تحديات مبكرة تواجه الموسم الزراعي بمشروع الجزيرة

أفق جديد

أثار إعلان إدارة مشروع الجزيرة فتح مياه الري من خزان سنار إيذانًا بانطلاق الموسم الزراعي (2026 ـ 2027) ردود فعل متباينة وسط المزارعين، الذين أبدى عدد منهم مخاوف بشأن جاهزية البنية التحتية للري واستكمال التحضيرات اللازمة لإنجاح الموسم.

وخلال جولة ميدانية أجرتها “أفق جديد” في أجزاء واسعة من المشروع، بدت العديد من قنوات الري والترع الفرعية بحاجة إلى مزيد من أعمال التطهير والصيانة، حيث لوحظت تراكمات من الأطماء والحشائش في عدد من المواقع، الأمر الذي يثير تساؤلات حول قدرتها على استيعاب كميات كبيرة من المياه وضمان وصولها إلى الحواشات بصورة منتظمة.

وفي المقابل، أعلن محافظ مشروع الجزيرة، المهندس إبراهيم مصطفى علي، فتح مياه الري من خزان سنار عبر الترعتين الرئيسيتين لمشروعي الجزيرة والمناقل، إيذانًا ببدء الموسم الزراعي الجديد.

ودعا المحافظ، خلال زيارته لخزان سنار برفقة عدد من المسؤولين ومدير الخزان المهندس محمد الحاج محمد سند، المزارعين إلى الالتزام بمواقيت الزراعة والري وفق توصيات هيئة البحوث الزراعية، والإسراع في فتح “أبو عشرينات” وتنفيذ عمليات زراعة وري محاصيل العروة الصيفية المستهدفة على مساحة 1.2 مليون فدان.

وأوضح أن الخطة الزراعية تشمل زراعة القطن والذرة والفول السوداني وفول الصويا والعدسية، إلى جانب محاصيل الخضر، مؤكدًا أن الموسم الحالي سيشهد التزامًا أكبر بالمحددات الفنية والدورة الزراعية، واعتماد خيار الزراعة الجماعية للمزارعين بمحصول واحد على مستوى “النمرة”، بما يسهم في تنظيم عمليات الري وتقليل فاقد المياه وتعزيز مكافحة الآفات.

من جانبه، أكد مدير خزان سنار، المهندس محمد الحاج محمد سند، جاهزية الخزان لتلبية الاحتياجات المائية للموسم الزراعي، مشيرًا إلى اكتمال أعمال صيانة وتأهيل 25 بوابة بالخزان واستعدادها للعمل بكفاءة عالية.

بدوره، أوضح مدير إدارة الري بمشروع الجزيرة، المهندس محمد عثمان العوض، أن انسياب المياه من خزان سنار سيتم بصورة تدريجية ومنظمة، بما يضمن تلبية الاحتياجات المائية للمحاصيل المختلفة والحد من فاقد المياه خارج قنوات الري وأبو عشرينات.

غير أن هذه التطمينات لم تبدد بالكامل مخاوف بعض المزارعين الذين يرون أن نجاح الموسم يتطلب استكمال أعمال التأهيل الميداني قبل تدفق المياه بكميات كبيرة.

وقال المزارع فيصل عبد الله لـ”أفق جديد” إن كميات من الأطماء والحشائش لا تزال تعيق بعض القنوات، مضيفًا أن نجاح الموسم الزراعي لا يرتبط بتوفير المياه وحده، وإنما بكفاءة شبكة الري وقدرتها على إيصال المياه بصورة عادلة إلى جميع المزارعين. وأضاف: “المياه وحدها لا تكفي إذا لم تكن القنوات جاهزة لاستقبالها وتوزيعها بصورة سليمة بين الحواشات”.

وفي السياق ذاته، قال المزارع هاشم موسى إن عددًا من المزارعين لم يتمكنوا حتى الآن من استكمال عمليات تحضير الأراضي بسبب ارتفاع تكاليف الحرث ونقص التمويل، إلى جانب التحديات الاقتصادية التي فرضتها الحرب خلال السنوات الماضية.

أما المزارع عبد الرحمن العباس، فيرى أن إطلاق المياه قبل استكمال أعمال التطهير والصيانة قد يؤدي إلى زيادة الفاقد المائي، في وقت قد تواجه فيه بعض المساحات الزراعية صعوبات في الحصول على حصتها من المياه.

كما أعرب مزارعون آخرون عن خشيتهم من تأخر عمليات الزراعة في بعض الأقسام إذا لم تُستكمل أعمال صيانة القنوات الفرعية وفتح “أبو عشرينات” خلال الفترة المقبلة، مطالبين بمزيد من التنسيق بين إدارات الري والمزارعين لضمان عدالة توزيع المياه ووصولها إلى جميع المناطق المستهدفة.

وسبق أن قدرت وزارة الزراعة والغابات في السودان الخسائر التي لحقت بالقطاع الزراعي خلال عامي الحرب التي اندلعت منذ منتصف أبريل 2023 بأكثر من 10 مليارات دولار، وأشارت إلى التدمير والنهب الواسع للأصول وتخريب محطات البحوث.

وذكرت الوزارة في تقرير مفصل أن الحرب تسببت في تدمير ونهب الأصول الرأسمالية من معدات ميكانيكية وحركية، بالإضافة إلى تخريب كامل لمحطات البحوث الزراعية الحيوية.

وأشارت وزارة الزراعة إلى ارتفاع في المساحات المزروعة هذا العام خلال الموسم الصيفي إلى 40 مليون فدان، وأكدت أن ذلك يشير إلى عدم وجود مجاعة في البلاد وفقًا لما ذكرته التقارير الدولية، إلا أنها لم تشر إلى المعوقات التي يواجهها المنتجون خلال الموسم. وسبق أن علق السودان عضويته في نظام المرصد العالمي للجوع قبل صدور تقريره الذي أشار إلى اتساع رقعة المجاعة في البلاد. التقرير ذكر أن المجاعة طاولت خمس مناطق جديدة في دارفور وجنوب كردفان مع رصد 17 منطقة أخرى مهددة بالمجاعة، بما في ذلك مناطق في الجزيرة والخرطوم.

وكشف التقرير عن تعرض وحدة الموارد الوراثية التابعة لهيئة البحوث بمدني، والتي تضم بنك الجينات الرئيسي الذي يحوي أكثر من 17 ألف مورد وراثي ومعامل بحثية، للتدمير الكامل، كما طال التدمير القطاع الغابي والبستاني والبنيات التحتية الهامة من مخازن وصوامع ومصانع.

وأشار التقرير إلى أن جميع الآلات الزراعية تقريبًا نُهبت ونُقلت إلى دول الجوار، وأن المنتجين في مناطق الحرب فقدوا محاصيلهم ومعداتهم الزراعية بشكل كامل، مما أدى إلى زيادة حادة في نسبة الفقر في المناطق الزراعية المستهدفة، خاصة وأن غالبية السكان في هذه المناطق يعتمدون بشكل أساسي على الزراعة والرعي، وأن الكثير منهم لم يتمكنوا من حصاد محاصيلهم بسبب القتال.

وأكد التقرير أن القطاع الزراعي فقد نتيجة لهذه الخسائر مقدراته الأساسية للقيام بدوره المعهود في دعم الاقتصاد السوداني، وقدرت القيمة الإجمالية لهذه الخسائر بأكثر من 10 مليارات دولار أمريكي. ومن بين المشاريع القومية الكبرى التي تضررت بشدة جراء الحرب: مشروع الجزيرة، وهيئة السوكي الزراعية، وهيئة الرهد الزراعية، ومؤسسة حلفا الزراعية.

وبينما تؤكد إدارة المشروع جاهزية الموسم الزراعي من الناحية الفنية وتوافر الإمداد المائي من خزان سنار، يرى المزارعون أن الاختبار الحقيقي يبدأ داخل الحقول وشبكات الري الفرعية، حيث تتحدد قدرة المشروع على تحويل الخطط المعلنة إلى نتائج عملية.

ومع بدء انسياب المياه، تتجه الأنظار إلى مدى سرعة معالجة أوجه القصور في البنية التحتية للري واستكمال التحضيرات الميدانية، باعتبارها عوامل أساسية لنجاح الموسم الزراعي وتحقيق الإنتاجية المستهدفة، في مشروع يمثل أحد أهم ركائز الأمن الغذائي والاقتصاد الزراعي في السودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى