العطش يطارد بورتسودان.. أزمة مياه خانقة تضاعف معاناة السكان

أفق جديد

لم تعد أزمة المياه في مدينة بورتسودان مجرد انقطاع مؤقت لخدمة أساسية، بل تحولت إلى معركة يومية يخوضها السكان بحثًا عن قطرة ماء. فمع تراجع الإمدادات، وارتفاع ساعات انقطاع الكهرباء، ومحدودية المصادر المائية، وجدت آلاف الأسر نفسها أمام واقع أكثر قسوة، حيث تضاعفت أسعار المياه إلى مستويات غير مسبوقة، وقفز سعر “جوز الموية” إلى نحو ألفي جنيه، في مدينة أصبحت الملاذ الإداري والإنساني للبلاد منذ اندلاع الحرب، واستقبلت مئات الآلاف من النازحين والمؤسسات الحكومية.

ويقول مواطنون إن الأزمة تتكرر بوتيرة متزايدة، إلا أن حدتها هذا العام جاءت أكبر نتيجة تزامن عدة عوامل، أبرزها ضعف الإمداد الكهربائي الذي يؤثر على تشغيل محطات التحلية، وشح الموارد المائية، فضلًا عن محدودية الاستفادة من المياه الجوفية بسبب ارتفاع نسبة الملوحة في كثير من الآبار، الأمر الذي يجعل المدينة تعتمد بصورة رئيسية على محطات تحلية مياه البحر الأحمر.

ويقول ناصر عبد الله، أحد سكان حي ديم المدينة، لـ”أفق جديد”، إن الحصول على المياه أصبح يستنزف جزءًا كبيرًا من دخل الأسرة. وأضاف: “لم نعد نفكر في شراء احتياجات أخرى قبل أن نؤمن المياه. الأسعار ترتفع باستمرار، وأحيانًا ننتظر ساعات حتى تصل عربات التوزيع، وقد نعود من دون أن نحصل على شيء”.

أما ربة المنزل آمنة مصطفى، فتشير إلى أن الأزمة غيرت تفاصيل الحياة اليومية داخل المنازل. وتقول لـ”أفق جديد”: “أصبحنا نقلل استخدام المياه في الطهي والغسيل والاستحمام، ونخزن أي كمية تتوفر خوفًا من الانقطاع. الأطفال أكثر المتضررين، لأن احتياجاتهم اليومية لا يمكن تأجيلها”.

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الأسر وحدها، بل امتدت إلى أصحاب الأنشطة التجارية الصغيرة. ويوضح أزهري عباس، وهو صاحب مطعم شعبي، لـ”أفق جديد”، أن ارتفاع أسعار المياه انعكس مباشرة على تكلفة إعداد الطعام والمشروبات، قائلًا: “نشتري المياه بأسعار مرتفعة، ولا نستطيع رفع أسعار الوجبات بنفس النسبة، لأن المواطنين بالكاد يستطيعون تحمل تكاليف المعيشة”.

ووفقًا لتقديرات غير رسمية، يقطن مدينة بورتسودان نحو نصف مليون نسمة، كانوا يعانون أصلًا شحًا مزمنًا في إمدادات المياه حتى قبل اندلاع الحرب. وتعتمد المدينة بصورة رئيسية على مياه الأمطار الموسمية التي تُخزن في خزانات وسدود، أبرزها “خور أربعات”، غير أن هذه الموارد غالبًا ما تنفد قبل نهاية موسم الجفاف، مما يجعل أزمة المياه تتجدد سنويًا.

 

وعلى مدى سنوات، تعاقبت حكومات عدة على إطلاق وعود بتنفيذ مشروع لنقل مياه الشرب من نهر النيل إلى بورتسودان، إلا أن تلك الوعود لم تتجاوز مرحلة الإعلان، وظلت المدينة تواجه تحدياتها المائية بالحلول المؤقتة.

وازدادت الأزمة تعقيدًا منذ اندلاع الحرب في السودان، بعدما تحولت بورتسودان إلى المركز الإداري والإنساني الرئيس في البلاد، واستقبلت مئات الآلاف من النازحين. وتشير التقديرات إلى أن ما لا يقل عن مائة ألف نازح استقروا بصورة دائمة في المدينة، بينما يتوافد إليها آخرون لإنجاز المعاملات الحكومية أو السفر إلى الخارج، باعتبارها المنفذ الجوي والبحري الوحيد الذي ظل يعمل طوال فترة الحرب. وأدى هذا التوسع السكاني الكبير إلى زيادة غير مسبوقة في الطلب على المياه، في وقت لا تزال فيه البنية التحتية والإمدادات عاجزة عن مواكبة الاحتياجات المتزايدة.

ويؤكد مواطنون أن الأزمة أصبحت عبئًا اقتصاديًا جديدًا يضاف إلى سلسلة من الأعباء التي فرضتها الحرب، بدءًا من ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود، وصولًا إلى تكاليف السكن والمواصلات، ما جعل تأمين المياه يمثل أولوية يومية تسبق كثيرًا من الاحتياجات الأخرى.

ويقول خبير المياه عاطف تاج الدين لـ”أفق جديد”، إن المدينة تعتمد في المياه على “سد خور أربعات”، الذي تبلغ سعته التخزينية نحو 3 ملايين متر مكعب، و”سد خور موج”، لكن في الفترة الأخيرة لم تُخزن فيه أي مياه، والخيران هما أنهار موسمية الجريان، وبالمدينة نحو 60 بئرًا، تعمل منها الآن 45 لتغذي الخطوط الرئيسية.

ويرى مختصون أن طبيعة بورتسودان الجغرافية تجعل ملف المياه أكثر تعقيدًا مقارنة بمدن أخرى، إذ تعتمد المدينة بدرجة كبيرة على محطات تحلية مياه البحر، وهي منشآت تحتاج إلى إمداد كهربائي مستقر لضمان استمرار الإنتاج. كما أن الملوحة العالية في معظم الآبار الجوفية تحد من إمكانية الاعتماد عليها كمصدر بديل، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في الكهرباء أو التشغيل ينعكس سريعًا على الإمدادات.

ومع تزايد الكثافة السكانية التي شهدتها المدينة خلال السنوات الأخيرة، ارتفع الطلب على المياه بصورة تفوق قدرات البنية التحتية الحالية، وهو ما دفع كثيرًا من المواطنين إلى شراء المياه من الناقلات الخاصة بأسعار متزايدة، وسط مطالبات بتوسعة محطات التحلية، وتأهيل الشبكات، وضمان استقرار التيار الكهربائي.

ويقول المواطن أنس الجيلي لـ”أفق جديد”، إن أكثر ما يقلق السكان هو غياب الحلول السريعة، مضيفًا: “نتحمل الظروف، لكننا نريد خطة واضحة. المياه ليست سلعة كمالية، بل أساس للحياة، ولا يمكن أن يبقى المواطن رهينًا لعربات المياه والأسعار المتقلبة”.

وتشاركه الرأي المواطنة فاطمة عيسى، التي أوضحت أن كثيرًا من الأسر أصبحت تضطر إلى تقنين استهلاك المياه إلى الحد الأدنى. وقالت لـ”أفق جديد”: “حين يصبح الحصول على الماء هو الهم الأول للأسرة، فإن كل تفاصيل الحياة الأخرى تتعطل، من النظافة إلى الصحة، وحتى قدرة الأطفال على مواصلة حياتهم بشكل طبيعي”.

وتبرز الأزمة تحديًا متزايدًا أمام السلطات المحلية، في وقت يطالب فيه المواطنون بإجراءات عاجلة تشمل تأمين الكهرباء لمحطات التحلية، وزيادة الطاقة الإنتاجية، وتطوير مصادر إمداد أكثر استدامة، بما يحد من تكرار الأزمة ويخفف العبء عن السكان.

وتؤكد معاناة سكان بورتسودان أن توفير المياه لم يعد مجرد ملف خدمي، بل قضية ترتبط بالصحة العامة والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. فكل يوم يمر دون معالجة جذرية يعني مزيدًا من الأعباء على الأسر، ومزيدًا من الضغوط على مدينة أصبحت تحمل فوق طاقتها أعباء الحرب والنزوح. وبينما تتواصل رحلة البحث اليومية عن الماء، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى متى يظل سكان بورتسودان يدفعون ثمن العطش في مدينة يحيط بها البحر من كل جانب؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى