الأمطار في النيل الأبيض.. انهيار المنازل يفتح الباب أمام شبح الأوبئة

أفق جديد

لم تكد الأمطار الغزيرة تتوقف في مدينتي ربك وكوستي بولاية النيل الأبيض، حتى بدأت الأسر تحصي خسائرها بين منازل انهارت بالكامل، وأخرى غمرتها المياه، فيما باتت مئات العائلات تقضي ساعاتها وسط الطين والبرك الراكدة، في مشهد ينذر بأزمة إنسانية وصحية تتجاوز خسائر المباني إلى تهديد حياة السكان أنفسهم.

ففي بيئة تعاني أصلًا ضعف خدمات الصرف الصحي وتراجع القطاع الصحي بسبب الحرب، تتحول المياه الراكدة إلى بؤر لتكاثر البعوض والذباب، ما يثير مخاوف متزايدة من انتشار الملاريا وحمى الضنك والإسهالات المائية والكوليرا، خاصة بين الأطفال وكبار السن.

وتقول لجان أحياء ربك إن الأمطار تسببت في انهيار 346 منزلًا حتى الآن، بينما لا تزال عمليات حصر الأضرار مستمرة مع استمرار هطول الأمطار، في وقت غمرت فيه المياه أحياء واسعة بمدينة كوستي، ما دفع السكان إلى الاعتماد على جهودهم الذاتية لتصريف المياه وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ممتلكاتهم.

ولم يعد هم كثير من الأسر يقتصر على فقدان المأوى، بل امتد إلى الخوف من الأيام المقبلة، مع تعذر تجفيف المنازل وانتشار الحشرات وغياب حملات الإصحاح البيئي، وهي ظروف تهيئ لانتشار الأمراض المنقولة بالمياه والنواقل، في وقت تواجه فيه المرافق الصحية نقصًا في الكوادر والأدوية والإمدادات الأساسية.

يقول رب أسرة فقد منزله لـ”أفق جديد”: “استيقظنا قبل الفجر على صوت انهيار جزء من المنزل. حملنا الأطفال وخرجنا تحت المطر، ولم نتمكن من إنقاذ سوى بعض الملابس. الآن نقيم عند أحد الأقارب، لكننا لا نعرف إلى أين سنذهب إذا استمرت الأمطار. أكثر ما يقلقني ليس فقدان المنزل، بل حماية أطفالي من الأمراض”.

أما سيدة غمرت المياه منزلها، فتقول لـ”أفق جديد”: “المياه دخلت كل الغرف، وأصبحنا نقضي اليوم كله في إخراجها بالجردل. لا نستطيع الطبخ أو النوم بشكل طبيعي، وكلما توقفت الأمطار لساعات عادت من جديد. بدأ البعوض ينتشر بكثافة، والأطفال لا يستطيعون النوم من كثرة اللسعات”.

ومن جهته، يقول شهاب عبد الله، وهو شاب يشارك في جهود إنقاذ الجيران، لـ”أفق جديد”: “لا توجد إمكانات كافية، لذلك اعتمد الناس على أنفسهم. شكلنا مجموعات لفتح مجارٍ للمياه ومساعدة كبار السن في إخراج أثاثهم. لكن حجم الأضرار أكبر من قدرتنا، وكل منزل ينهار يزيد شعور الناس بالعجز”.

وتابع: “أمضينا الليل نحرس الجدران، لا خوفًا من اللصوص، بل من أن تنهار فوق رؤوسنا”.

وعائشة عبد الرحمن، وهي أم لطفلين، فقالت بحسرة: “أطفالي يسألون كل ليلة: هل سينهار البيت مرة أخرى؟ حتى عندما يتوقف المطر لا يشعرون بالأمان. أكثر ما أخشاه أن يمرض أحدهم، لأن أقرب مركز صحي مزدحم ولا نملك ثمن العلاج”.

وأضافت: “البيت يمكن أن يُبنى من جديد، لكن إذا مرض الأطفال فلا نعرف كيف نعالجهم”.

وبدوره، يؤكد خالد الحاج، وهو صاحب متجر، لـ”أفق جديد”، أن “المياه دخلت المحل وأتلفت جزءًا كبيرًا من البضائع. الحركة التجارية توقفت لأن الشوارع غارقة، وحتى من يريد الشراء لا يستطيع الوصول. الخسارة لا تقتصر على المنازل، بل تمتد إلى مصادر رزق الناس”.

 

ومن جانبه، يقول الكادر الطبي معاوية فضل المولى: “بعد كل موجة أمطار يزداد القلق من تكاثر البعوض وتلوث مصادر المياه. وإذا لم تُصرف المياه الراكدة وتُنفذ حملات للإصحاح البيئي سريعًا، فقد نشهد زيادة في حالات الملاريا وحمى الضنك والإسهالات المائية، خاصة في الأحياء الأكثر تضررًا”.

والسر عبد الباقي، وهو متطوع في العمل الإنساني، فرأى في حديثه لـ”أفق جديد”، أن “الاحتياجات تتغير بسرعة. في البداية كان الناس يطلبون مشمعات وأغطية، لكن الآن أصبحوا يسألون عن مياه الشرب، والمبيدات، وأدوية الأطفال. الأزمة لم تعد مجرد أمطار، بل أصبحت أزمة معيشية وصحية”.

ويحذر مختصون في الصحة العامة من أن الأيام التالية للأمطار الغزيرة تمثل المرحلة الأكثر خطورة إذا لم تُنفذ سريعًا حملات لتصريف المياه الراكدة، ورش المبيدات، وتعقيم مصادر المياه، إلى جانب توفير مراكز إيواء ومياه شرب آمنة للأسر المتضررة.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في السودان، الذي شهد خلال العامين الماضيين موجات متكررة من الكوليرا والملاريا وحمى الضنك في عدد من الولايات، وسط تراجع خدمات المياه والإصحاح البيئي نتيجة الحرب، ما يزيد من احتمالات تفشي الأمراض عقب كل موسم أمطار.

وبينما يواصل المواطنون إزالة المياه من منازلهم بوسائل بدائية، تبقى الأسئلة معلقة حول سرعة الاستجابة الرسمية، وقدرة السلطات والمنظمات الإنسانية على احتواء الأزمة قبل أن تتحول من كارثة أمطار إلى أزمة صحية واسعة.

في ربك وكوستي، لا تنتهي معاناة السكان بانقشاع السحب؛ فبعد انهيار المنازل تبدأ معركة أخرى أقل وضوحًا وأكثر خطورة، عنوانها الأمراض ونقص الخدمات. وبين ركام البيوت وبرك المياه الراكدة، يقف آلاف السكان في مواجهة مستقبل مجهول، بانتظار تدخل عاجل يحول دون تحول الأمطار إلى بداية فصل جديد من المعاناة الإنسانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى