رحلة العسكري الأخيرة

السر السيد
رواية (رحلة العسكري الأخيرة)؛ من تأليف الكاتب والمترجم والدبلوماسي الأستاذ جمال محمد إبراهيم. صدرت الرواية في العام 2013، ضمن سلسلة 100 كتاب في الثقافة السودانية، ولاية الخرطوم، و«كتاب الخرطوم الجديدة» الذي يصدر عن هيئة الخرطوم للصحافة والنشر، وتقع في 143 صفحة من القطع المتوسط.
مدخل:
قبل الدخول في عوالم الرواية، سأتوقف عند الإهداء، وعند مقطع شعري للمتنبي أورده المؤلف.
جاء في الإهداء:
إلى روح والدي محمد الشقليني؛ رحل، والرواية من وحي لسانه.. وإلى مدينة «أبو سعد» وأهلها.
ليست تاريخاً، ولكنها رواية.
يقربنا هذا الإهداء من مصدر الرواية، مما يشير إلى اشتغال بحثي قام به الكاتب، سواء على مصادر مكتوبة أو شفاهية. ولعل هذا ما تنضح به الرواية، مما يفتح الباب أمام إمكان تصنيفها ضمن دائرة الرواية التسجيلية. كما أن الاسم الشقليني، وهو تحوير لاسم إحدى شخصيات الرواية المركزية، وهو أحمد الشقيلي أو ود الشقيلي، لم يأتِ اعتباطاً، وإنما جاء ليلعب دوراً في تقنية السرد، ونعني هنا المراوحة بين الواقعي والمتخيل، وبين التاريخ والخيال. ففي حقيقة الأمر، فإن الذي حكى الرواية وأحد أبطالها ما هما إلا شخصية واحدة: ود الشقيلي.
وكما أشرت، فقد استدعى المؤلف هذا المقطع الشعري للمتنبي:
وهل يشينك وقتٌ كنت فارسه
وكان غيرك فيه العاجز الضرع
من كان فوق محل الشمس موضعه
فليس يرفعه شيءٌ ولا يضع
فكما أحالنا الإهداء إلى بعض عوالم الرواية، فإن هذا المقطع الشعري جاء داعماً للمقولة الكلية للرواية، حسبما أرى، وهي ذم الجحود والنكران؛ الجحود والنكران بوصفهما سلوكاً وسم حياتنا السياسية والفكرية، ولم تنجُ منهما حتى مؤسساتنا الأكاديمية، والمؤسسات المعنية بالتوثيق.
عن الرواية:
يناير 1990
(“سامي”، هذا هو اسمي. سامي جوهر. النقيب سامي جوهر.
هذه يومياتي؛ ضمّنتها ملاحظات لم أظن، حين بدأت تدوينها في دفاتري، أنها قد تتضمن شيئاً لافتاً؛ شيئاً قد يهم آخرين غيري. شيئاً قد يمتد ليشكل جزءاً من تاريخ بلدي؛ هذا الذي يحارب نفسه، ويتقاتل بنوه لعقود، لوّنت كل السنوات التي تلت نيله الاستقلال عام 1956.
إنه تاريخي الشخصي، ولكنه أيضاً تاريخ جدي “عبدالفضيل جوهر”).
الرواية، ص10
الرواية، في مستواها الظاهر، تتناول رحلة العسكري سامي جوهر الأخيرة، وهي هنا ترصد رحلة هذا العسكري أباً عن جد. وهي، إذ تفعل ذلك، يتبدى في مستواها الباطن السياق، أو السياقات العامة، لهذه الرحلة، وهي الحرب، أو فلنقل الاقتتال، منذ الأورطة السودانية، الجد الأكبر، إلى حملة الغزو التركي، الجد الثاني، إلى حركة 1924، الجد الأول المباشر، إلى حرب الجنوب، الحفيد.
هذه الرحلة، ببعديها الظاهر والباطن، وهي تتحرك على هذا الحبل الرفيع كلاعب السيرك، تلامس موضوعاً غاية في الحساسية، هو الاسترقاق، وعلاقة ذلك بالاستعمار بمختلف حقبه وأجندته. فالرواية، في حقيقتها، تلامس وضعية من يطلق عليهم البعض مصطلح المنبتين، وتعمل على كشف المآسي العامة التي تعرضوا لها عبر رصد أدوارهم السياسية والعسكرية، والمآسي الخاصة التي يلعب العرق دوراً كبيراً في ترتيبها، كمسائل الحب والزواج والأبوة ونقاء النسب.
فالرواية، بما أنها رحلة، فهي بالضرورة تتحرك من وإلى، لكن ليس بالضرورة في خط مستقيم، وإنما في خطوط متعرجة تزاوج بين الخاص والعام.
في تقنية الحكي:
هيكلياً، تنبني الرواية على عناوين تبدأ بالرقم (1) وتنتهي بالرقم (16)، ومنها، على سبيل المثال: يوميات سامي جوهر، تاريخ جوهر الأكبر القديم، عبدالفرّاج بك في يوميات سامي جوهر، يوم تعرفنا على عبدالجبار، “التيرا” جبل الحلم القديم، رسالة أخرى من تلودي، مجلس العمدة، عطية الشامي، سقوط العمدة، وغيرها. وعبر هذه العناوين يتم التحول في طرائق الحكي.
فرواية رحلة العسكري الأخيرة تتأسس حكايتها من خلال يوميات سامي جوهر، أي الحفيد. وهذه اليوميات وجدت بحوزة الحفيد الآخر الموازي، وهو صديق الشقيلي. وهنا أشير إلى أن هذه اليوميات، التي تخص الحفيد سامي كما يظهر لنا، فإنها في العمق تخص جذوره وأصله ومصائرهم في سياق كلي يجمع بين الخاص، المصير الشخصي، والعام، المصير العام، الذي يعني التاريخ ووضعية السودان فيه سياسياً واجتماعياً وثقافياً.
إذن، تشتغل هذه اليوميات، وفي سمت مأساوي، على مصير هذه العائلة المنبتة وتاريخها المنقوص في سياق التاريخ العام للوطن السوداني، ويتم كل هذا عبر تقنية الراوي وسلطته. مع الإشارة إلى أن هذه التقنية، وهذه السلطة، وإمعاناً في حضورها الفذ، تحايلت بما يمكن وصفه بالغموض الذي تفرضه تحولاتِها وتبادلها.
فعلى الرغم من أن هذه اليوميات يحكيها الحفيد، فإن هذه الطريقة الخفية في التبادل تجعلنا أمام أكثر من راوٍ؛ منهم الكاتب نفسه، الذي يتدخل كانسراب الشعاع، ثم الرسائل، والاستجواب، والأرشيف. ففي بعض المستويات يعلو صوت الحفيد، وفي بعضها تتسلم الرسائل، ونقصد رسائل عبدالفضيل، الحكي، وفي بعضها يحكي صديق الشقيلي، وفي بعضها، وعبر الاستجواب، يحكي عبدالجبار، الرجل العجوز الملم بتاريخ القرية، وتاريخ الشقيلي، وتاريخ آل جوهر، وذلك عبر الأسئلة التي يطرحها عليه سامي بحثاً عن جذوره.
ثم يأتي الأرشيف، الذي يتمثل هنا في غرفة عبدالفضيل، وما فيها من صور ورسومات وكتابات، وكذلك في الصورة الفوتوغرافية التي أُخذت لبعض ضباط الأورطة السودانية في المكسيك.
لكن ثمة لحظتين مهمتين شكلتا توالد هذا السرد المعقد والبسيط في آن واحد: الأولى سفر الحفيد سامي إلى الجنوب للمشاركة في الحرب الأهلية هناك، والثانية حب سامي لنجوى بت الشقيلي. الحب والحرب لحظتان استراتيجيتان لتوالد الحكي في هذه الرواية.
هذه التقنية، تقنية الراوي المتحول وآلياتها، الاستجواب، والرسائل، والأرشيف، وعبر أسلوب قاصد يزاوج بين التعبير المباشر الذي يفرضه سرد الحقائق، كالوقائع التاريخية والأحداث والوقائع السياسية التي حدثت هنا وهناك في مسيرة هذه الرحلة، وبين التعبير الشاعري، كما في الرسائل، وكما في مشهد اللحظة الحميمة بين سامي ونجوى، انبنت الحكاية الكلية، وهي الكشف عن ذلك التاريخ المنقوص لهذه العائلة، ولمن يطلق عليهم المنبتين بشكل عام، وأدوارهم، وكل هذا من خلال البحث في حكاية عبدالفضيل جوهر، أو عبدالفضيل الماظ، هذه الشخصية التي لعبت دوراً مهماً في مواجهة الاستعمار الإنجليزي من خلال جمعية اللواء الأبيض وثورة 1924، ومع ذلك جاء حضورها باهتاً في الكتابات التي اهتمت بالتاريخ السوداني، بل وفي كثير من الكتابات السياسية.
جاءت الرواية متماسكة البناء، وعبرت بشكل سلس ومشوق وهي تسرد هذه السيرة الممتدة. ولعل من علامات هذا التماسك: التقديم، والتأخير، والقفز، ثم العودة لسد الفراغات التي قد يراها أو يحس بها القارئ، وهو ما ينسجم مع تقنية اليوميات، وتقنية المشافهة، النهر الذي أبحرت فيه الرواية.
(تتداخل التواريخ في ذاكرتي، ولا أعرف متى بدأت شكوكي تقلقني حول جذور جدي “عبدالفضيل”. هل بدأت حين اقتربت من “نجوى”، “نجوى بت الشقيلي”، وتوددت إليها وتوددت هي إلي؟ هل بدأت حين عرفت أن لجدي جوهر بك وثائق لم يكشف عنها؟ ماذا كتب جدي “عبدالفضيل” عن جده الكولونيل “محمد بك جوهر”، فبهرني تاريخه الغريب ومغامراته في البلاد الأمريكية، وحفزني لاستجلاء غوامضه).





