عندما تجتمع الحرب مع الجفاف.. المجاعة هي الناتج المتوقع

حيدر المكاشفي
تحت عنوان (تأخر الأمطار والجفاف يهددان الموسم الزراعي والأمن الغذائي في السودان)، نشر موقع (سودان تربيون) تقريرًا ضافيًا ومخدومًا باحترافية عالية، يحذر من أزمة ماحقة قادمة ستضع البلاد على حافة المجاعة، واعتمد التقرير على رصد وضع الموسم الزراعي المطري في السودان، وحذّر من أن استمرار تأخر الأمطار وتراجع معدلاتها في الولايات الزراعية الرئيسة، بالتزامن مع الحرب، قد يقود البلاد إلى أزمة غذائية واسعة، وربما مجاعة في أجزاء كبيرة من دارفور وكردفان. وأوضح التقرير أن المزارعين في القضارف والبطانة لم يتمكن كثير منهم من بدء الزراعة، بينما تعرضت بذور زُرعت مبكرًا للتلف، في وقت تراجعت فيه المساحات المزروعة وارتفعت أسعار المدخلات الزراعية والمواد الغذائية بصورة حادة. كما أشار التقرير إلى أن الحرب والنزوح عطّلا الإنتاج الزراعي وأعاقا وصول المساعدات الإنسانية، وسط تحذيرات خبراء من تهديد مباشر للأمن الغذائي إذا استمر الوضع الراهن.
وما أصدق وأخطر ما ذهب إليه هذا التقرير، وحذر وأنذر منه، حيث لم تعد الحرب وحدها مصدر الخطر، إذ انضم إليها خصم آخر لا يقل قسوة، هو الجفاف وتأخر الأمطار، ليضع ملايين السودانيين أمام احتمال مواجهة أزمة غذائية قد تتطور إلى مجاعة واسعة النطاق إذا ضاع الموسم الزراعي الحالي. فالتقرير لا يتحدث عن مجرد تأخر هطول الأمطار، بل يرسم صورة مقلقة لشلل أصاب النشاط الزراعي في أهم الولايات المنتجة للغذاء. ففي القضارف التي طالما عُرفت بأنها مطمورة البلاد وسلة غذاء السودان، ما تزال مساحات واسعة فيها تنتظر هطول المطر، بينما اضطر كثير من المزارعين إلى تأجيل الزراعة أو إعادة شراء البذور بعد تلف ما زرعوه بسبب الانقطاع المفاجئ للأمطار. ومع كل يوم يمر، تضيق المواقيت الزمنية المناسبة للزراعة، وتتراجع فرص تحقيق إنتاج يكفي لسد حاجة البلاد.
غير أن الأزمة لا تقف عند حدود المناخ. فالحرب حوّلت الزراعة نفسها إلى نشاط محفوف بالمخاطر. ففي دارفور وكردفان خرجت آلاف الأفدنة من دائرة الإنتاج بسبب المعارك والنزوح وانعدام الأمن وتعطل سلاسل الإمداد، فيما يجد المزارعون أنفسهم بين خيارين أحلاهما مر، إما البقاء في مناطق القتال أو ترك أراضيهم لتتحول إلى حقول مهجورة.
وهنا تتجلى المعضلة الحقيقية. فحين تجتمع الحرب مع الجفاف لا تكون النتيجة مجرد انخفاض في الإنتاج الزراعي، وإنما انهيار متكامل لمنظومة الأمن الغذائي. الإنتاج يتراجع، والأسعار ترتفع، والدخول تتآكل، والمساعدات الإنسانية تواجه عراقيل الوصول والتمويل، بينما تتسع دائرة المحتاجين بصورة غير مسبوقة.
وبالفعل بدأت المؤشرات الأولية في إرسال إنذاراتها. فأسعار الذرة والبذور والمدخلات الزراعية قفزت إلى مستويات قياسية، ثم لحقتها أسعار اللحوم والألبان وبقية السلع الأساسية. وهذه ليست مجرد أرقام اقتصادية، بل إشارات مبكرة إلى أزمة معيشية قد تمتد آثارها إلى كل بيت سوداني، سواء في الريف أو المدن.
وأيما أزمة أو كارثة دائمًا ما تعلن عن مقدمها بوفد مقدمة يحمل نذرها، والأخطر أن خسارة الموسم الزراعي لن تعني أزمة تمتد لأشهر قليلة، بل قد تترك آثارًا لسنوات. فالمزارع الذي يفقد محصوله اليوم سيعجز عن تمويل الموسم القادم، والعمال الزراعيون سيفقدون مصادر دخلهم، والرعاة سيزداد احتكاكهم بالمزارعين بسبب تقلص المراعي، بما يهدد باندلاع نزاعات محلية جديدة فوق النزاع الكبير الذي تمزقت به البلاد.
ورغم أن الأمطار الغزيرة التي هطلت في بعض المناطق خلال الأيام الأخيرة أعادت شيئًا من الأمل، فإن التعويل على زخات متأخرة لا يكفي لإنقاذ موسم بأكمله. فالمطلوب هو تحرك عاجل لدعم المزارعين، وتوفير البذور والمدخلات الزراعية، وتوسيع برامج حصاد المياه، وتسهيل وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة، والأهم من ذلك كله وقف الحرب التي أصبحت أكبر معول يهدم قدرة السودان على إنتاج غذائه.
إن المجاعات، يا سادة، لا تبدأ عندما يموت الناس جوعًا، بل تبدأ عندما تتجاهل الدولة (إن وجدت) الإنذارات المبكرة. وهذه الإنذارات تصدر اليوم بوضوح. فإذا استمرت الحرب واستمر تعثر الموسم الزراعي، فإن السودان قد يجد نفسه خلال الأشهر المقبلة أمام أزمة إنسانية غير مسبوقة، يكون عنوانها الأبرز أن الجوع لم يكن قدرًا طبيعيًا، بل نتيجة مباشرة لاجتماع السلاح مع سوء الإدارة وتقلبات المناخ.
ويبقى الأمن الغذائي هو آخر خطوط الدفاع عن المجتمع، وإذا انهار هذا الخط فلن تكون المجاعة مجرد احتمال، بل واقعًا يدفع الجميع ثمنه. فقد ينجو الإنسان من الرصاصة، لكنه لا ينجو من الجوع. والسودان الذي أنهكته ودمرته الحرب لأكثر من ثلاثة أعوام، يقف اليوم أمام معركة أشد قسوة من المعارك العسكرية، معركة قد يكون سلاحها الجفاف، وضحيتها ملايين المدنيين الذين لم يعودوا يملكون سوى انتظار المطر.
إن التحذير بشأن تعثر الموسم الزراعي ليس مجرد تقرير يتحدث عن تأخر الأمطار، وإنما جرس إنذار مبكر ينذر بأن البلاد قد تتجه نحو واحدة من أخطر الأزمات الغذائية في تاريخها الحديث. ففي الوقت الذي كان يفترض أن تكون فيه الحقول قد اكتست بالخضرة واشتعلت قمحًا ووعدًا وتمنيًا، ما تزال مساحات واسعة من الأراضي الزراعية تنتظر المطر، بينما تلفت بذور كثيرة تحت الأرض قبل أن ترى النور، وتحولت آمال آلاف المزارعين إلى حالة من القلق والترقب.
والسؤال الأهم ليس هو لماذا تأخرت الأمطار، بل هو لماذا أصبح السودان عاجزًا عن مواجهة موسم مناخي صعب، والإجابة عن السؤال تبدأ بالطبع من الحرب. فالحرب لم تكتفِ بتدمير المدن والبنية التحتية، ولم تكتفِ بقتل المدنيين وتشريد الملايين، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حين استهدفت المصدر الأول لغذاء السودانيين. فملايين الأفدنة خرجت من دائرة الإنتاج، ومئات الآلاف من المزارعين تركوا أراضيهم قسرًا، والأسواق تعطلت، وسلاسل الإمداد انهارت، وأصبحت الزراعة التي كانت تمثل صمام أمان البلاد رهينة للرصاص والخوف والنزوح.
وعندما يتراجع الإنتاج الزراعي، فإن أول الضحايا هو المواطن البسيط. فالذرة هي الغذاء الرئيسي لمعظم السودانيين، وترتفع أسعارها بصورة متسارعة، وكذلك البذور والأسمدة واللحوم والألبان. ومع انهيار القوة الشرائية وتراجع فرص العمل وارتفاع معدلات النزوح، يصبح الحصول على وجبة يومية تحديًا حقيقيًا لملايين الأسر. وهنا لا يكون الحديث عن تضخم أو ارتفاع أسعار، وإنما عن جوع حقيقي يهدد حياة البشر.
وهكذا يجد المواطن نفسه محاصرًا بين حرب تمنعه من الزراعة، وجفاف يمنعه من الحصاد، وجوع يمنعه من الحياة. ولعل أخطر ما في المشهد أن أطراف الحرب ما تزال منشغلة بحسابات الميدان وتقاسم النفوذ، بينما المعركة الحقيقية أصبحت معركة بقاء. فلا نصر عسكري يمكن أن يعوض وطنًا أنهكه الجوع، ولا سلطة تستحق الاحتفاظ بها إذا كانت تحكم أرضًا يفتك الجوع بأطفالها.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.





