الحرب كبيئة مثالية لازدهار تجارة وتعاطي المخدرات

حيدر المكاشفي
المؤشرات الأخيرة التي نشرتها مجلة (أفق جديد) كجرعة تحذيرية تدق ناقوس الخطر، تدعو إلى القلق البالغ. فقد بلغ عدد البلاغات المتعلقة بالمخدرات نحو 84 ألف بلاغ، فيما تجاوز عدد المتهمين 12 ألف شخص متهم في قضايا المخدرات، وتمكنت السلطات من ضبط 171 كيلوغرامًا من الكوكايين، إضافة إلى 15599 جرامًا من الحشيش خلال العام الجاري، مع الإعلان عن مساعٍ لإنشاء أول مستشفى متخصص لعلاج الإدمان. وهذه الأرقام، على أهميتها، لا تمثل سوى الجزء الظاهر من جبل جليد المخدرات، لأن ما ينجح في الوصول إلى الأسواق غالبًا ما يكون أكبر بكثير مما يتم ضبطه ومصادرته. لقد تحولت المخدرات من جرائم فردية إلى تجارة منظمة عابرة للحدود، تستفيد من هشاشة الأوضاع الأمنية والاقتصادية، وتستهدف الفئة الأكثر أهمية في أي مجتمع، وهي فئة الشباب. والأسوأ من ذلك أن بعض أنواع المخدرات، وعلى رأسها (الآيس)، لم تعد تباع في الأزقة المظلمة فقط، بل أصبح الحديث عن انتشارها في بعض الأماكن العامة أمرًا متداولًا بين الناس، في مؤشر خطير على اتساع دائرة الخطر.
ولعل أكثر ما يثير القلق أن السودان لم يعد مجرد بلد يمر عبره المهربون، بل بات يُخشى أن يتحول إلى سوق استهلاكية واسعة، وهو تحول بالغ الخطورة، لأن تجارة العبور تستهدف الأرباح، أما سوق الاستهلاك فتستهدف المجتمع نفسه، وتعمل على تفكيكه من الداخل. إن القضية لا تتعلق فقط بمتعاطٍ أو مروج، وإنما بشبكات كاملة تستثمر في الإدمان وتستفيد من تدمير الأسر والمجتمع. وكلما نجحت هذه الشبكات في الإفلات من العقاب، ازدادت جرأتها واتسع نشاطها، وأصبح الشباب هم الوقود الذي يغذي هذه التجارة السوداء.
الحقائق الثابتة والدامغة تؤكد أن المخدرات بمختلف أنواعها، لم تنتشر في طول البلاد وعرضها طوال تاريخها منذ التركية السابقة، مثل انتشارها خلال سنوات عهد الإنقاذ البائد، فالكميات المهولة من المخدرات التي دخلت البلاد خلال تلك الفترة السوداء كانت بالضخامة التي تكفي لتصنيف السودان ضمن أكبر أسواق ومحطات عبور المخدرات في العالم، فقد كانت المخدرات تجد طريقها سالكًا إلى داخل البلاد من كل الاتجاهات وبكل الوسائل، بالبحر والبر والجو، وقد سجلت المضابط اعترافًا صريحًا من بعض قيادات النظام المخلوع بكثافة انتشار المخدرات، نذكر منهم وزيرة الرعاية الاجتماعية أمل البيلي التي اعترفت بأن دائرة التعاطي ظلت في اتساع متواصل حتى دخلت أسوار مدارس الأساس والثانويات، دعكم من الجامعات، وقد عزز كلام البيلي وأكده أكثر من مسؤول في ذلك العهد الغيهب، بل إن أحدهم مضى أبعد من ذلك بتأكيده أن نسبة انتشار المخدرات في الخرطوم وحدها بلغت 70%، هذا غير العديد من الحاويات الضخمة المحشوة بالمخدرات التي تم ضبطها بالميناء، ولكن لأن هنالك نافذين في النظام لهم علاقة بهذه الحاويات، انتهت قضية هذه الحاويات إلى لا شيء سوى إبادة وحرق كميات المخدرات المهولة التي تم ضبطها، فحتى من كانت الشرطة قد ألقت القبض عليهم متهمين بحيازة تلك الحاويات تمت تبرئتهم وإطلاق سراحهم.
لا ينبغي النظر إلى المخدرات باعتبارها مجرد قضية أمنية، فهي قضية صحية وتعليمية واجتماعية واقتصادية في آن واحد. فالمدمن لا يخسر صحته فقط، وإنما يخسر مستقبله، وأسرته تخسر استقرارها، والمجتمع يخسر طاقة إنتاجية كان يمكن أن تكون لبنة في البناء والتنمية. ومن هنا تبرز أهمية إنشاء مستشفى متخصص لعلاج الإدمان، فالعلاج والتأهيل يمثلان أحد أهم أركان المواجهة، لكنهما لا يغنيان عن الوقاية، ولا عن الضربات الأمنية النوعية، ولا عن تطوير التشريعات، ولا عن حملات التوعية المستمرة داخل المدارس والجامعات والأحياء.
إن المعركة ضد المخدرات لا يمكن أن تكسبها الشرطة وحدها، ولا وزارة الصحة وحدها، ولا المؤسسات التعليمية وحدها، بل هي مسؤولية مجتمع كامل، تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة والمسجد والإعلام، وتنتهي عند أجهزة العدالة التي يقع على عاتقها إنزال العقوبات الرادعة بحق شبكات التهريب والترويج. لقد علمتنا تجارب كثير من الدول أن الرصاصة قد تقتل إنسانًا واحدًا، أما المخدرات فإنها تقتل جيلًا كاملًا بصمت ومن دون ضجيج. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يفعله أي مجتمع هو أن يتعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها مجرد أخبار عابرة أو أرقام في التقارير الرسمية.
إن مستقبل السودان لن تحدده فقط نتائج المعارك العسكرية، بل ستحدده أيضًا نتيجة معركة أخرى لا تقل خطورة، هي معركة حماية عقول شبابه من السموم. فإذا انتصرت المخدرات، فلن يكون هناك منتصر حقيقي مهما انتهت بقية الحروب. وإذا كانت الحرب الدائرة في السودان اليوم قد دمرت المدن وشردت الملايين، فإن حربًا أخرى لا تقل خطورة تتسلل في صمت إلى البيوت والمدارس والجامعات والشوارع، اسمها المخدرات. إنها الحرب التي لا يسمع الناس فيها دوي المدافع، لكنهم يرون آثارها في العيون الزائغة، والأسر المفككة، والجريمة المتصاعدة، والشباب الذين يتحولون إلى أشباح قبل أن يبلغوا منتصف العمر.
اليوم في السودان، ومع استمرار الحرب العبثية المهلكة، وبينما ينشغل الناس بأخبار المعارك والجبهات، كانت جبهة أخرى تتمدد في صمت. وبينما كانت البنادق تحصد الأرواح، كانت السموم تحصد ما تبقى من الأمل. فالحرب لم تخلق فقط مأساة إنسانية واقتصادية، وإنما وفرت أيضًا البيئة المثالية لازدهار الجريمة المنظمة، وعلى رأسها تجارة المخدرات. ففي زمن الحرب ضعفت الرقابة، وتشظت مؤسسات الدولة، وتعددت مراكز القوة، وانهارت الحدود، وازدادت حركة التهريب، وفي مثل هذه البيئات لا تنمو تجارة المخدرات فحسب، بل تتحول إلى إمبراطورية مالية قادرة على شراء الذمم، وتجنيد الشباب، وإغراق المجتمع في مستنقع الإدمان. ولذلك لم يكن مستغربًا أن تتحدث الإحصاءات عن عشرات الآلاف من البلاغات المتعلقة بالمخدرات، وآلاف المتهمين، وضبط كميات كبيرة من الكوكايين والحشيش. هذه الأرقام ليست مجرد نجاحات أمنية، بل هي أيضًا مؤشر إلى حجم ما يحاول اختراق المجتمع، وما قد يكون قد نجح بالفعل في الوصول إلى ضحاياه.
إن أخطر ما تفعله الحرب أنها لا تقتل الناس فقط، بل تفتح أبوابًا واسعة أمام اقتصاد الجريمة. فحين تتراجع فرص العمل، ويغيب التعليم، وتتسع رقعة النزوح، ويعيش آلاف الشباب بلا أفق ولا دخل ولا استقرار، يصبح بعضهم فريسة سهلة لتجار السموم، مرة باعتبارهم زبائن، ومرة باعتبارهم مروجين، ومرة باعتبارهم أدوات في شبكات لا تعرف سوى الربح. ولذلك فإن المخدرات ليست مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل قد أصبحت امتدادًا لها.
في السودان اليوم، لا يحتاج المرء إلى كثير من العناء ليدرك أن ما يجري تجاوز مرحلة الظاهرة العابرة. فالمخدرات لم تعد قضية أفراد، وإنما قضية مجتمع كامل. وكل شاب يقع في الإدمان هو خسارة لوطن يحتاج إلى كل سواعده لإعادة البناء بعد الحرب. فالحرب قد تنتهي باتفاق سياسي أو وقف لإطلاق النار، طال الزمن أو قصر، أما مصيبة المخدرات فلن تنتهي إلا إذا امتلكت الدولة إرادة لا تعرف المساومة في ملاحقة شبكات التهريب، وتجفيف منابع التمويل، وتأمين الحدود، وتطوير قدرات أجهزة المكافحة، وتوسيع برامج العلاج والتأهيل، وإطلاق حملات توعية حقيقية تبدأ من الأسرة ولا تنتهي عند وسائل الإعلام.
إن إعادة إعمار السودان لن تبدأ بالإسمنت والحديد، وإنما بإعادة بناء الإنسان. وما قيمة أن نعيد تشييد المدارس إذا كان طلابها أسرى للإدمان؟ وما قيمة أن نعيد بناء المستشفيات إذا كنا نسمح للمخدرات بأن تملأها بضحايا جدد كل يوم؟ وما قيمة أي مشروع وطني إذا كان الشباب، وهم ثروة البلاد الحقيقية، يُستنزفون في معركتين؟
فمعركة المخدرات لا تقل وحشية عن الحرب نفسها، فإذا كان الرصاص قد مزق الجسد، فإن المخدرات تمزق الروح. وإذا كانت الحرب قد دمرت المدن، فإن الإدمان يهدد بتدمير المستقبل. قد تستطيع الدولة أن تتعافى من الحرب، وأن تعيد بناء ما دمرته القذائف، وأن تشيد الجسور والمستشفيات والمدارس من جديد، لكن إذا استوطن الإدمان شبابها وتحولت المخدرات فيها إلى تجارة مزدهرة، فإنها تواجه معركة أشد قسوة وأطول أمدًا. فالمباني يمكن أن تُعاد، أما العقول التي تلتهمها السموم فلا يمكن تعويضها بسهولة.
ولعل أخطر ما في قضية المخدرات أننا اعتدنا سماع أخبار الضبطيات، ثم يختفي كل شيء بعد أيام. تُحرق المخدرات، وتُغلق الملفات، ويبقى السؤال الأكبر معلقًا: من الذي أدخلها؟ ومن الذي موّلها؟ ومن الذي وفر لها الحماية؟ إن الجريمة المنظمة لا تنمو في الفراغ. فتجارة بهذا الحجم، وعائدات بهذه الضخامة، لا يديرها هاوٍ ولا متعاطٍ عابر، وإنما شبكات تمتلك المال والخبرة والقدرة على التخفي واستغلال الثغرات.





