دار الريح… وما يزال سؤال الحياة معلقًا

الزين عثمان

في الأسبوع الفائت، استعاد الجيش السوداني سيطرته على مناطق بارا، وجبرة الشيخ، وأم سيالة، وأم قرفة، وكامل الشريط الممتد على خط الربط بين أم درمان والأبيض، أو ما يعرف بطريق الصادرات.

وبجانب ما مثلته تلك السيطرة من انفتاح ميداني للقوات المسلحة، وتخفيف لحدة الحصار الذي ظل مفروضًا على مدينة الأبيض الاستراتيجية، فقد صدّرت في الوقت نفسه موجة من الفرح وسط أنصار الجيش في معركتهم المستمرة مع قوات الدعم السريع، باعتبارها واحدة من أهم العمليات العسكرية التي أعادت فتح شريان يربط وسط السودان بغربه.

وخلال عمليات تمشيط مدينة جبرة الشيخ، أعلن الجيش عثوره على كميات من العتاد العسكري وصفها بأنها “تكفي لتحرير كامل أفريقيا”. وفي المقابل، استضافت وسائل إعلام أفراد أسرة واحدة ظلت داخل المدينة طوال فترة سيطرة قوات الدعم السريع، تعيش في قلب الجحيم، بينما كانت المنطقة التي كانت تؤوي مئات الآلاف من السكان قد فرغت تقريبًا من أهلها، حتى بات من الممكن عدّ من بقوا فيها مجبرين على البقاء.

لكن ما جرى في تلك المناطق لم يكن مجرد معركة انتهت باستعادة الأرض، بل كشف عن وجه آخر للحرب، أكثر قسوة من أصوات الرصاص.

قبل اندلاع حرب أبريل، لم يكن أحد في دار الريح يتخيل أن يأتي يوم يُقتلع فيه الناس من قراهم كما تُقتلع الأشجار من جذورها. كانوا يستقبلون الصباح بين الحواشات، وتحت ظلال القُرَب، يعيشون ببساطة الماء والتراب، ويعرفون الفزع حين يُنادى لحماية قطيع أو مطاردة سارق، لا للهرب من قذائف المدافع.

غير أن الحرب لم تطرق الأبواب، بل اقتحمتها. ومن لم يسقط برصاصة، فرّ من العطش، أو من الأسواق التي صمتت بعد أن نهبها غرباء مدججون بالسلاح.

تحكي إحدى السيدات، في حديثها لـ”أفق جديد”، أن رحلة مغادرة الديار كانت أشد قسوة من البقاء فيها، لكنها تؤكد أن الذين حوّلوا حياتهم إلى جحيم لم يتركوا لهم ترف الاختيار.

تقول: “غادرنا بملابسنا التي نرتديها فقط، في رحلة نحو المجهول. المسافة التي كنا نقطعها في ساعات احتاجت إلى أيام، واستنزفت ما تبقى من مدخراتنا، حتى وصلنا إلى أم درمان، حيث منحنا أحدهم منزله بعد أن غادر إلى مكان آخر. منذ أكثر من عامين ونحن نقيم فيه، نصارع الحياة، ننام ونستيقظ على أمل العودة إلى ديار غادرها الدعم السريع الآن، لكن سؤالنا اليوم ليس من عاد إليها، وإنما: هل ستعود إليها الحياة؟”

وفي رحلتها من العدم إلى العدم، تطرح المرأة الكردفانية سؤالًا موجعًا: “ما الذي تبقى من الحياة؟” قبل أن تجيب بنفسها: “أعلم أن لا شيء من متاع البيت بقي في مكانه، نُهب مثل كل الأشياء هناك، لكننا لا نريد شيئًا أكثر من الأمان.”

 

هذا السؤال يلخص حجم الكارثة التي انكشفت مع دخول القوات إلى تلك المناطق.

فما حدث لم يكن مجرد استعادة لمدن وقرى، بل كان بداية لاكتشاف حجم الدمار الذي أصاب البنية التحتية والخدمات الأساسية. مدن فقدت معظم مقومات الحياة، بعدما تحولت مرافقها العامة إلى مبانٍ مدمرة أو مهجورة، وتوقفت عجلة الخدمات التي كانت تربط عشرات الآلاف من السكان بحياتهم اليومية.

ولم يقتصر الخراب على المنشآت الحكومية، بل امتد إلى شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات، والأسواق والطرق الداخلية، فيما تعرضت المؤسسات الصحية والتعليمية لأضرار جسيمة أخرجت معظمها عن الخدمة.

وفي جبرة الشيخ، تشير شهادات ميدانية إلى أن المستشفى الرئيسي لم يعد يؤدي دوره الصحي، بعد أن فقد تجهيزاته وتحول خلال فترة الحرب إلى موقع ذي استخدام عسكري، الأمر الذي حرم السكان من أهم مرفق علاجي في المنطقة.

أما مدينة بارا، التي كانت تمثل مركزًا تجاريًا مهمًا على طريق الصادرات، فقد بدت شوارعها وأسواقها خالية من مظاهر النشاط التي عُرفت بها. ولم يعد أحد هناك يتحدث عن تعاقب السيطرة بين أطراف الحرب، بقدر ما يتحدث عن مدينة أفرغتها الحرب من سكانها، وعطلت حركة النقل والتجارة فيها بعد أن دُمرت بنيتها الخدمية وانقطعت الإمدادات عنها لفترات طويلة.

ولم تكن أم سيالة وأم قرفة أفضل حالًا، إذ أظهرت المشاهد الميدانية قرى ومراكز خدمية تفتقر إلى الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، في وقت يحتاج فيه السكان إلى تدخلات عاجلة لإعادة تشغيل المرافق العامة وإعادة الحد الأدنى من مظاهر الحياة.

ولهذا، فإن إعادة السيطرة العسكرية على هذه المناطق، على أهميتها، لن تكون كافية لإعادة الحياة إليها، ما لم تتبعها خطة متكاملة لإعادة الإعمار. فعودة المواطنين واستئناف النشاط الاقتصادي يرتبطان بإصلاح شبكات المياه والكهرباء، وتأهيل المستشفيات والمدارس، وإزالة آثار الدمار عن الطرق والأسواق، وهي مشروعات تتطلب موارد كبيرة، وجهدًا حكوميًا وإنسانيًا واسعًا، وقبل ذلك إرادة حقيقية للإنجاز، بعيدة عن تمدد الفساد وإهدار الفرص.

اليوم، تبدو الصورة أكثر قسوة؛ قرى خاوية، وحواشات تنتظر من يهيئها للموسم المطير، ومتاجر مفتوحة على العدم، وأسواق منهوبة، وجنود يحملون بنادقهم في أرض استعادتهم لها لا تعني أن الحياة استعادت نفسها، وسائق “دفار” يشق الطريق نحو العودة، حاملًا أسرًا وحقائب محشوة بالخوف، لكنها مثقلة أيضًا بالأمل في أن يستعيد الناس حياتهم، ولو في حدها الأدنى.

وفي وسائل الإعلام الرسمية، وربما عبر شاشة أحد الهواتف، تتردد الرسالة ذاتها: “البلاد آمنة… عودوا إلى زراعتكم وبهائمكم.”

لكن امرأة تحتضن طفلها في قلب معاناة النزوح والتهجير ترد بهدوء يختصر المأساة كلها: “لا… لن نعود الآن. المكان لا يتسع لنا وللحرب معًا. لا يتسع لنا وآثارها ما تزال في الطريق. لا يتسع لأهله في غياب المياه ووسائل الحصول عليها. اليوم لا شيء يغري بالعودة، كما أن لا شيء يغرينا بالبقاء بعيدًا عن ديار عرفنا دروبها، وكانت تعرف وقع أقدامنا عليها. يكفينا ما دفعناه حتى الآن.”

عادت القوات المسلحة ومن يقاتلون إلى جانبها إلى بارا وما جاورها، واستعادوا طريق الصادرات، وهي الخطوة التي يصفها كثيرون بأنها عودة إلى أحضان الوطن.

لكن، في أحضان النزوح القاسية، في الأبيض، وأم روابة، وكوستي، والدويم، وربك، وكسلا البعيدة، وبورتسودان، وأم درمان، حيث تتكدس جحافل النازحين المثقلين بسؤال واحد: لماذا أُجبروا على مغادرة ديارهم؟ وبأي ذنب ينامون بعيدًا عن بيوتهم؟… يبقى السؤال الأكبر، والأكثر إلحاحًا، معلقًا فوق سماء تلك القرى والمدن:

هل تكفي استعادة الأرض لتعود الحياة إلى أهلها؟ أم أن الطريق إلى الوطن يبدأ أولًا بإعادة الحياة إليه؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى