مسرحية ماستابا.. الرقصة الأخيرة

السر السيد
ماستابا: قد رضيت بحكمك أيها الأب… لقد رضيت بالحكم.
شاليت: هذا ليس حكمي… إنه حكم الأسلاف.. لقد أصدرت أوامرها على هذا الدم الفاسد.
ماستابا: أيها الأب، سأرقص حتى يصفو دمي، حتى تشرب الأرض كل قطرة، وحتى يعلن الإيقاع أن الموت شيء عادي، كالحب، وكالميلاد، وكالجنون.
نشرت هذه المسرحية ضمن خمسة نصوص مسرحية سودانية، أصدرتها دائرة الثقافة والإعلام بحكومة الشارقة عام 2010، في كتاب بعنوان «نصوص مسرحية». والمسرحية من تأليف الكاتب والمخرج السوداني عطا شمس الدين.
عن عطا شمس الدين:
يمكن عده، بلا تردد، من المسرحيين المثابرين والمتميزين. كتب وأخرج عدداً من المسرحيات في مدينة بورتسودان، مدينته الأم، وفي الخرطوم، كما شارك في المهرجانات المسرحية المحلية وبعض المهرجانات العربية. ومما تجب الإشارة إليه هنا توظيفه في بعض عروضه ممثلين وممثلات من بورتسودان، وآخرين من الخرطوم، فضلاً عن استحقاقه وصف «المؤلف المخرج»، إذ دأب على إخراج نصوصه بنفسه.
ومن عروضه: «لمبة الملاحظ»، و«الطيور تتحدث سراً»، و«مركب الشيخ برغوث»، و«الفرن»، و«ماستابا.. الرقصة الأخيرة»، و«أولاد ملوص وحكاية الجراد»؛ وهي من تأليف عادل سعد يوسف.
في أسماء الشخصيات:
يحتوي هذا النص، المحتشد بالإرشادات الإخراجية، على سبع شخصيات، إضافة إلى مجموعة الراقصين. والشخصيات هي: ماستابا، فتاة القرية الجميلة الرافضة لخرافات الكاهن واستغلاله للأعراف والتقاليد؛ وكاتيانق، الشاب القوي وخطيب ماستابا وشريكها في مواجهة الكاهن؛ وشاليت، كاهن القبيلة والمسيطر عليها؛ ومامو، المرأة العجوز المتمسكة بالتقاليد البالية؛ وأباي، والد ماستابا، ومن المؤمنين بالكاهن؛ وماكوار ولينو، وهما من أتباع الكاهن، إلى جانب كاهن الطقوس ومجموعة الراقصين.
منذ الوهلة الأولى، سيتساءل القارئ أو المشاهد عن أسماء الشخصيات وعلاقتها بالفضاء السوداني؛ ذلك أن الاسم في النص المسرحي يرتبط، بالضرورة، بالفضاء الاجتماعي الذي يشتبك معه النص، وضمنياً بالفضاء الذي يبنيه. وسبب هذا التساؤل أن أسماء الشخصيات، بالمعنى الشائع، ليست عربية سودانية، كما أنها ليست من الأسماء النوبية أو البجاوية المعروفة.
صحيح أن بعضها قد نجده في جنوب السودان، مثل «لينو»، وبعضها، من حيث البنية الصوتية، يشبه أسماء موجودة في جنوب السودان، مثل: «ماكوار» و«أباي» و«كاتيانق». أما «ماستابا» و«شاليت» و«مامو»، فهي، بصورة عامة، أقرب إلى المجال الصوتي الأفريقي العام منها إلى المجال الصوتي السوداني بتنويعاته المختلفة التي أشرنا إليها.
الفضاء الأفريقي المتخيَّل:
أوردت الإشارة السابقة عن الأسماء لأقول إن المؤلف، وهو يبني حكاية نصه، استلهم ما يمكن تسميته «الفضاء الأفريقي المتخيَّل»؛ إذ جاء النص قائماً على ثيمات أساسية تميز ما يطلق عليه، بصورة تعميمية، «النص المسرحي الأفريقي»، وهي: الصراع بين القديم والجديد، وحضور الكاهن وهيمنته، وحكمة الأسلاف ووجوب الخضوع لها، والقربان، والرقص، والطقوسية، والقبيلة.
على هذه الثيمات بنى المؤلف نصه وعرضه، وكأنه يحاول، عبر هذا الطابع الأفريقي العام، أن ينهل من خبرة مسرحية أفريقية ازدهرت في ستينيات القرن الماضي، ومثلت واحدة من أدوات مقاومة المستعمر الأوروبي، جنباً إلى جنب مع المقاومة السياسية، إذ كانت تهدف إلى بناء عالم مسرحي مغاير يستند إلى الثقافات الأفريقية، وأسئلة المجتمعات الأفريقية، وأولوياتها في التغيير.
ومن هنا أخذ هذا النص تميزه، كما أرى، لينضاف إلى التجارب المسرحية السودانية القليلة جداً التي ذهبت في الاتجاه نفسه، مثل مسرحية «مأساة يرول» للكاتب الخاتم عبدالله والمخرج السماني لوال، ومسرحية «مونودراما الراقصة» للكاتب جعفر سعيد الريح والمخرج عبد الحكيم عامر.
كما استمد تميزه من اعتماده على عدد كبير من الشخصيات، فرضته طبيعة الموضوع ومكانه؛ فالمكان الأفريقي، ولا سيما في القرى، يتميز بالجماعية والحركة الصاخبة، لأنه مكان طقسي في الأساس، ولا يكون الطقس إلا بالاحتفال، ولا يكون الاحتفال إلا بحضور الجماعة.
وربما لهذا السبب أستطيع القول إن هذا النص كُتب بطريقة لا يكتمل فيها إلا بوجود عناصر العرض الأخرى، إلى جانب الكلام، مثل الحركة، والضوء، والظلام، والديكور، والموسيقى، والأزياء. وهذا، بالطبع، لا يمنعنا من التأكيد على أن النص، ببنائه الذي تحتل فيه الإرشادات الإخراجية حيزاً مهماً، استطاع، إلى حد كبير، أن ينقل المناخ العام للحكاية، وأن يكشف الدور الذي يمكن أن تلعبه ثقافة «القربان» في جعل الإنسان قادراً على التضحية.
فبقدر ما يستغل الكهنة الدين والأعراف، بقدر ما تكون نهايتهم بسبب بعض المفاهيم والعقائد نفسها التي يروجون لها. فموت ماستابا فداءً لخطيبها وفداءً لأهلها هو ما سيشكل، مستقبلاً، الثقافة التي ترفض هيمنة الكهنوت واستغلال العقائد والأعراف والتقاليد.
ومن هنا يمكن القول إن ثمة تشابهاً، إلى حد ما، بين «ماستابا.. الرقصة الأخيرة» و«مأساة يرول» و«مونودراما الراقصة».





