من الثورة إلى الدولة ..كيف استعادت قوى الردة زمام المبادرة؟

الهادي الشواف

لم تكن الثورات لحظة غضب عابرة، وإنما هي نتيجة تاريخ طويل من تراكم الوعي والنضال والتضحيات، وما حدث في السودان في ديسمبر المجيدة 2018م لم يكن انفجارًا مفاجئًا ولدته الأزمة الاقتصادية وحدها، لكنه كان ثمرة مسار ممتد من المقاومة السياسية والاجتماعية والفكرية ضد الاستبداد والظلم والفساد، بدأ منذ الأيام الأولى لانقلاب الثلاثين من يونيو 1989م، وتغذى عبر محطات متعاقبة من النضال حتى بلغ ذروته، وتوج بثورة ديسمبر المجيدة.

لقد تشكلت الحركة المناهضة للاستبداد عبر عقود من العمل السياسي والنقابي والمدني والطلابي والحقوقي، ودفعت فيه القوى المؤمنة بالديمقراطية والحرية والسلام ثمنًا باهظًا من القتل والاعتقالات والملاحقات والتشريد والتضييق الاقتصادي والتفكيك التنظيمي، وفي هذا السياق يمثل ميثاق الدفاع عن الديمقراطية، الذي جرى التوافق عليه داخل سجن كوبر في أكتوبر 1989م، إحدى البدايات الرمزية المبكرة لصياغة مشروع مقاومة وطني يسعى إلى استعادة الحكم الديمقراطي، قبل أن تتواصل حلقات النضال في الجامعات والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، مرورًا بمحطات عديدة، وصولًا إلى هبة سبتمبر 2013م، ثم ثورة ديسمبر 2018.

ورغم ما تعرضت له القوى السياسية من إنهاك نتيجة سنوات طويلة من القمع، وما أصاب بنيتها التنظيمية من ضعف، سواء بفعل الضغوط الأمنية أو بسبب أزماتها الداخلية المرتبطة بضعف الممارسة الديمقراطية داخل عدد من مؤسساتها، فإنها نجحت مع قوى المجتمع الحية في الإسهام في خلق حاضنة شعبية واسعة للتغيير، وكان من أبرز ملامح هذه المرحلة نشوء لجان المقاومة بوصفها شكلًا جديدًا من التنظيم المجتمعي استطاع أن ينقل الفعل السياسي من النخب إلى الأحياء، ومن المكاتب إلى الشارع، وأن يبتكر نموذجًا تنظيميًا أكثر قربًا من المجتمع وأكثر قدرة على التعبئة، وهو العمل وسط الجماهير.

لكن نجاح الثورة لم يكن نتاج التنظيم وحده، رغم أنه من العوامل المهمة لنجاحها، وكان أيضًا نتاج تحولات عميقة في بنية الوعي السوداني، فقد أسهمت الثورة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي وانفتاح الفضاء الإعلامي في إنتاج جيل جديد أكثر اتصالًا بالعالم، وأكثر إدراكًا لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والحرية والحكم الرشيد، كما ساهمت الندوات وأركان النقاش والحراك الطلابي في بناء وعي سياسي تراكمي، عززته الأزمات الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة واتساع الفساد والمحسوبية وتراجع فرص المشاركة السياسية، وهكذا تلاقت الأزمة المعيشية مع الوعي السياسي، فتشكلت كتلة تاريخية واسعة رأت في التحول المدني الديمقراطي مدخلًا لإعادة بناء الدولة المدنية الديمقراطية.

غير أن إسقاط رأس النظام لم يكن نهاية الصراع، بل كان بداية مرحلة أكثر تعقيدًا، فكل انتقال ديمقراطي يفتح في الوقت نفسه بابًا للأمل وبابًا للمقاومة من القوى التي ترى أن مصالحها مهددة، ولذلك فإن المرحلة الانتقالية لم تكن مجرد عملية لإدارة الدولة، ولكنها كانت أيضًا ساحة لصراع بين مشروعين: مشروع يسعى إلى تأسيس دولة مدنية ديمقراطية، ومشروع آخر رجعي يسعى إلى الحفاظ على شبكات النفوذ والمصالح التي تشكلت خلال العقود السابقة.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة كثير من مظاهر الاضطراب التي صاحبت المرحلة الانتقالية، فقد ظهرت خلافات حقيقية بين القوى المدنية حول أولويات المرحلة وآليات إدارة السلطة والعلاقة بين المكونات المختلفة، وفي الوقت نفسه يرى كثير من أنصار الثورة أن قوى مرتبطة بالنظام السابق سعت إلى استثمار هذه التناقضات والعمل على إضعاف الحاضنة المدنية عبر أدوات سياسية وإعلامية وتنظيمية مضادة بهدف إرباك المرحلة الانتقالية وإعاقة مسار التحول الديمقراطي.

وكانت لجان المقاومة، التي مثلت أحد أهم ركائز قوة الثورة، جزءًا من هذا المشهد المعقد، فمع اتساعها وتعدد مكوناتها برزت داخلها اتجاهات ورؤى مختلفة، وهو أمر طبيعي في أي حركة جماهيرية واسعة، إلا أن غياب إطار فكري وتنظيمي موحد جعلها أكثر عرضة للخلافات الداخلية، وأكثر قابلية للتأثر بالاستقطابات السياسية المضادة، ومع مرور الوقت تصاعد الجدل حول طبيعة وسائل النضال، وحول العلاقة مع القوى السياسية، وحول حدود العمل السلمي وأشكال التصعيد، فبدأت نزعة عنف داخل بعض مكوناتها.

وهنا تبرز قضية جوهرية في تجربة الثورات السودانية، وهي أن السلمية لم تكن مجرد وسيلة، بل كانت جزءًا من فلسفة الثورة نفسها، فقد استمدت الثورة مشروعيتها الأخلاقية والسياسية من قدرتها على حشد المجتمع حول قيم الحرية والسلام والعدالة، ومن نجاحها في تحويل المقاومة السلمية إلى قوة اجتماعية واسعة، وكل تحول بعيدًا عن هذه الفلسفة كان يعني، بالنسبة لكثير من المشاركين فيها، الابتعاد عن أحد أهم مصادر قوتها ورمزيتها.

كما أن تصاعد الاستقطاب السياسي وتراجع الثقة بين مكونات المرحلة الانتقالية أوجد بيئة أكثر هشاشة، استخدمت فيها الشعارات والخطابات الحادة بصورة متزايدة، وتحول الخلاف السياسي تدريجيًا إلى حالة من الانقسام المجتمعي، ومع تعقد المشهد دخلت البلاد في سلسلة من الأزمات المتلاحقة، كان من أبرز محطاتها انقلاب 25 أكتوبر 2021م، ثم الانهيار الكامل الذي قاد إلى اندلاع الحرب في أبريل 2023م، وهي حرب تتداخل في تفسير أسبابها عوامل سياسية وعسكرية ومؤسسية وإقليمية متعددة، ولا يمكن ردها إلى سبب واحد.

إن الدرس الأهم الذي تقدمه التجربة السودانية هو أن الثورة يمكن أن تنتصر في معركة إسقاط النظام، لكنها قد تتعثر في معركة بناء الدولة إذا لم تنجح في إدارة اختلافاتها الداخلية، وإذا لم تستطع تحويل وحدتها الثورية إلى وحدة استراتيجية حول مشروع وطني جامع، فالانتقال الديمقراطي لا يحتاج فقط إلى إسقاط الاستبداد، ولكنه يحتاج أيضًا إلى ثقافة سياسية جديدة قوامها الحوار والتوافق واحترام التنوع وتقديم المصلحة الوطنية على المصالح التنظيمية.

ومن هنا فإن الطريق إلى استعادة مشروع ثورة ديسمبر لا يمر عبر استعادة الاصطفافات القديمة، وإنما عبر إعادة بناء الكتلة التاريخية للديمقراطية؛ كتلة تضم جميع المؤمنين بالدولة المدنية الديمقراطية وبالتداول السلمي للسلطة وبسيادة القانون وبالمواطنة المتساوية، وهذه الكتلة لا تُبنى على أساس التطابق الفكري الكامل، بل على أساس الاتفاق حول المبادئ الدستورية الكبرى التي تجعل الدولة ملكًا لجميع مواطنيها.

كما أن إنهاء الحرب لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه غاية نهائية، ولكنه يعتبر الخطوة الأولى في مشروع وطني أشمل لإعادة تأسيس الدولة السودانية على عقد اجتماعي جديد يضمن العدالة ويحقق التنمية المتوازنة ويعترف بالتنوع ويؤسس لمؤسسات قوية مستقلة، ويجعل المواطنة، لا الانتماءات الضيقة، أساس الحقوق والواجبات.

إن ثورة ديسمبر لم تكن مجرد احتجاج على واقع قائم، ولكنها كانت إعلانًا عن ميلاد فكرة جديدة للسودان.. فكرة ترى أن الدولة ليست غنيمة في أيدي من يحملون السلاح، وإنما فضاء مشترك لكل المواطنين دون تمييز، وستظل هذه الفكرة حية ما دامت هناك قوى تؤمن بأن الحرية ليست امتيازًا، والسلام ليس هدنة، والديمقراطية ليست مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة عبر تداول سلمي فحسب، ولكنها في الأساس أسلوب حياة ومنهج لبناء وطن يتسع للجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى