كردفان التي تبكي تحت القصف

يوسف الغوث

في قلب كردفان، حيث يمتزج عبق البارود بندى التراب الموشّح بدماء الأبرياء، تدور معارك يومية تلهث خلفها الكاميرات، وتتغنى بها النشرات العسكرية وكأنها بوابات النصر القادم.

غير أن الحقيقة المرة، التي تغيب عن تلك النشوة الإعلامية، أن هذه الاشتباكات المستمرة منذ شهور ليست سوى دوران في حلقة مفرغة؛ لا تقود إلى حسم ميداني، ولا تسفر عن نصر ينهي جحيم الحرب، بقدر ما تزيد الأهالي إرهاقًا فوق إرهاق، وتفجعهم في كل يوم جديد…

إن ذلك المواطن البسيط، الذي كان بالأمس يرعى غنمه ويزرع أرضه وينام قرير العين في بيته الصغير، بات اليوم شبحًا يترنح بين خطوط النار لا يدري أين يتجه. فالمعارك تتقدم تارة وتتراجع أخرى، والأرض التي احترقت تحت وطأة القصف لا تزال ساحة صراع مفتوحة، من دون أن يطرأ على معادلاتها ما يبشر بقرب النهاية.

إن الجيش يتقدم في جبهة وينسحب من أخرى، والميليشيات تختفي هنا وتنبثق هناك، والنتيجة النهائية ذاتها كل صباح: قتيل، جريح، بيت منهدم، أو نازح يجر أذيال الخوف إلى وجهة مجهولة.

أما الحسم العسكري، ذلك الحلم الذي يكرره المسؤولون في خطبهم، فيبدو كسراب في صحراء قاحلة؛ يحسبه الظمآن ماءً…

لم تعد الحرب في هذا البلد صراعًا تقليديًا تحسمه معركة فاصلة أو خطة استراتيجية محكمة، بل تحولت إلى مستنقع يبتلع كل شيء. فقوات الدعم السريع، بكيانها الهجين، ليست جيشًا نظاميًا يمكن تطويقه أو هزيمته في ضربة واحدة؛ فهي تمتد في كل اتجاه وتتحرك في اتجاهات مختلفة. وفي المقابل، يمتلك الجيش الوطني قوة جوية وعتادًا ثقيلًا، لكنه لم يتمكن بعد من ترجمة هذه القوة إلى انتصار ميداني يقطع الطريق على المعاناة.

إن لكل طرف روايته ومبرراته، لكن الحقيقة الجامعة أن أرض المعركة تظل هي الضحية، والمدني هو الخاسر الأكبر في كل الأحوال.

ومع كل جولة قتال جديدة في كردفان أو غيرها، لا تزداد الأوضاع إلا تعقيدًا. فالاشتباك في المدن والقرى لا يخلف وراءه سوى أنقاض تروي وحكايات لا تُحصى من الألم، والمدني يدفع الثمن كاملًا في كل مرة، مع افتقاره التام إلى الغذاء والدواء بعد أن قطعت أمامه جميع الطرق وأغلقت في وجهه الأسواق.

إن استمرار هذه العمليات العسكرية دون أي بوادر لحل حقيقي هو إهدار للدم السوداني، وتبديد للجهد الوطني، وتجديد لمعاناة الناس يوميًا.

فالحرب لم تعد وسيلة لحل الصراع، بل تحولت إلى الصراع نفسه؛ ممتدًا بلا أفق، وكل يوم يمضي فيها هو يوم إضافي في عمر المأساة الإنسانية التي تهدم كل مقومات الحياة في كردفان والسودان بأكمله…

إن الحل ليس في معركة مقبلة، ولا في التقدم بضعة كيلومترات وتدفع ثمنها دماء جديدة،

إن الحل يكمن في البحث الجاد عن مسار سياسي يوقف هذا النزيف، ويعيد الاعتبار لإنسان تحول إلى مجرد رقم في معادلة لا تفقه عنه شيئًا.

لن يُكتب النصر في كردفان بمداد البارود، بل بمداد العودة إلى البيوت والمزارع. فالمعركة التي لا تلوح في نهايتها بارقة أمل، ليست سوى احتراق يومي لمستقبل أمة تاهت بين وقع الأقدام وسقف الأماني. فالحسم العسكري مجرد سراب، والحقيقة الأقسى أن هذه الأرض المتشققة بالقذائف لن يجبر صدعها إلا منطق الدولة، ومسار سياسي يرد للإنسان كرامته قبل أرضه.

فلتتوقف الآلة، ولينطلق العقل. وإلا ستظل كردفان عنوانًا للوجع السوداني، وشاهدًا على أن أعتى الحروب لا تُقهر حين يغيب العدل، وأن السلام هو الغنيمة الوحيدة التي لا تفنى، ولا تستهلكها الرصاصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى