(بلا غطاء.. صحفيات سودانيات يواجهن الموت من أجل الحقيقة في ظل انتهاكاتٍ متعاظمة)

أفق جديد
في أتون الحرب المستعرة في السودان وتمددها في أجزاء واسعة منه، اجتمع أعضاء لجنة أمن محلية القطينة بولاية النيل الأبيض وسط السودان في نوفمبر 2023، لدراسة خطة أمنية لمواجهة نشاط الصحفية “رشا حسن” التي تؤدي واجبها المهني الصحفي في تغطية الأوضاع الإنسانية التي خلفتها الحرب وتداعياتها على تردي الخدمات الضرورية لسكان المنطقة مثل الغذاء والدواء وأوضاع المستشفيات. انفض اجتماع اللجنة الأمنية لمحلية القطينة بقرار منع الصحفية رشا حسن من تناول أي موضوع يخص المحلية، هذا القرار تلقته الصحفية رشا عبر اتصال هاتفي من المدير التنفيذي لمحلية القطينة رئيس لجنة الأمن بالمحلية الذي نقل لها ما توصلت إليه لجنة الأمن خلال اجتماعها، ومنعها من زيارة المستشفيات وإجراء المقابلات مع الجرحى من المدنيين والعسكريين.
وبعد نحو شهر من هذه الوقائع داهمت قوات الدعم السريع محلية القطينة لتنزح الصحفية رشا حسن إلى مدينة الدويم ضمن آلاف المواطنين الذين هربوا خوفاً من فظائع قوات الدعم السريع، واصلت رشا عملها الصحفي من مدينة الدويم، ونظراً لانقطاع شبكات الاتصال في ذلك الوقت كانت تتردد يومياً على موقع تجاري مزود بشبكة (Starlink) من أجل إرسال موادها الصحفية للصحيفة التي تعمل بها، إلا أن هذه الزيارات المتكررة كانت محل تشكيك ورصد من قبل قوات العمل الخاص في المنطقة، كما تحكي رشا وتقول إن قوات العمل الخاص قامت باقتيادها إلى مقر استخبارات الجيش بالدويم التي قامت بانتهاك خصوصيتها وتفتيش هاتفها واسترداد كل المحذوفات من صور ومقاطع صوتية لعامين سابقين، وقاموا باحتجازها ليومين دون توجيه أي اتهام أو إبداء أي أسباب، تقول رشا في اليوم الثالث: “قررت الدخول في إضراب عن الطعام ما تسبب لي في مشاكل صحية حادة بالمعدة حتى تم إطلاق سراحي”.
معركة سرية
من بين الدخان المتصاعد من شوارع العاصمة الخرطوم، ومدن السودان المختلفة، مدني، الجنينة، الفاشر، وغيرها من المناطق التي اشتعلت فيها نيران الحرب، كان الصحفيون يواجهون معركة إبقاء الحقيقة حية والنجاة بها من بين هذه الفوضى والعبث. هذه المعركة الشرسة التي تدور من خلف ستار استهدفت الصحفيات السودانيات عبر العنف القائم على النوع الاجتماعي من اعتداءات جسدية وجنسية وابتزاز رقمي، استخدمت هذه الأدوات لإسكاتهن وإقصائهن عن المشهد.
يكشف هذا التحقيق تعرض عشرات الصحفيات السودانيات لعنف جسدي وجنسي ورقمي من قبل طرفي الحرب لإسكاتهن، في ظل غياب آليات الحماية للتغطية في مناطق النزاعات، وهشاشة المؤسسات الصحفية السودانية، مما أدى إلى اعتزال عشرات الصحفيات المهنة.

“انتوا كذابين”
حالة الصحفية “رشا” ليست معزولة عن عشرات حالات العنف الذي تتعرض له الصحفيات السودانيات. وفي واحدة من مناطق سيطرة الجيش السوداني، واجه الصحفيون تقييدات وتعقيدات كبيرة في مزاولة عملهم، حيث كانت تشترط السلطات الأمنية بالولاية التي نزحت إليها أعداد كبيرة من ولاية الخرطوم، الحصول على تصاريح وتصاديق للقيام بأي نشاط إعلامي. وبناءً على ذلك دخلت الصحفية “أ، ع” إلى مكتب المسؤول الأمني للحصول على التصديق، وبعد أن دفعت بالأوراق التي تشرح طبيعة ومكان النشاط الذي تنوي القيام به، تقول “أ، ع” انفجر الضابط غاضباً وعلا صوته ورمى بالأوراق على الأرض، مخاطباً الصحفية: “نحن هنا ما دايرين صحفيين، لم تفتح خرطومكم امشوا اشتغلوا فيها”، متهماً الصحفيين بالكذب.
وتجيب الصحفية المهتمة بالدفاع عن حقوق المرأة، مديحة عبد الله، عن السؤال الكبير: لماذا يتم استهداف الصحفيات السودانيات؟ وتؤكد أن كل ذلك يحدث رغبة في إسكات صوت الصحفيات ومن خلفهن النساء الناشطات، لأن الإعلام الحر يمثل المنبر الذي من خلاله يجد النازحون والنازحات واللاجئون واللاجئات وغيرهم من ضحايا الحرب منفذاً لإسماع صوتهم.
وترى مديحة أن الصحفيات يوفرن فرصاً لإسماع صوت النساء، وهو الأمر الذي يخشاه أطراف الحرب، لأن وجود منابر تتيح للنساء الحديث فإن ذلك يهدد وجودهم وينزع الشرعية من الحرب ويعري الشعارات التي يحاولون الاختباء حولها مثل الكرامة والتهميش وغيرها، وتشير إلى أن أطراف الحرب يلجأون أحياناً لقوانين غير ديمقراطية لوضع قيود على حركة وعمل الصحفيات، إضافة لمحاولة استغلال القيود الاجتماعية على النساء بالذات الصحفيات، نظراً لوجود بعض المجتمعات التي ما زالت تنظر للعمل الصحفي بأنه عمل خاص بالرجال، وبالتالي إذا تعرضت صحفية لأي انتهاك ففي الغالب يتم تحميلها المسؤولية خاصة في مجتمعات منغلقة تنعدم فيها الثقافة الحقوقية والمدنية والوعي بحرية التعبير والصحافة.
القتل دهساً
خلال هذه الحرب لم يقتصر العنف الموجه ضد الصحفيات على الاحتجاز والإساءات، بل وصل إلى مرحلة القتل، مثلما حدث للصحفية “حليمة إدريس سليم” التي قُتلت دهساً في العاشر من أكتوبر 2023 عندما كانت تغطي الاشتباكات التي دارت في مدينة أم درمان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لصالح قناة “سودان بكرة”، حيث لقيت مصرعها دهساً بواسطة عربة قتالية تتبع لقوات الدعم السريع. وقالت نقابة الصحفيين السودانيين في بيان إن استمرار قوات الدعم السريع في انتهاك حقوق الصحفيين والصحفيات وصولاً لقتلهم أمر بالغ الخطورة، وأشار بيان النقابة إلى أن الحرب الدائرة منذ منتصف أبريل 2023 سبق وأن تسببت أيضاً في مقتل الصحفية سماهر عبد الشافع، والتي كانت تعمل بإذاعة زالنجي في ولاية وسط دارفور.

صوت الفاشر المخنوق
شهدت مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور حصاراً من قبل قوات الدعم السريع لنحو 18 شهراً حتى سقطت في 26 أكتوبر 2025، طوال هذه الفترة وقبلها، كانت مجموعة من الصحفيين آثروا البقاء مع المدنيين المحاصرين انحيازاً للمهنة وليكونوا شريان المدينة الذي يغذي العالم بأخبار الإنسان وحقوقه التي قُتلت قبله. كان الوصول إلى إذاعة الفاشر التي تقع إلى جانب مبنى الفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش السوداني، أمراً مستحيلاً حيث كانت تعمل الصحفية اعتماد أحمد، تقول اعتماد إنها وزملاءها، كانوا حريصين على مواصلة عملهم المهني وأن عليهم مسؤولية تجاه المدنيين تحتم عليهم أن لا يتخلوا عن مسؤوليتهم في رصد أوضاع المدنيين المحاصرين وأزمة الجوع وانعدام الغذاء والدواء بمدينة الفاشر المحاصرة، على الرغم من ظروف الحركة داخل المدينة التي قد تكلف الصحفي حياته، وتضيف اعتماد:
“كان مبنى الإذاعة محاصراً بارتكازات عسكرية من كل الجهات، قوات الدعم السريع من جهة، ومن جهة أخرى حركات مسلحة مساندة للجيش السوداني، إضافة للجيش نفسه، كنا نتحرك على نفقاتنا الخاصة، نغطي نشاطات المبادرات الإنسانية التي تقدم خدمات مختلفة للمواطنين بالمراكز الصحية، ومطابخ التكايا، حتى ازدادت الأوضاع سوءاً وانقطعت الاتصالات، وتم تطويق الإذاعة بحزام من الألغام”.
فكانت الصحفية اعتماد أمام تحدي النجاة بنفسها وأسرتها بسلام ومغادرة الفاشر بعد سقوطها في أيدي قوات الدعم السريع، بل مغادرة السودان نفسه بحثاً عن الأمان.

ثلاثية الترهيب
تعددت أشكال الانتهاكات البدنية والعنف الرقمي الذي واجهته الصحفيات السودانيات خلال حرب أبريل، وأظهرت نتائج استبيان خصص لهذا التحقيق وقوع 4 حالات اغتصاب من أصل 40 صحفية شملهن الاستبيان، و21 حالة تحرش، و3 حالات ضرب، وحالة واحدة وصم وتشويه سمعة. كما أظهرت نتائج الاستبيان أن هذه الانتهاكات مرتبطة بفاعلين مختلفين، جاء ترتيبهم كالآتي: مجموعات مسلحة، جمهور رقمي، مصادر ومسؤولون، زملاء مهنة. ووقعت هذه الانتهاكات بنسبة أكبر خلال عمليات التنقل والنزوح.
وهنا تشير سكرتيرة النوع الاجتماعي بنقابة الصحفيين السودانيين، لبنى عبد الله، إلى أن السكرتارية قامت برصد لأوضاع الصحفيات وأشكال العنف الذي واجهنه، أظهر أن الجهات الأكثر ارتكاباً للانتهاكات غالباً أفراد بإيعاز من جهات تضررت من نشر بعض المواد، خاصة التي تكشف الفساد، مؤكدة أن التبليغ لدى النقابة لا يتم بصورة مباشرة، وحتى في حال تم التبليغ ترفض بعض الصحفيات كتابة بيان تضامن أو رصد الحالة بصورة رسمية خوفاً من تعرضهن للمساءلات والمضايقات، خاصة المتواجدات في مناطق الصراع.
(((رسم بياني: أشكال العنف الجنسي والبدني الذي تواجهه الصحفيات خلال الحرب)))
(((رسم بياني: من هي الجهات أو الأطراف الأكثر ارتباطاً بالانتهاكات)))
(((رسم بياني: مكان وقوع الانتهاكات)))

بيئات معادية
كما هو ظاهر في نتائج الاستبيان، كانت إجابات 4 صحفيات من أصل 40 صحفية أكدن أن بيئات العمل نفسها لا تخلو من وجود انتهاكات ضد الصحفيات. إلا أن عضو لجنة الشكاوى بنقابة الصحفيين السودانيين، هيثم عثمان، أكد أن اللجنة لم تتلقَّ حتى الآن أي شكاوى مكتوبة أو رسمية من زميلات صحفيات تتعلق بانتهاكات داخل بيئات العمل منذ بدء الحرب.
ويقول هيثم: “إن الدفاتر القيدية داخل لجنة الشكاوى بنقابة الصحفيين، لا توجد بها شكاوى من الزميلات الصحفيات، لكن ذلك لا يعني خلو بيئات العمل من تلك الانتهاكات”. مشيراً إلى وجود أسباب تمنع الصحفيات من الإبلاغ، هذه الأسباب متعلقة بالخوف من الملاحقة أو فقدان الوظيفة وتأثيرات الوضع الاقتصادي المرتبط بالحرب وخسارة مصدر الدخل، بجانب غياب آليات الحماية وضمان الملاحقة القانونية وسط هذه الفوضى التي سببتها الحرب.
حالات موثقة
خلص تقرير مشترك لنقابة الصحفيين السودانيين ولجنة حماية الصحفيين – منظمة دولية مستقلة تعنى بتعزيز حرية الصحافة والدفاع عن حقوق الصحفيين في جميع أنحاء العالم – صدر في 17 يوليو 2026، إلى أن السودان فشل في تنفيذ الغالبية العظمى من التوصيات المتعلقة بحرية التعبير وحماية الصحفيين التي قبلها خلال استعراضه الدوري الشامل السابق. ويوثق التقرير الانتهاكات واسعة النطاق التي ارتُكبت منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، بما في ذلك قتل الصحفيين، والاعتقالات التعسفية، والاختفاء القسري، والتعذيب، والعنف الجنسي ضد الصحفيات، وحجب المعلومات، والاستخدام الممنهج للإجراءات القانونية لتجريم العمل الصحفي، وما تسببت فيه الحرب من تدمير للبنية الصحفية وانتهاكات لحرية الصحافة.
وكشف التقرير المشترك عن تعرض الصحفيات للعنف الجنسي، بما في ذلك حالات موثقة لدى لجنة حماية الصحفيين، أبلغت فيها صحفيات بمدينة الفاشر عن تعرضهن لاعتداءات جنسية من قبل جنود قوات الدعم السريع انتقاماً من عملهن الصحفي، ووثق التقرير تعرض صحفية للضرب والاغتصاب الجماعي على يد مقاتلي قوات الدعم السريع بعد التعرف عليها كصحفية خلال مداهمة منزلها، بجانب أخريات أبلغن عن تلقيهن تهديدات بالاعتداء الجنسي. كما أفادت الناجيات بعدم إمكانية الوصول إلى الرعاية الطارئة والعلاج الطبي الأساسي بعد الاعتداء الجنسي، فضلاً عن الصدمات النفسية المستمرة، ويرى التقرير أن كل هذه الظروف تزيد من الحد من مشاركة المرأة في الصحافة المستقلة.

غياب الحماية
وعلى الرغم من هذه الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت بحق الصحفيات السودانيات، إلا أن نتائج الاستبيان كشفت عن غياب الحماية للصحفيات السودانيات أثناء تغطيتهن الأحداث خلال الحرب، وعدم امتلاك المؤسسات الصحفية السودانية سياسات مكتوبة للحماية من العنف الجنسي والبدني والتحرش، وغياب بروتوكولات التغطية الآمنة وتقييم المخاطر. كما أظهرت نتائج الاستبيان أن المؤسسات الصحفية لا توفر دعماً قانونياً أو نفسياً أو حماية وظيفية للناجيات، حيث كانت إجابات 87% من اللائي شملهن الاستبيان بعدم توفر الدعم اللازم للقيام بالتغطيات الصحفية في مناطق النزاعات. وهذا ما أكدته الصحفية رشا بأن جميع المؤسسات التي تراسلها لا تضع لها تدابير أمنية ولا تمتلك آليات للحماية من الخطر.
(((رسم بياني: هل تمتلك المؤسسات الصحفية سياسات مكتوبة للحماية من العنف الجنسي والتحرش)))
(((رسم بياني: هل توفر المؤسسات دعماً قانونياً أو نفسياً أو حماية وظيفية للناجيات)))
(((رسم بياني: هل توجد بروتوكولات للتغطية الآمنة وتقييم المخاطر)))
تأثير العنف على حرية التعبير
سكرتيرة النوع الاجتماعي بنقابة الصحفيين السودانيين، لبنى عبد الله، كشفت عن تأثير العنف المبني على النوع الاجتماعي على حرية التعبير بنسبة كبيرة على الصحفيات السودانيات، حتى على مستوى التعبير عن آرائهن عبر صفحاتهن الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي، وأوضحت لبنى أن أشكال العنف البدني تمثلت في التنكيل والتعامل بقسوة مع الصحفيات في مناطق الاشتباكات، بجانب أنماط متكررة من العنف الرقمي، تتمثل في التهديد ووصم بعض الصحفيات بصفات غير مقبولة والشتم والإساءة بألفاظ نابية، وأشارت إلى أن الضرر امتد إلى أسر بعض الصحفيات بسبب عمل بناتهن الصحفي.
وبخصوص طبيعة المخاطر وارتباطها بالموقع الجغرافي لتواجد الصحفيات، تشير لبنى إلى وجود اختلاف لطبيعة الانتهاك وفقاً لمناطق تشتت الصحفيات داخل البلاد وخارجها بسبب الحرب، وعلى سبيل المثال تقول لبنى إن الصحفيات المتواجدات بالداخل يتخوفن من التعبير عن مواقفهن الرافضة للحرب حتى لا يتم تصنيفهن بالانحياز لأحد طرفي الحرب، ولم يقتصر الأمر عند ذلك الحد، بل طالت المساءلة والاستدعاءات كثيراً من الصحفيات اللائي مارسن الصحافة بمهنية، الأمر الذي ترتب عليه اعتزال بعضهن ممارسة المهنة، مما خلق فراغاً كبيراً ملأته أصوات خطاب الكراهية. وفيما يتعلق بالمعالجات وأشكال الدعم الذي تقدمه النقابة، تشير لبنى إلى أن النقابة وفرت برامج للدعم النفسي عبر مختصين استفادت منه عدد من الصحفيات.

(((رسم بياني: ما الذي تقدمه نقابة الصحفيين السودانيين لحماية الصحفيات)))
صمت وانسحاب واعتزال
ووفقاً لنتائج الاستبيان، اختارت 22 صحفية الصمت والانسحاب خوفاً من الوصم الاجتماعي، و10 منهن خوفاً من الانتقام، و6 خوفاً من فقدان الوظيفة. وفيما يخص تأثير العنف على استمرار الصحفيات في المهنة، اختارت 21 صحفية من أصل 40 اعتزال المهنة، ومع ذلك قررت 18 منهن الاستمرار في المهنة رغم التحديات والصعاب التي تعترض طريقهن المهني.
(((رسم بياني: مدى تأثير العنف على استمرار الصحفيات في المهنة)))
(لماذا تختار الصحفيات الصمت أو الانسحاب بدلاً من التبليغ)

أغلبية مستهدفة
هذه الأرقام التي تعكس مؤشراً خطيراً حول اعتزال عشرات الصحفيات لمهنة الصحافة بسبب الاستهداف القائم على النوع الاجتماعي، عرضناها على نقيب الصحفيين السودانيين عبد المنعم أبو إدريس، الذي أكد أن مهنة الصحافة في السودان تمر بعدة تحديات، من بينها التخلي عنها لمهن أخرى، مما سيفقدها كوادر لديها خبرة وتجربة ومعرفة. وقال أبو إدريس: “إذا طبقنا ذلك على النساء، سنجد أن الخسارة كبيرة على مهنة الصحافة لمجموعة أسباب، أولها أن الصحفيات أغلبية في المهنة، حيث تبلغ نسبتهن 60% من مجموع الصحفيين، والأمر الثاني لديهن إنجازات واضحة”. مشيراً إلى أن الأمر لديه تأثير على مستقبل وحاضر الصحافة.
وعن الحماية وآلياتها للصحفيات السودانيات، يوضح أبو إدريس أن الحماية لديها أوجه متعددة، أولها الإطار القانوني، وثانياً الجسم النقابي المنوط به الدفاع عن عضويته من الجنسين، والثالث هو التضامن بين المشتغلين بالمهنة.
هل يستطيع الجناة حجب المعلومات؟
عادةً تنتج الحروب بيئة غير صديقة للعمل الصحفي والإعلامي، لأنه يزدهر في ظل نظام مدني ديمقراطي، وفي ظل الحروب يتم انتهاك كل الحقوق المدنية والسياسية والثقافية، كما ترى الصحفية مديحة عبد الله، مشيرة إلى تعرض الصحفيات السودانيات لكافة أنواع الانتهاكات، وعلى رأسها مصادرة حق الحياة، من قبل أطراف الحرب ومن يقفون معهم.
وتضيف: “أن الأخطر هو تعرض الصحفيات للترهيب والتعذيب باستخدام القهر والترهيب بالاستغلال الجنسي، لأن الجناة يعرفون مدى حساسية هذا الأمر في المجتمعات السودانية، لذلك فإن اللجوء للترهيب للصحفيات يقود في أحيان كثيرة إلى الصمت أو ترك المهنة”.

وتؤكد مديحة أن الهدف من ذلك هو حجب المعلومات وإغلاق سبل كشف وتوثيق الانتهاكات، في ظل عدم وجود آليات حماية للصحفيات، وتقول مديحة: “رغم ذلك، فإن الصحفيات السودانيات وإلى حد كبير استطعن كسر حواجز الصمت والترهيب، ونالت العديد منهن جوائز لتغطيات مميزة، والأغلبية تقوم بالعمل الصحفي في ظروف صعبة لكن بدرجة عالية من القدرة على الصمود والتمسك بالمهنة، وبموضوعية”.
على خلفية هذه الظروف والبيئات المعادية لعمل الصحفيات خلال الحرب في السودان، وعلى الرغم من الصورة السوداء التي عكستها الأرقام والتقارير وشهادات الناجيات، والإفادات، حول واقع عمل الصحفيات في هذه الظروف، كان إصرار الصحفيات عالياً على نقل روايات صحفية متزنة حتى لا تُقتل الحقيقة ولا تبقى حرب السودان طي النسيان وتضيع وسط انشغال العالم بحروب أخرى، وهذا ما اتضح من خلال رواية الصحفية اعتماد أحمد التي واصلت عملها حتى بعد تطويق إذاعة الفاشر بسلسلة من الألغام، وإضراب الصحفية رشا حسن عن الطعام في اليوم الثالث من الاعتقال نسبة لغيابها عن التغطية ليومين قضتهما في الحبس القسري.





