3 مصادر غربية لـ”أفق جديد”: واشنطن لم تشاركنا أدلة على استخدام الجيش السوداني لأسلحة كيميائية
جدل مستمر.. ومنظمة الأسلحة الكيميائية تنتظر الإذن..

عواصم – فريق أفق جديد
أودعت واشنطن اتهامها للجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية في خانة القضايا التي تتجاوز الخلافات السياسية التقليدية، لتفتح بذلك أحد أكثر الملفات حساسية منذ اندلاع الحرب في السودان قبل أكثر من ثلاث سنوات. وبينما تؤكد الإدارة الأميركية أن لديها أدلة كافية دفعتها إلى فرض عقوبات والمضي في إجراءات إضافية، تنفي الخرطوم الاتهامات وتطالب بتحقيقات مستقلة، في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية إلى إخضاع القضية لتحقيق مهني بعيدًا عن السجال السياسي.
وفي هذا السياق، كشفت ثلاثة مصادر غربية متطابقة، استطلعت “أفق جديد” آراءها، أن الولايات المتحدة لم تشارك، حتى الآن، دول الاتحاد الأوروبي بالأدلة التي تستند إليها في اتهام الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية. لكنها شددت، في المقابل، على ضرورة تعاون السلطات السودانية الكامل مع أي تحقيق دولي، وتمكين لجان تقصي الحقائق من الوصول إلى المواقع التي يُشتبه في وقوع هجمات بأسلحة محظورة فيها.
وترى المصادر أن الاتهام باستخدام أسلحة كيميائية لا يمكن التعامل معه باعتباره جزءًا من السجالات السياسية أو الإعلامية، بل هو ادعاء يستوجب تحقيقًا دوليًا مستقلًا وفق الآليات المنصوص عليها في القانون الدولي واتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. واعتبرت أن البيان الأخير الصادر عن وزارة الخارجية السودانية يمثل خطوة يمكن البناء عليها إذا تُرجم إلى تعاون عملي مع جهات التحقيق الدولية.
وفي المقابل، قال دبلوماسي أميركي رفيع، ردًا على أسئلة “أفق جديد”، إن واشنطن تمتلك “ما يكفي من الشواهد والأدلة” التي نقلت القضية من مرحلة الاشتباه إلى مرحلة القناعة بوقوع انتهاك، وهو ما استندت إليه الإدارة الأميركية في فرض العقوبات. وأضاف أن الملف قد يشهد مزيدًا من التصعيد إذا لم تستجب السلطات السودانية للمطالب الأميركية والدولية، مشيرًا إلى أن استخدام الأسلحة المحرمة دوليًا تترتب عليه تبعات قانونية وسياسية واسعة قد تؤثر في تصنيف الدولة وعلاقاتها الخارجية.
سلسلة العهدة
الجدل السياسي والإعلامي قد احتدم حول الاتهامات الأميركية باستخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية، غير أن الفيصل في مثل هذه القضايا لا تحدده البيانات الرسمية ولا التصريحات المتبادلة، وإنما الآليات الصارمة التي تعتمدها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في التحقيق. فالمنظمة، بوصفها الجهة الدولية المختصة بتنفيذ اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، تعمل وفق بروتوكولات فنية وقانونية بالغة التعقيد، صُممت لضمان سلامة الأدلة وحماية نزاهة التحقيق، بدءًا من تشكيل فرق الخبراء، مرورًا بجمع العينات وحفظها وفق ما يعرف بـ”سلسلة العهدة”، وانتهاءً بتحليلها في مختبرات دولية معتمدة قبل رفع النتائج إلى الجهات المختصة.
وتبدأ إجراءات التحقيق، وفقًا لخبير سابق عمل مع المنظمة، بتشكيل بعثة تضم خبراء من جنسيات مختلفة في مجالات الأسلحة الكيميائية والطب والكيمياء الجنائية والأمن والترجمة، مزودين بمعدات حماية شخصية وأجهزة متطورة للكشف عن الغازات السامة وجمع العينات البيئية والبيولوجية. ورغم أن تجهيز مثل هذه البعثات يستغرق عادة ما بين أسبوعين وأربعة أسابيع، فإن المنظمة تمتلك آلية استجابة عاجلة تمكنها، في الظروف الاستثنائية، من نشر فريق تحقيق خلال أربع وعشرين ساعة.
ويمضي الخبير في حديثه لـ”أفق جديد” قائلًا: عند وصول الفريق إلى موقع الحادث، تصبح الأولوية المطلقة لتأمين مسرح الواقعة وجمع أكبر قدر ممكن من الأدلة قبل أن تتعرض للتلف أو التلوث. وتشمل العينات التربة والمياه والهواء والنباتات والدم وسوائل الجسم، إلى جانب بقايا الذخائر وشظايا الصواريخ أو الأسطوانات وأي مواد يحتمل ارتباطها بالهجوم. كما يجري المحققون مقابلات مع الناجين والعاملين في الإسعاف والطواقم الطبية والشهود، وقد يشاركون في عمليات التشريح متى اقتضت الضرورة، بهدف مطابقة الأدلة المادية مع الأعراض السريرية والشهادات الميدانية.
وتخضع جميع العينات لنظام صارم يضمن تتبعها منذ لحظة جمعها وحتى صدور نتائج الفحص، وهو ما يعرف بـ”سلسلة العهدة”، لمنع أي عبث أو تشكيك في مصداقيتها. وقد تُجرى اختبارات أولية في موقع الحادث، قبل نقل العينات إلى منشآت المنظمة في رايسفايك قرب لاهاي، حيث تُفرز وتُوثق ثم تُرسل إلى شبكة من المختبرات الدولية المعتمدة، والمرتبطة مع المنظمة باتفاقيات صارمة للسرية وضمان الجودة.
وتؤكد المنظمة أن نتائج هذه المختبرات لا تُبنى على تقديرات سياسية أو استخباراتية، وإنما على تحاليل علمية مستقلة تُجرى وفق معايير موحدة، بما يضمن للدول الأعضاء أن أي استنتاج بشأن استخدام سلاح كيميائي يستند إلى أدلة موثقة وقابلة للتحقق، وهو ما يمنح تقارير المنظمة ثقلًا قانونيًا ودوليًا كبيرًا في التعامل مع مثل هذه الاتهامات.
وتتسق هذه المعايير مع ما طرحه أحد الدبلوماسيين الغربيين الذين تحدثوا إلى “أفق جديد”، إذ أبدى تشكيكًا في الكيفية التي بنت بها واشنطن قناعتها باستخدام أسلحة كيميائية، دون أن يعني ذلك نفيًا أو إثباتًا للاتهام نفسه. وقال: “السؤال الجوهري ليس فقط ما إذا كانت هناك أدلة، وإنما أين فُحصت هذه العينات؟ وكيف جُمعت؟ ومن الذي تولى حفظها وتأمينها؟ فجمع الأدلة وتحريزها يخضع لبروتوكول دولي معروف، ولا أعتقد أن الولايات المتحدة كانت قادرة، في ظل ظروف الحرب، على تطبيق هذه الإجراءات بالصيغة التي تعتمدها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.”
ويذهب هذا الرأي إلى أن أي تحقيق يكتسب قوته القانونية من سلامة إجراءات جمع الأدلة بقدر ما يستمدها من نتائج التحليل المختبري، وهو ما يجعل الالتزام ببروتوكولات المنظمة عنصرًا أساسيًا في بناء قضية يمكن الاستناد إليها دوليًا.
غير أن الدبلوماسي، ومعه الخبير المتخصص في آليات عمل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، يشيران إلى معضلة أخرى لا تقل أهمية، وهي عامل الزمن. فبعد مرور سنوات على الوقائع محل الاتهام، ومع ما شهدته مناطق القتال من معارك متكررة، وتغيرات ميدانية، وانتقال للسيطرة بين أطراف النزاع، قد يصبح من الصعب على أي فريق تحقيق دولي العثور على أدلة مادية كافية تسمح بحسم المسألة علميًا، سواء بإثبات استخدام الأسلحة الكيميائية أو بنفي وقوعه. وهذا التعقيد الزمني قد يحول دون الوصول إلى نتائج قاطعة، حتى لو تقرر فتح تحقيق دولي مستقل في مرحلة لاحقة.
عقوبات وعلاقات متقلبة
لا تقتصر تعقيدات هذا الملف على الجوانب الفنية المتعلقة بإثبات استخدام الأسلحة الكيميائية، بل تمتد إلى أبعاده السياسية والقانونية، إذ اختارت الولايات المتحدة المضي في فرض عقوبات على السودان قبل نشر الأدلة التي استندت إليها أو إتاحة المجال لتحقيق دولي مستقل. ففي مايو 2025 أعلنت واشنطن أنها خلصت إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، معتبرة أن ذلك يمثل انتهاكًا لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية التي انضم إليها السودان عام 1999، قبل أن تدخل حزمة جديدة من العقوبات حيز التنفيذ، شملت قيودًا على التمويل والصادرات الأميركية، إضافة إلى إجراءات تستهدف قطاع الطيران السوداني، مع استثناء المساعدات الإنسانية.
ورغم خطورة الاتهام، لم تكشف الإدارة الأميركية عن المواقع التي يُعتقد أنها تعرضت للهجمات، ولا عن تواريخها أو طبيعة الأدلة التي استندت إليها. واكتفت بالتأكيد أن لديها ما يكفي من المعلومات لاتخاذ إجراءات عقابية، بينما رفضت الحكومة السودانية الاتهامات بصورة قاطعة، ووصفتها بأنها تفتقر إلى الأساس القانوني وتشكل ضغطًا سياسيًا.
وكانت صحيفة نيويورك تايمز قد سبقت الإعلان الرسمي بأشهر، ونقلت عن مسؤولين أميركيين قولهم إن الجيش السوداني استخدم غاز الكلور في مناسبتين على الأقل خلال عام 2024، وإن القرار اتخذ بموافقة مباشرة من القائد العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان. كما نشرت مؤسسة إعلامية فرنسية تحقيقًا استند إلى صور مفتوحة المصدر وشهادات خبراء، خلص إلى أن طائرات عسكرية ألقت برميلين يحتويان على غاز الكلور بالقرب من مصفاة الجيلي شمال الخرطوم في سبتمبر 2024، عندما كانت المنطقة تحت سيطرة قوات الدعم السريع. غير أن أيًا من هذين التقريرين لم يستند إلى نتائج تحقيق ميداني أجرته منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أو إلى عينات خضعت لسلسلة العهدة المعتمدة دوليًا.
وليست هذه المرة الأولى التي يثار فيها هذا النوع من الاتهامات في السودان. ففي عام 2016 اتهمت منظمة العفو الدولية القوات الحكومية باستخدام أسلحة كيميائية في دارفور، وهو ما نفته الخرطوم آنذاك، كما أعادت هذه الاتهامات إلى الأذهان واقعة قصف الولايات المتحدة لمصنع الشفاء للأدوية عام 1998، بعد اتهامه بإنتاج مواد تدخل في تصنيع أسلحة كيميائية لصالح تنظيم القاعدة، وهي مزاعم لم تُدعَّم لاحقًا بتحقيق دولي مستقل، وظلت واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في تاريخ العلاقات السودانية الأميركية.
الخرطوم ترتجف
وفي مقابل التصعيد الأميركي، سعت الخرطوم إلى الدفع بأن الملف يجب أن يُحسم عبر القنوات الدولية المختصة، لا عبر العقوبات أو التصريحات السياسية. ففي 29 مايو 2025 أصدر القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قرارًا بتشكيل لجنة وطنية للتحقيق في الاتهامات الأميركية، ضمت ممثلين عن وزارات الخارجية والدفاع وجهاز المخابرات العامة، وكُلِّفت بإجراء تحقيق عاجل ورفع تقرير بشأن المزاعم المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية.
وتواصل هذا المسار خلال يوليو 2025، عندما شارك السودان في أعمال الدورة الـ109 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، حيث أعلنت الحكومة أنها تتعامل مع الاتهامات “بجدية وشفافية”، وأنها شرعت في اتخاذ إجراءات للتحقق منها وفق التزاماتها الدولية. وفي المقابل، أبدى الجانب الأميركي استعداده لتزويد الخرطوم بالمعلومات التي يستند إليها، بما يتيح فتح قنوات اتصال فنية بين الطرفين بعيدًا عن السجال السياسي.
إلا أن هذه الاتصالات لم تُفضِ إلى تضييق هوة الخلاف. فبينما تمسكت الولايات المتحدة بتقييمها الذي استندت إليه في فرض العقوبات، واصلت الحكومة السودانية المطالبة بإحالة الملف إلى الآليات المنصوص عليها في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، بما يضمن إجراء تحقيق دولي مستقل يستند إلى الأدلة الفنية والإجراءات المعتمدة دوليًا. ومع تعثر هذا المسار، دخلت الحزمة الأميركية الإضافية من العقوبات حيز التنفيذ في يوليو 2026، لتنتقل القضية من مرحلة تبادل الاتهامات إلى مرحلة الضغوط السياسية والاقتصادية، ويصف الدبلوماسي الأميركي، في حديثه لـ”أفق جديد”، هذه الخطوة بأنها لم تكن لتحدث إذا ما كانت واشنطن لديها من الأدلة ما يدفعها إلى الاطمئنان إلى صدقية الاتهامات، مشيرًا إلى أنه يمتلك بعض المعلومات عن هذه الأدلة ذات الموثوقية العالية، ولكنه غير مخول له بالإفصاح عنها، مشيرًا إلى أن بعض الأدلة قد لا تحتاج إلى فحص أو إجراء تحقيق على الأرض.
مترتبات كارثية
وبغض النظر عن السجال السياسي القائم بين الخرطوم وواشنطن، فإن خطورة الاتهام تكمن في طبيعة الجريمة نفسها وما قد يترتب عليها إذا ثبتت عبر الآليات الدولية المعتمدة. فاستخدام الأسلحة الكيميائية يعد من أخطر الانتهاكات المحظورة بموجب القانون الدولي واتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، ولا تقتصر تداعياته على العقوبات الاقتصادية، بل تمتد إلى المسؤولية القانونية والسياسية للدولة والأفراد.
وتبدأ هذه الإجراءات، في العادة، بتحقيق دولي تقوده منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بهدف التحقق من وقوع الهجوم وجمع الأدلة وتحليلها وفق البروتوكولات الفنية المعتمدة. وإذا خلص التحقيق إلى وجود انتهاك، يمكن أن تحيل المنظمة الأمر إلى الدول الأطراف أو إلى الأمم المتحدة لاتخاذ ما تراه مناسبًا من إجراءات، بينما قد تصدر إدانات من مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة أو منظمات إقليمية، بحسب طبيعة الواقعة والتوافق السياسي بين الدول.
كما قد تترتب على ذلك عقوبات إضافية، سواء بشكل جماعي أو عبر قرارات تتخذها دول منفردة، تشمل القيود الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية، وحظر تصدير التكنولوجيا والمواد ذات الاستخدام المزدوج، فضلًا عن تقليص مجالات التعاون الدولي. وإذا ثبت أن استخدام السلاح الكيميائي استهدف مدنيين أو ارتُكب في سياق نزاع مسلح، فقد يرقى الفعل إلى جريمة حرب، وربما إلى جريمة ضد الإنسانية إذا كان جزءًا من هجوم واسع أو منهجي ضد السكان المدنيين، وهو ما يفتح الباب أمام ملاحقة المسؤولين بصورة فردية أمام جهات قضائية مختصة متى توافرت الولاية القانونية.
غير أن هذه النتائج لا تترتب بمجرد توجيه الاتهام أو إعلان موقف سياسي من دولة بعينها، وإنما تستند، من منظور القانون الدولي، إلى تحقيقات مستقلة وأدلة موثقة يمكن التحقق منها. ولهذا يميز خبراء القانون الدولي بين الاتهامات التي قد تستند إليها دول في فرض عقوبات وفق تشريعاتها الوطنية، وبين الإثبات القانوني الدولي الذي يتطلب استكمال إجراءات التحقيق والبت عبر المؤسسات المختصة.
وفي الحالة السودانية، لا يزال هذا التمييز قائمًا حتى الآن. فالولايات المتحدة أعلنت في مايو/أيار 2025 أنها توصلت إلى قناعة بأن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، واستندت إلى ذلك في فرض عقوبات بموجب تشريعاتها الوطنية، ثم وسعت هذه الإجراءات لاحقًا. وفي المقابل، نفت الحكومة السودانية الاتهامات، وشكلت لجنة وطنية للتحقيق، وطالبت بالحصول على الأدلة وإحالة الملف إلى الآليات المنصوص عليها في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
وبذلك يبقى الملف، حتى الآن، عند نقطة فاصلة بين اتهام ترتبت عليه إجراءات أميركية أحادية، وبين إثبات دولي نهائي لم يصدر بعد. وإذا ما خلصت آليات التحقيق الدولية مستقبلًا إلى إثبات استخدام الأسلحة الكيميائية، فإن القضية ستنتقل من نطاق الخلاف السياسي والدبلوماسي إلى نطاق المساءلة الدولية، بما قد يترتب عليه من تداعيات قانونية وسياسية تتجاوز حدود السودان إلى موقعه داخل منظومة القانون الدولي وعلاقاته مع المجتمع الدولي.
بين العقوبات وغياب التحقيق الدولي
وفي سياق البحث عن مؤشرات ذات صدقية، نفت عضو المكتب التنفيذي لمجموعة محامو الطوارئ رحاب المبارك أن تكون المجموعة قد وثقت، خلال الفترة الأخيرة، شهادات أو وقائع جديدة تتعلق باستخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية. لكنها قالت، لـ”أفق جديد”، إن المجموعة وثقت ما وصفته بتحولات مثيرة للانتباه في ملف استيراد غاز الكلور، رأت أنها تستحق التحقيق المستقل.
وتقول المبارك إن هيئة مياه ولاية الخرطوم كانت قد طرحت، وفق الإجراءات القانونية المعتادة، عطاءين منفصلين لتوريد غاز الكلور المسال وبولي ألمنيوم كلوريد، وهما مادتان تستخدمان في تنقية مياه الشرب، وتقدمت لهما عشرات الشركات بعد استيفاء الاشتراطات الفنية والمالية والقانونية، وبدأت بالفعل إجراءات تقييم العروض بواسطة لجنة ضمت ممثلين للجهات الفنية والمالية والأمن الاقتصادي.
وبحسب إفادتها، فإن الشركات فوجئت، بعد فتح المظاريف وقبل إعلان النتائج، بقرار يقضي بقصر استيراد غاز الكلور المسال على منظومة الصناعات الدفاعية، وقالت إن القرار صدر -بحسب المعلومات التي حصلت عليها- بتوجيه مباشر من القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وهو ما أدى إلى إلغاء المنافسة مع القطاع الخاص.
وتعتبر المبارك أن احتكار جهة عسكرية لاستيراد غاز الكلور، وهو مادة ذات استخدامات مدنية مشروعة لكنها قد تدخل أيضًا في تصنيع بعض الأسلحة الكيميائية، يثير -من وجهة نظرها- تساؤلات تستوجب التحقيق، خصوصًا في ظل ما وصفته بوجود تقارير إعلامية تحدثت عن شحنات كلور وصلت إلى السودان عبر ميناء بورتسودان. وأشارت إلى تحقيق بثته قناة فرنسية تتبع مسار إحدى هذه الشحنات وربطها بمسؤولين في منظومة الصناعات الدفاعية.
كما ذهبت المبارك إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن احتكار استيراد الكلور قد يحجب المعلومات المتعلقة بالكميات المستوردة والجهات المستخدمة لها، بما يفتح الباب أمام الشكوك بشأن إمكانية تحويل جزء منها إلى أغراض عسكرية. وأضافت أن الجيش السوداني يمتلك، بحسب معلوماتها، بنية تنظيمية متخصصة في مجال الأسلحة الكيميائية تعود إلى تسعينيات القرن الماضي.
وربطت المبارك بين هذه المعطيات وبين الاتهامات الأميركية الأخيرة، مدعية أن الجيش استخدم أسلحة كيميائية في عدد من مناطق القتال، من بينها الكومة ومليط وجبل موية ونيالا ومحيط مصفاة الجيلي، وأن احتكار استيراد الكلور قد يكون جزءًا من محاولة لتأمين مصادر بديلة لهذه المادة بعد تراجع الإمدادات الخارجية.
وفيما لم تتمكن “أفق جديد” من التحقق بصورة مستقلة من هذه الاتهامات أو الحصول على رد من منظومة الصناعات الدفاعية أو الجهات الحكومية المعنية بشأنها. تعد مجموعة محامو الطوارئ من أوائل الجهات الحقوقية السودانية التي أثارت ملف الاشتباه باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب. ففي أغسطس من العام الماضي، نشرت المجموعة تقريرًا ميدانيًا استند إلى إفادات عدد من سكان مناطق شرق سنار وجبل موية، قالت إنه يوثق مؤشرات تستدعي إجراء تحقيق دولي مستقل في طبيعة الأسلحة التي استُخدمت خلال العمليات العسكرية هناك.
شهادات السكان
ويورد التقرير شهادات لسكان تحدثوا عن ظهور بقع صفراء واسعة داخل الأراضي الزراعية في مناطق تعرضت، بحسب رواياتهم، لقصف بالبراميل المتفجرة، إضافة إلى ما وصفوه بتغيرات غير مألوفة في خصائص التربة، وفشل محاصيل زراعية في الإنبات، ونفوق أعداد كبيرة من الماشية والحيوانات البرية دون أسباب واضحة. كما تحدثت الإفادات عن انتشار التهابات رئوية حادة، وأمراض معوية شُخّص بعضها على أنه كوليرا، إلى جانب التهابات حادة في العيون وأعراض جلدية بين السكان.
كما تضمن التقرير روايات لأسر قالت إنها شهدت حالات إجهاض متكرر وتشوهات خلقية بين بعض المواليد بعد الأحداث التي شهدتها المنطقة، وربط أصحاب الشهادات بين هذه الحالات وما يعتقدون أنه تعرض لمواد كيميائية خلال العمليات العسكرية. وأرفقت المجموعة، بحسب التقرير، صورًا قالت إنها توثق بعض تلك الحالات، معتبرة أن هذه الوقائع تستوجب تحقيقًا علميًا متخصصًا لتحديد أسبابها.
غير أن التقرير، رغم ما احتواه من شهادات ميدانية، لم يستند إلى تحاليل مخبرية أو عينات بيئية أو بيولوجية جُمعت وفق البروتوكولات المعتمدة لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، كما لم تُعرض نتائجه على جهة دولية مختصة للتحقق منها. ولذلك، فإن ما أورده يظل في إطار الإفادات والقرائن التي قد تستدعي مزيدًا من التحقيق، دون أن ترقى بمفردها إلى إثبات قانوني أو علمي لاستخدام أسلحة كيميائية.
وتكتسب هذه الشهادات أهمية إضافية في ضوء الاتهامات الأميركية اللاحقة، إذ إن مناطق مثل جبل موية وولاية سنار وردت ضمن المواقع التي تكررت الإشارة إليها في تقارير إعلامية وحقوقية مختلفة. ومن بين الإفادات التي اطلعت عليها “أفق جديد”، شهادات سكان من مناطق شرق سنار وجبل موية، قالوا إنهم لاحظوا مؤشرات غير اعتيادية أعقبت العمليات العسكرية في المنطقة.
وأفاد أحد الشهود، وهو رجل من أبناء سنار، بأنه رصد بقعًا صفراء واسعة داخل أراضٍ زراعية قال إنها تعرضت لقصف بالبراميل، مشيرًا إلى وجود أربع بقع بين جبل التوت وجبل موية، ونحو اثنتي عشرة بقعة أخرى بين جبل موية ومدخل سكر سنار، تبلغ مساحة كل منها نحو فدان. وأضاف أنه لاحظ، بالتزامن مع ذلك، انتشار حالات التهاب رئوي حاد ومزمن بين السكان، إلى جانب أمراض معوية شُخِّص بعضها على أنه كوليرا، لكنه شكك في دقة هذا التشخيص، مستندًا إلى اختلاف الأعراض وارتفاع معدلات الوفيات.
وفي إفادة أخرى، قالت سيدة من المنطقة نفسها إن ثلاثة من أفراد أسرتها، ممن شُخِّصوا سابقًا بالإصابة بالكوليرا، أُصيبوا لاحقًا بالفشل الكلوي، كما تحدثت عن انتشار واسع لالتهابات حادة في العيون صاحبتها حساسية شديدة للضوء واحمرار مستمر.
كما تضمن التقرير شهادات لمزارعين قالوا إن أراضيهم تعرضت لتغيرات غير مألوفة، من بينها فشل المحاصيل في الإنبات، ونفوق أعداد كبيرة من الأغنام والحيوانات البرية، إضافة إلى العثور على أعداد كبيرة من الفئران والثعابين النافقة داخل المزارع، وهو ما اعتبره أصحاب الإفادات مؤشرًا على حدوث تلوث غير طبيعي في البيئة.
وتحدث الشاهد الرئيس كذلك عن إصابته بالتهاب صدري مزمن منذ سبتمبر 2024، وعن ظهور طفح جلدي لدى أطفاله، فيما أشار إلى تعرض زوجته لحالتي إجهاض، وإلى ولادة أطفال من أقاربه بتشوهات خلقية مختلفة، معربًا عن اعتقاده بوجود صلة بين تلك الحالات وما يعتقد أنه تعرض لمواد كيميائية أثناء العمليات العسكرية.
شهادات من نيالا
وفي تقرير آخر أصدرته مجموعة محامو الطوارئ في سبتمبر/أيلول 2025، وسعت المجموعة نطاق مزاعمها لتشمل مدينة نيالا، كبرى مدن إقليم دارفور، معتبرة أنها تمثل إحدى أكثر المناطق التي ظهرت فيها -بحسب إفادات جمعتها- مؤشرات على استخدام مواد كيميائية خلال العمليات العسكرية.
ويستند التقرير إلى عدد من الشهادات الميدانية، في مقدمتها إفادة محامٍ سوداني رمز له بالأحرف (ح.ع)، قال إنه وصل إلى نيالا في السابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2024 قادمًا من أم درمان، بعد أن اضطر إلى مغادرة العاصمة بسبب الحرب. وأوضح أنه عبر طريق الصادرات مرورًا ببارا والأبيض والدبيبات وأبو زبد والضعين، قبل أن يستقر في نيالا وسط أقاربه.
وقال الشاهد إن آثار الدمار كانت واضحة على طول الطريق، إلا أن ما لفت انتباهه بصورة أكبر بعد وصوله إلى نيالا لم يكن حجم الدمار وحده، وإنما ما وصفه بانتشار أعراض مرضية متشابهة بين السكان. وأضاف أنه، أثناء تقديم واجب العزاء في عشرات من أقاربه ومعارفه الذين قُتلوا خلال الحرب، لاحظ أن معظم الحاضرين في بيوت العزاء، رجالًا ونساءً، كانوا يعانون احمرارًا شديدًا في العينين، مع التهابات مؤلمة وسيلان دموع مستمر، الأمر الذي دفع كثيرين إلى ارتداء نظارات داكنة حتى داخل المنازل واستخدام المناديل بصورة دائمة.
وتتوسع الشهادة لتشمل الأوضاع الصحية داخل الأحياء السكنية ومعسكر عطاش للنازحين، حيث قال الشاهد إن المنطقة شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في حالات الإجهاض بين النساء، مدعيًا أن المعدلات بلغت نحو مائة حالة شهريًا، كما أشار إلى أن زوجته كانت تعاني نزيفًا مستمرًا منذ وصولها إلى المدينة. وأضاف أنه اطلع على حالات لأطفال ولدوا بتشوهات خلقية، من بينها طفل قال إن الحبل السري لديه كان في غير موضعه الطبيعي، وآخر وُلد -بحسب وصفه- بتشوه في شكل الرأس، مشيرًا إلى أنه زود معدي التقرير بمقاطع مصورة توثق بعض هذه الحالات.
ويروي الشاهد كذلك أنه أصيب شخصيًا بضيق مزمن في التنفس والتهاب رئوي حاد، وأن حالته الصحية كانت تضطره إلى التوقف أثناء الحديث بسبب خروج إفرازات بيضاء كثيفة من الجهاز التنفسي، مضيفًا أن الأعراض نفسها ظهرت على عدد من أقاربه ومعارفه، من بينهم شخص قال إنه يعاني منذ أشهر من التهاب رئوي مستمر، وأخرى عادت إليها نوبات الربو بعد سنوات من التعافي، وأصبحت، بحسب إفادته، ملازمة للفراش.
نتائج إيجابية.
كما يتضمن التقرير إفادة لطبيب رمز له بالأحرف (ع.أ.ك)، قالت المجموعة إنه يعمل في المستشفى التركي بمدينة نيالا. وبحسب التقرير، أفاد الطبيب بأن الفرق الطبية كانت تتعامل مع عدد من المصابين بحالات اختناق عقب الغارات الجوية، وأنها كانت تحتفظ بملابس بعضهم داخل أكياس مخصصة وترسلها إلى معامل للفحص. ونسب التقرير إلى الطبيب قوله إن نتائج تلك الفحوص أظهرت وجود آثار لغاز الكلور على الملابس، إلى جانب تسجيل حالات تسلخات جلدية بين عدد من المصابين.
وترى مجموعة محامو الطوارئ أن مجموع هذه الشهادات والوقائع يشكل قرائن تستوجب فتح تحقيق دولي عاجل في طبيعة الأسلحة المستخدمة في نيالا، معتبرة أن ما وثقته يرقى إلى الاشتباه في استخدام أسلحة كيميائية ضد مناطق مدنية، بعد أكثر من عام على أول الاتهامات العلنية، لا يزال ملف استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان معلقًا بين روايتين متناقضتين: رواية أميركية تقول إنها استندت إلى أدلة دفعتها إلى فرض عقوبات غير مسبوقة، ورواية سودانية تنفي الاتهامات وتطالب بعرض تلك الأدلة أمام الآليات الدولية المختصة. وبين الروايتين تقف منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بوصفها الجهة الوحيدة التي تمتلك الإجراءات الفنية والقانونية القادرة على تحويل الشبهات إلى حقائق أو نفيها بصورة نهائية.
ويكشف هذا التحقيق أن المشكلة لا تكمن فقط في غياب الأدلة المعلنة، وإنما أيضًا في عامل الزمن. فكل يوم يمضي منذ وقوع الوقائع المزعومة يعني فقدان جزء من الأدلة المادية، وتغيرًا في مسارح العمليات، وتراجعًا في قدرة المحققين على إعادة بناء ما حدث وفق المعايير العلمية المطلوبة. ولهذا، فإن التأخر في إجراء تحقيق دولي مستقل قد يجعل الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة، بصرف النظر عن الطرف الذي ستثبت مسؤوليته في نهاية المطاف.
كما يبين التقرير أن معظم ما هو متداول حتى الآن يتوزع بين تقارير إعلامية، وشهادات ميدانية، وإفادات حقوقية، وعقوبات أميركية استندت إلى معلومات لم تُنشر للرأي العام، بينما لا يزال العنصر الحاسم غائبًا، وهو تقرير فني مستقل يصدر عن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أو جهة تحقيق دولية ذات ولاية معترف بها. وفي غياب هذا التقرير، ستظل الاتهامات تحمل وزنًا سياسيًا كبيرًا، لكنها لن تبلغ درجة اليقين القانوني الذي يحسم الجدل.
وفي المقابل، فإن خطورة الاتهام ذاته تفرض على السلطات السودانية التزامًا يتجاوز النفي السياسي، ويتمثل في التعاون الكامل مع أي آلية تحقيق مستقلة، وتمكينها من الوصول إلى المواقع والأشخاص والوثائق ذات الصلة. فالشفافية، في مثل هذه القضايا، ليست مجرد موقف دبلوماسي، بل هي الوسيلة الوحيدة لحماية المدنيين، وصون سمعة الدولة، وضمان عدم إفلات أي مسؤول من المساءلة إذا ثبت وقوع الجريمة.
لقد أصبحت قضية الأسلحة الكيميائية في السودان أكثر من مجرد خلاف بين الخرطوم وواشنطن؛ فهي اختبار لقدرة منظومة العدالة الدولية على التعامل مع أخطر الانتهاكات أثناء النزاعات المسلحة، واختبار أيضًا لحق الضحايا في معرفة الحقيقة. وبين العقوبات الأميركية، والشهادات الميدانية، والنفي الرسمي، تبقى الحقيقة الكاملة رهينة بتحقيق دولي مستقل، لأن العدالة في مثل هذه الجرائم لا تُبنى على الاتهامات ولا على الإنكار، وإنما على الأدلة التي تصمد أمام الفحص العلمي والقانوني..





