الرؤية السياسية.. والسقوف المتدنية..!

وائل محجوب
- أطلعت على الرؤية السياسية الصادرة عن الاجتماع التشاوري الذي انعقد بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا يومي الثالث والرابع من يونيو الجاري برعاية الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي، الجامعة العربية، منظمة الإيغاد، الأمم المتحدة، والاتحاد الاوربي، وجمع التحالف المدني الديمقراطي للقوى المدنية “صمود” والكتلة الديمقراطية -الحرية والتغيير، وأحزاب البعث العربي الاشتراكي السودان، والأمة، المؤتمر الشعبي، وشخصيات ومنظمات مدنية ونسوية وشبابية.
- ودون الغرق في تفاصيل كثيرة حول المشاركين في ذلك الاجتماع وطبيعتهم، وقدرتهم على المساهمة الجدية في وقف الحرب وتحقيق انتقال يليها نحو الحكم المدني، فقد بدا لي أن هذه الرؤية السياسية تعاملت مع الحرب الدائرة حالياً كحالة عابرة، ولم تبد الاستيعاب الكافي لما ترتب عنها من تعقيدات كبرى، تجعل الانتقال منها لعملية سياسية تفضي لحكم مدني حلما بعيد المنال، إذا لم تفكك أسبابها وأدواتها وتعالج جذورها.
- ولعل أكبر أدلة ذلك يتبدى في ربط الرؤية بين انطلاق العملية السياسية بتحقيق الهدنة الانسانية لوقف اطلاق النار، وهو أمر يكشف عن افتقار من صاغوا هذه الرؤية وأجازوها للمعرفة بشئون الحرب وسبل تحقيق السلام.
- وللتعليق على ذلك فلنطالع النص التالي الذي ورد في الرؤية السياسية ومن ثم يتم التعليق عليه؛
” ٢- المسار الأمني:
لا حوار حقيقي وسط نيران المدافع والمسيرات، لذلك يشترط التوصل إلى وقف إنساني لإطلاق النار مستنداً على بنود إعلان جدة برقابة إقليمية ودولية وأممية، و يتزامن ذلك مع انطلاق العملية السياسية، ويُمهد الطريق نحو وقف دائم لإطلاق النار يرسي الأرضية لأي اتفاق شامل وعادل ومستدام.”
– أولا؛
الهدنة الانسانية عملية مؤقتة ومحكومة بإطار زمني والغرض الأساسي منها هو فتح الطريق لإيصال الإغاثة للمتضررين من الحرب، ومعالجة الأوضاع الانسانية المتردية بسبب انهيار مجال الخدمات، ويتم ذلك عن طريق طرف ثالث “منظمات الاغاثية الأممية والاقليمية”، بعد تحديد الطرق والمعابر لإيصال الإغاثة، وهي تتم في ظل بقاء كل من طرفي الحرب في الأراضي الخاضعة لسيطرته، ودون أي تدابير عسكرية من شأنها الحد من انتشارها وتحركها، فيما عدا الطرق المخصصة لبعثات الاغاثة، وهي تقوم على التزام طرفي الحرب بها، وفي حال إخلال أي طرف بها يحق للطرف الآخر عدم التقيد بها، وينقضي أجلها بانتهاء التاريخ المحدد لها، ومن ثم يمكن لطرفي الحرب استئناف عملياتهما العسكرية.
– ثانيا؛
إطلاق أي عملية سياسية لا يمكن أن يتحقق في ظل انتشار الجيوش والمليشيات بلا ضابط أو رابط، ولابد قبل أن يتم ذلك من التوصل لوقف إطلاق النار دائم بين القوات المتقاتلة برقابة دولية، قابل للتطوير لاتفاق شامل للترتيبات الأمنية، وذلك يعني أن يتم حصر وتجميع كافة القوات التابعة لطرفي القتال في معسكرات مخصصة وتخضع للرقابة والضبط في تحركاتها، وتتم عملية حصر وتسجيل للأسلحة والجنود، وتقييد نطاق تحرك القوى العسكرية.
– ثالثا؛
وقف إطلاق النار الدائم في ظل ما نشهده حالياً من حالة استقطاب عمياء وسيادة لخطابات الكراهية بالضرورة يقتضي التوصل لاتفاق بوقف العدائيات، ويشمل تدابير وإجراءات لبناء الثقة بين الأطراف المتحاربة، ويشتمل على معالجة ما ترتب على الحرب وسيادة أحكام الطوارئ من انتهاكات لحقوق الانسان، وهو يشمل ما تم تناوله تحت مسمى “قضايا تهيئة المناخ” في وثيقة الرؤية السياسية.
– رابعا؛
هذه المسائل ليست شكلية إنما هي من صميم عملية بناء السلام والتحول الديمقراطي، وهناك إرث كبير في هذا المضمار كان يمكن الرجوع اليه مثل عملية السلام الشامل في نيفاشا ومراحلها، أو تلك المتعلقة بمباحثات دارفور، وهي توضح الخطوات العملية لوقف الحرب وبناء السلام، وخطوات التحول الديمقراطي.
- لذلك فإن تساؤلات تطل برأسها حول المرجعية التي تستند عليها هذه الاجتماعات، والآلية الخماسية التي ترعاها، هل هي خارطة طريق الآلية الرباعية التي تجمع الولايات المتحدة ومصر والسعودية والامارات، والتي صدرت في سبتمبر من العام الماضي؟
- لقد كانت خارطة الطريق تلك أكثر مقاربة لواقع الحرب واحاطة بتدابير بناء السلام والتحول الديمقراطي، حيث كانت رؤيتها تقوم على؛
١. هدنة إنسانية لمدة أولية مدتها ثلاثة أشهر، لتمكين دخول المساعدات الإنسانية بسرعة إلى جميع أنحاء السودان.
٢. تفضي الهدنة الانسانية بشكل مباشر إلى وقف دائم لإطلاق النار.
٣. اطلاق حوار سياسي شامل، يجمع القوى المدنية الممثلة لثورة ديسمبر من أحزاب ومنظمات مدنية وتنظيمات نسوية وشبابية.
٤. من ثم يتم إطلاق عملية انتقالية شاملة وشفافة، تختتم في غضون تسعة أشهر لتلبية تطلعات الشعب السوداني، نحو إقامة حكومة مدنية مستقلة بقيادة مدنية وبشرعية ومساءلة واسعة.
- ولعل ما يستدعى السؤال مجددا حول المرجعية التي تستند اليها الآلية الخماسية لا يتوقف فقط عند هذه المسألة، إنما يمتد كذلك لطبيعة القوى التي شاركت في هذه الاجتماعات، علما بأن خارطة الطريق قد وضعت من ضمن تصورها، عدم مشاركة القوات المسلحة والدعم السريع وكل القوى العسكرية المساندة لهما في الحكم والعملية السياسية، حيث ستشارك في عملية الترتيبات الأمنية بما يفضي لجيش واحد تحت مظلة القوات المسلحة، مثلما قطعت بعدم السماح للمؤتمر الوطني ولافتاته المتعددة باختطاف حكم السودان مجدداً، والعودة للسلطة عبر بوابة الحرب والتفاوض.





