قراءة نقدية لورقة السياسات.. الحرب الدائرة في السودان وآثارها على الأمن والاستقرار في منطقة القرن الإفريقي وما وراءها

بقلم الكاتب: د. صلاح أحمد الحبو

تمهيد

تمثل ورقة كيدان كيروس إحدى أوراق السياسات التي سعت إلى تقديم قراءة استراتيجية للحرب السودانية من منظور الأمن الإقليمي، منطلقة من فرضية أن استمرار الصراع لم يعد يمثل تهديدًا للدولة السودانية وحدها، وإنما أصبح مصدرًا لزعزعة الاستقرار في القرن الإفريقي وما وراءه.¹ وتكتسب الورقة أهميتها من صدورها في مرحلة بلغت فيها الحرب مستويات غير مسبوقة من التعقيد السياسي والإنساني، الأمر الذي منحها قيمة تفسيرية في رصد التداعيات الإقليمية للنزاع، وإن كانت لا تخلو من جوانب تستدعي النقاش النقدي.

ينطلق الباحث من توصيف الحرب بوصفها نتاجًا لفشل الانتقال الديمقراطي عقب سقوط نظام عمر البشير، ويرى أن «الانقلاب العسكري أعاق العملية الديمقراطية وفاقم من حدة التنافس بين القادة العسكريين»، قبل أن يتحول هذا التنافس إلى حرب مفتوحة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع.² وتمثل هذه المقاربة أحد أهم جوانب قوة الورقة؛ إذ تربط اندلاع الحرب بانهيار الترتيبات الانتقالية أكثر من ربطها بالبعد العسكري المجرد.

غير أن هذا التفسير، على أهميته، يظل تفسيرًا سياسيًا ظرفيًا أكثر منه تفسيرًا بنيويًا. فالورقة لا تتناول بصورة كافية الإشكالية التاريخية للدولة السودانية منذ الاستقلال، ولا تناقش أزمة بناء المؤسسات، أو اختلال العلاقة بين المركز والأقاليم، أو ضعف العقد الاجتماعي، وهي عوامل لا تقل أهمية عن فشل المرحلة الانتقالية نفسها. ومن ثم فإن الحرب تبدو في الورقة نتيجة مباشرة لتعثر الانتقال السياسي، بينما هي في الواقع تعبير عن أزمة دولة تراكمت عبر عقود طويلة.

ومن أبرز جوانب التميز في الدراسة أنها تجاوزت حدود التحليل الداخلي إلى تحليل البيئة الأمنية الإقليمية، مؤكدة أن الحرب «لا تهدد استقرار السودان فحسب، بل تشكل أيضًا مخاطر كبيرة على الأمن الإقليمي والوضع الإنساني».³ وقد دعمت هذا الاستنتاج ببيانات تتعلق بالنزوح الجماعي، وتهريب السلاح، وتصاعد مخاطر الجريمة المنظمة، واحتمالات تمدد الجماعات المسلحة عبر الحدود. ويعكس هذا الطرح فهمًا متقدمًا للعلاقة بين الأمن الوطني والأمن الإقليمي في بيئة القرن الإفريقي.

إلا أن معالجة الورقة للتدخلات الخارجية بقيت أقرب إلى الوصف منها إلى التحليل. فهي تستعرض أدوار القوى الإقليمية والدولية، وتشير إلى أن السودان أصبح «ساحة لصراعات بالوكالة»⁴، لكنها لا تقدم إطارًا نظريًا يفسر دوافع هذه القوى أو طبيعة تفاعلها مع أطراف النزاع، كما لا تناقش بصورة معمقة أثر التنافس على البحر الأحمر أو الموارد الاستراتيجية في تشكيل مواقف تلك الدول. ولذلك كان من الممكن توظيف أدبيات الجيوبوليتيك وحروب الوكالة لتقديم تفسير أكثر عمقًا لهذه الظاهرة.

كما تُحسب للورقة عنايتها بالبعد الإنساني للحرب، إذ تشير إلى أن النزاع أدى إلى «واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية العالمية» من حيث النزوح الداخلي والخارجي، مع ما ترتب على ذلك من ضغوط هائلة على دول الجوار.⁵ غير أن الورقة لم تتوسع في تحليل الاقتصاد السياسي للحرب، واكتفت بالإشارة إلى حجم الخسائر الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر، دون أن تبحث في اقتصاد النزاع نفسه، مثل شبكات التمويل، والذهب، والاقتصاد غير الرسمي، والأسواق الموازية، وهي عناصر باتت تمثل محورًا أساسيًا في تفسير استمرار النزاعات المعاصرة.

وفي تناولها لجهود السلام، قدمت الورقة عرضًا متماسكًا لمبادرات «إيغاد»، ومسار جدة، وخارطة طريق الاتحاد الإفريقي، وانتهت إلى أن تعدد المبادرات وتشتتها كان من أهم أسباب تعثرها. وترى أن «الحاجة الملحة إلى عملية سلام شاملة بقيادة الاتحاد الإفريقي» تمثل المدخل الأكثر واقعية لإنهاء النزاع.⁶ ويعد هذا الاستنتاج من أكثر أجزاء الورقة اتساقًا مع واقع تعدد مسارات الوساطة في السودان، غير أنه ظل استنتاجًا عامًا لم يصاحبه تحليل مؤسسي لكيفية بناء عملية تفاوض أكثر فعالية، أو معالجة مشكلة تضارب المبادرات الدولية والإقليمية.

ومن الناحية المنهجية، يغلب على الورقة الطابع الوصفي؛ إذ تعتمد بصورة رئيسة على تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمراكز البحثية، بينما لا تستند إلى نموذج نظري محدد يفسر العلاقات السببية بين المتغيرات. ولذلك جاءت أقرب إلى ورقة سياسات تستهدف توصيف الأزمة وتقديم توصيات عملية، منها إلى دراسة أكاديمية تفسيرية تقوم على اختبار فرضيات أو بناء نموذج تحليلي متكامل.

ورغم هذه الملاحظات، تظل الورقة إضافة مهمة إلى الأدبيات الحديثة المتعلقة بالحرب السودانية، لما تتضمنه من ربط بين الأمن الإنساني والأمن الإقليمي، وإبرازها لتأثير الحرب في استقرار القرن الإفريقي. إلا أن تطويرها كان يقتضي توسيع دائرة التحليل لتشمل جذور الأزمة البنيوية للدولة السودانية، وربطها بأدبيات بناء الدولة، والقدرة المؤسسية، واقتصاد الحرب، والشرعية السياسية، حتى يصبح تفسير الحرب أكثر شمولًا وعمقًا.

وعليه، يمكن النظر إلى هذه الورقة باعتبارها مرجعًا مهمًا لفهم التداعيات الإقليمية للحرب، لكنها لا تقدم تفسيرًا كافيًا للأسباب التاريخية والمؤسسية التي جعلت السودان عرضة لتكرار دورات العنف. ومن هنا فإن قيمتها الأساسية تكمن في توصيف النتائج الإقليمية للنزاع أكثر من تفسير جذوره البنيوية.

الهوامش

  1. كيدان كيروس، الحرب الدائرة في السودان وآثارها على الأمن والاستقرار في منطقة القرن الإفريقي وما وراءها، ورقة سياسات (Policy Brief PB-52/24)، مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد (Policy Center for the New South)، الرباط، أكتوبر 2024.
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه.
  4. المرجع نفسه.
  5. المرجع نفسه.
  6. المرجع نفسه.

تعريف بالكاتب: كيدان كيروس (Kidane Kiros) باحث متخصص في قضايا السلم والأمن في القرن الإفريقي، ويركز في أعماله على النزاعات المسلحة، والأمن الإقليمي، والسياسات الإفريقية، وقد صدرت هذه الورقة ضمن سلسلة أوراق السياسات التي ينشرها مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد (Policy Center for the New South) في الرباط. ويقدم فيها مقاربة تركز على التداعيات الإقليمية للحرب السودانية وآفاق الوساطة الإفريقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى