاً
و خَسائرِ الأُمّهاتِ فى كَبِدِ الضُّحى ،
فى الذِّكريات العابِرات بأيِّ حالٍ و ذِكرياتِ العاشقين الّتى لا تُغتَفَر .
فى كلِّ صمتٍ غامضٍ أو فضاءٍ يُحتَضَر ،
تُطلقنى حيثُ تَنْحلُّ القِوى فى كُلِّ شيءٍ
و فِتنةً فِتنَةً يتَنصَّلُ عن هياكِلِهِ الجَسَد ،
حيثُ الصَّدى زَلِقٌ والأنا بَكَمُ الهُويَّةِ والعائديَّةُ فى متاهتِها لا عزمَ فيها ولا قَصَد ،
فتقْعِي على حِسِّي رعايا النَّجم فى الشِّعرِ .
تَبقى الأنجمُ الثَّكْلى فَقاقِيعَ بلا حولٍ يُماسِكُها حَجَر
تَحفى مُهجَتي فى المَشهَدِ المَفضُوح
ويَجرحُني فى بُؤرةِ الرُّوح الهُلامُ الفوضويُّ الأثر
كانت يَدُ الفلَّاح تأخُذني وتُطلقُني ثم تَرُدُّني
لحقلِ الطَّاقةِ الخضراءِ فى الحَواشَةِ الأولى
وتقولُ لي ما لا يستطيع الماءُ فى جريانِهِ
وما يخشى الهواءُ الطَّلقُ ضمن الهمسةِ الوُثقَى
تُباركني وتَتْلو على مُخيِّلتي نشيداً صامتاً آخرَ .
تَرشَحُ من رحيقِ السَّهوِ شيئاً
واسعاً كالنَّدى ، ضيّقاً كغمامة
شيئاً مثل نبضِ النّهر – رابضٍ بالجَنبِ –
يقرأُ أطلسَ الأحزانِ فى جغرافيا الصَّبرِ الجميلِ وغيره
ليدلَّ أجنحتي على الدَّمع الخَفيِّ فى ليلِ القُرى
ويُسرُّ بي
يُسرُّ بي كما لو أنَّ نافذةً فى اللّيالي البِيض ، سَهوَاً ،
فَتَحَت أزرارَها وتَنَفَّسَت فَتشبَّثَ يُتمُها المنسيُّ باللُطفِ فى ضوءِ القمر
يُسرُّ بي و بكونيّ هِمَّةً ريفيةً تَتقدَّمُ فى البكاءِ نحو الغَدِ المشغولِ عنّي بالضَّروري ، بالعَمى الليلي وبالأوجهِ النَّكِرات الّتى تَتَكسَّرُ المرآةُ أمامَ طَلْعَتِها وتَنطفئُ البَداهةُ إذ يُدَّعى الغَدُ المَشغولُ عنّي أنَّهُ الباكرُ الحتميُّ فى طَلَعِ المَواقيت ،
لذا كُلَّما آنستُ أغنيةً ، بقايا فكرةٍ أو قَدَّمتُ فى حالِ التَّماهي خُطوةً مِسكينةً
نحو انتباهِ الوقتِ للأرضِ
تباعدَ فرسخاً عنّي ولم يَطرِف لهُ جَفنٌ
ولا شَفَّ دقائقاً فى اللَّحنِ و ما ارتبك الوَتَر .
وقالت لوزةُ القُطن :
كانت يَدُ الفلَّاحِ مأوايَ ومُنتهى ثِقَتي
حارسَ طَلْعَتي المُطمئنةِ فى تَفارِيحِ الأمل
إذا ما جُنَّت الأرضُ وارتَجَّ المدى حَنقاً
واختَنَقَت فى ذِمَّةِ الوقتِ الحِيَل
تَسطعُ بالحنان العائليِّ فى وَضَحِ التلاويحِ الّتى تعلو
وتَبْرعُ فى تَجَرُّدِها إلى حدِّ : اختزالِ الرِّيح
فى مَسرى هَفيفِ النَّسمةِ الأولى .
اختزالِ الشَّمس
فى وَدَاعَةِ عُنصرِها المُضيء .
وهَمْسِ الكونِ
فى تَحَدُّرِ خُطوِهِ العَفويِّ نحوي.
وقد تَدَعَ البعيدَ مُختزلاً فى بُعدِهِ سلفاً ليظلَّ يُومِض – مثل رَقرَقةِ السَّراب – فى سَكَراتِهِ
فى بَرزخِ الأطيافِ ومُنتَبَذِ النوايا الطَّيِّبة
حتى ليوشِكَ أن يَركُدَ طيعاً زبداً فى جَفاءِ الأُمنيات الأُخريات الّتى فَسدت
من شِدَّةِ التَّهويمِ فى اللاشيء ،
من قِلَّةِ الصَّبرِ ولا مُبالاةِ الحنين .
وقالت :
لم أكُنْ ذَهَباً أبيضاً – مثلما يُحكى – فى حُلمِ فقرٍ أو
توهُّمِ ذاتِ لونٍ أو جُنون
ولا كنزاً خُرافياً خَبِيئاً فى حنايا الأرضِ كنتُ..
أنا لوزةُ قطنٍ عارفٍ مِقدارَهُ فى الكائنات
لكنَّهُ الليلةَ لا شكَّ مقدارٌ حَزين .
مقدارٌ يَخُصُّ الماءَ فى التُّرَعِ الصغيرةِ والكبيرةِ
إذ تَراكَضَ حافيَّاً مُتبسملاً بأسرارِ الينابيعِ
ولم تُجفِفْهُ الشُّكوك وقد حَفظَ العُهودَ وبالعذوبةِ خَصَّني
مقدارٌ سأرفعهُ أنا نفسي
لدبّوسِ الحَذَرِ الصغير
يُثَبِّتُ الطِّرَحَ الرَّهيفةَ إذ تُربِت باسمي
على كَتِفِ البنات الخائفات
ولرَنَّةِ المُترارِ البدائيِّ الحميمِ فى دَوَرانِهِ
يَحنو على عَصَبِ النِّساءِ العَجائِز الصّامتات
الصّامتات على كثير ، كأنَّهُن خُلِقْنَني .
لتلاميذِ المدارسِ فى الصَّباحِ الحُرِّ
واجِدينَ نُعومَتي فى كُلِّ شيءٍ هيّنٍ
فتماسكوا بالحقِّ
وابتدروا النِّضالَ براءةً
وملء أسماعِ النِّهايةِ أنشَدوا :
بيديّ أبي أنتَ وحنِّ أُمي
وبلوزةٍ فى أولِ الأغصانِ .. يااا مَوطِني





