الفقر كان يحاصر السودانيين قبل الحرب.. ومسح رسمي يكشف عمق الأزمة

أفق جديد
لم تأتِ الحرب إلى السودان لتصنع الفقر من فراغ، بل اندلعت في بلد كان يعيش أصلًا واحدة من أشد أزمات الحرمان في المنطقة. فقبل عامين من تحول النزاع إلى أكبر كارثة إنسانية في العالم، كان أكثر من أربعة أخماس السودانيين محرومين من أبسط مقومات الحياة، وفق أول مسح رسمي للفقر متعدد الأبعاد، لتصبح الحرب لاحقًا عاملًا ضاعف من أزمة كانت قائمة بالفعل.
وكشف المسح، الذي أصدره الجهاز المركزي للإحصاء، أن 82.8 في المائة من السكان كانوا يعيشون في فقر متعدد الأبعاد قبل اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، بينما بلغ مؤشر الفقر 0.441، ووصلت شدة الفقر إلى 53.3 في المائة، ما يعني أن الفقراء كانوا يعانون، في المتوسط، من أكثر من نصف أوجه الحرمان التي يقيسها المؤشر.
وفي بلد تتصدر فيه الصحة والصرف الصحي والطاقة المنزلية قائمة أوجه الحرمان، لم تكن معاناة المواطنين أرقامًا في جداول إحصائية، بل واقعًا يوميًا عاشته الأسر لسنوات.
اعتمادًا على المساعدات
ويقول عباس محجوب (55 عامًا)، وهو مزارع من ولاية شمال كردفان نزح لاحقًا إلى مدينة كوستي، إن الحياة قبل الحرب لم تكن سهلة، لكن اندلاع القتال قضى على ما تبقى من مصادر الرزق.
وأضاف لـ”أفق جديد”: “كنا نعاني أصلًا من ضعف الخدمات وارتفاع الأسعار، والمركز الصحي يبعد عشرات الكيلومترات، والمدرسة تفتقر إلى أبسط الإمكانات. عندما جاءت الحرب فقدنا الأرض والمحصول، وأصبحنا نعتمد على المساعدات”.
ولا تبدو هذه الفجوة مجرد تفاوت جغرافي على الورق، بل تنعكس في تفاصيل الحياة اليومية لسكان تلك الولايات، حيث يعني الفقر غياب المركز الصحي، وانقطاع المياه، وبُعد المدارس، والاعتماد على الحطب في الطهي، وهي صور تتكرر في معظم إفادات الأهالي.
وللمرة الأولى، اعتمد السودان منهجية الفقر متعدد الأبعاد التي تقيس الحرمان في مجالات الصحة والتعليم ومستوى المعيشة والتشغيل عبر 14 مؤشرًا بدلًا من الاكتفاء بمستوى الدخل، وهو ما يمنح صورة أكثر دقة لواقع الأسر السودانية.
وأظهرت النتائج أن الحرمان من الخدمات الصحية يمثل أكبر أوجه الفقر بنسبة 97.3 في المائة، يليه الصرف الصحي 86.9 في المائة، ثم وقود الطهي 64.9 في المائة، في دلالة على أن الأزمة تمس الخدمات الأساسية قبل أن تمس مستويات الدخل.
هشاشة تنموية
ويشير المسح إلى أن الحرب لم تنشئ الفقر في السودان، بل ضربت مجتمعًا كان يعاني أصلًا من هشاشة تنموية عميقة. فالمناطق التي سجلت أعلى معدلات الفقر قبل الحرب هي نفسها التي شهدت لاحقًا موجات نزوح واسعة وتراجعًا أكبر في الخدمات، الأمر الذي يجعل تقدير حجم الفقر بعد أكثر من ثلاث سنوات من النزاع تحديًا يتجاوز الأرقام إلى واقع إنساني أكثر تعقيدًا.
أما آمنة إسماعيل، وهي أم لخمسة أطفال تسكن أطراف مدينة أم درمان، فتقول لـ”أفق جديد” إن الحصول على المياه والعلاج كان معاناة يومية حتى قبل النزاع.
وأضافت: “كان همّنا كل صباح كيف نوفر الماء، وكيف نعالج الأطفال إذا مرضوا. بعد الحرب أصبح الأمر أصعب، لكن الحقيقة أن الحرمان كان موجودًا منذ سنوات”.
ولم تتوزع الأزمة بالتساوي بين الولايات، إذ سجلت ولايات دارفور وكردفان أعلى معدلات الفقر، بينما جاءت الخرطوم والولاية الشمالية في أدنى المستويات، مع تحذير التقرير من هشاشة الأوضاع فيهما وقابليتهما للتدهور عند التعرض لأي صدمات.
كما كشف المسح عن انتشار واسع للفقر الحاد، إذ تجاوزت نسبته ثلاثة أرباع السكان في شرق ووسط دارفور، فيما تخطت 70 في المائة في جنوب وغرب كردفان وجنوب دارفور، بما يعكس فجوة تنموية عميقة بين أقاليم البلاد.
وفي حي الأزهري جنوبي الخرطوم، يروي عبد الواحد عثمان، وهو موظف فقد عمله خلال الحرب، أن تراجع الخدمات كان ملموسًا حتى في المدن.
وأضاف عثمان في حديثه لـ”أفق جديد”: “كنا نعتقد أن الخرطوم أفضل حالًا، لكن كنا نعيش انقطاعًا للكهرباء، وارتفاعًا مستمرًا في الأسعار، وصعوبة في الحصول على العلاج. الحرب كشفت فقط هشاشة الوضع الذي كنا نعيشه”.
آثار ممتدة لأجيال
ويقول خبير التنمية، أيوب مصطفى: “تكمن أهمية هذا المسح في أنه يوثق الواقع التنموي للسودان قبل اندلاع الحرب، ولذلك فهو يمثل خط الأساس الذي يمكن من خلاله قياس حجم التدهور الذي أحدثه النزاع. فعندما يكشف المسح أن أكثر من 82 في المائة من السكان كانوا يعيشون في فقر متعدد الأبعاد، فهذا يعني أن الحرب لم تبدأ في مجتمع يتمتع بخدمات مستقرة، بل في بيئة تعاني أصلًا من هشاشة كبيرة”.
وأضاف مصطفى في حديثه لـ”أفق جديد”: “الفقر متعدد الأبعاد لا يعني فقط انخفاض الدخل، بل يعكس حرمان الأسر من الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم والمياه والصرف الصحي والطاقة وفرص العمل. وهذه الجوانب هي التي تحدد قدرة الإنسان على الإنتاج وتحسين مستوى معيشته، ولذلك فإن آثارها تمتد لأجيال.”
وتابع: “النتائج تُظهر أيضًا تفاوتًا تنمويًا واضحًا بين أقاليم السودان، إذ تركزت أعلى معدلات الفقر في دارفور وكردفان، وهي مناطق عانت تاريخيًا من ضعف الاستثمار في البنية التحتية والخدمات العامة. ومع اندلاع الحرب، أصبحت هذه الولايات تواجه ضغوطًا إضافية نتيجة النزوح وتعطل الأنشطة الاقتصادية، وهو ما يرجح اتساع فجوة التنمية بصورة أكبر.”
وأشار إلى أن “إعادة الإعمار لا ينبغي أن تقتصر على إصلاح الطرق والجسور وشبكات الكهرباء، بل يجب أن تبدأ بإعادة بناء رأس المال البشري من خلال الاستثمار في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية وخلق فرص العمل. فالتجارب الدولية تؤكد أن الدول الخارجة من النزاعات لا تحقق تعافيًا مستدامًا إذا ركزت على البنية التحتية وأهملت الإنسان.”
وختم بالقول: “سيكون تحديث هذا المسح بعد انتهاء الحرب بالغ الأهمية، لأنه سيكشف ليس فقط حجم الزيادة في معدلات الفقر، بل أيضًا طبيعة التحولات التي طرأت على حياة السودانيين، وهو ما يساعد صناع القرار والشركاء الدوليين على توجيه الموارد إلى المناطق والفئات الأكثر احتياجًا”.
ويؤكد الجهاز المركزي للإحصاء أن المسح، الذي أُنجز بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية، يمثل آخر قاعدة بيانات وطنية توثق أوضاع الفقر قبل الحرب، وسيكون مرجعًا لقياس حجم التدهور الذي خلفه النزاع خلال السنوات المقبلة.
تكشف نتائج المسح أن الحرب لم تكن بداية الأزمة الاجتماعية في السودان، بل جاءت لتصطدم ببلد كان يعاني أصلًا من ضعف الخدمات واتساع الفجوات التنموية وارتفاع معدلات الحرمان. وإذا كان نحو 83 في المائة من السودانيين يعيشون في فقر متعدد الأبعاد قبل اندلاع النزاع، فإن سنوات الحرب التي أعقبت ذلك تُنذر بأن تكون كلفة إعادة بناء الإنسان والخدمات، لا البنية التحتية وحدها، هي التحدي الأكبر أمام السودان في مرحلة ما بعد الحرب.





