الانقسامات السياسية والأيديولوجية في السودان .. معضلة بناء الدولة المدنية الديمقراطية

الهادي الشواف
لا يمكن فهم أزمة الدولة السودانية الراهنة بمعزل عن أزمة النخبة السياسية نفسها، فالتعثر المستمر في بناء دولة مدنية ديمقراطية في السودان يمكن إرجاعه لعوامل عديدة متعلقة بالبنية الفكرية والسياسية والاجتماعية وعوامل أخرى سوف نفرد لها مقالات أخرى، في هذا المقال سنركز على الانقسامات السياسية والأيديولوجية كمعضلة أساسية تحول بين بناء دولة مدنية ديمقراطية، لأن الأحزاب السياسية ببنيتها الأيديولوجية والفكرية والسياسية تعتبر الفاعل الأساسي في فضاء الدولة وتؤثر بشكل مباشر في تحديد اتجاهاتها.
لذلك فإن أحد عوامل تعثر بناء دولة مدنية ديمقراطية في السودان ناتج عن أزمة بنيوية وليس نتاجًا لعوامل ظرفية أو اختلالات عابرة، وبالتالي هو انعكاس مباشر لأزمة عميقة في بنية الفكر والممارسة السياسية لدى القوى الحزبية والأيديولوجية، ومنذ الاستقلال ظل السودان ساحة مفتوحة لصراعات النخب أكثر من كونه ساحة لتنافس البرامج والرؤى الوطنية، ولهذا فإن الانقسامات وسط القوى السياسية ليست مجرد خلافات طبيعية داخل المجال العام وإنما تعبير عن أزمة بنيوية عطلت تشكل الدولة الوطنية الحديثة وغيبت المشروع الوطني المتوافق عليه.
لقد ورث السودان عند الاستقلال دولة هشة سياسيًا ومجتمعيًا، وكان المطلوب من النخبة السياسية أن تقود مشروعًا تاريخيًا لبناء دولة المواطنة المتساوية والمؤسسات كأحد مهام ما بعد الاستقلال، غير أن ما حدث كان العكس تمامًا، إذ انخرطت القوى السياسية في صراعات مبكرة حول السلطة والنفوذ والهيمنة الأيديولوجية، بينما تراجع سؤال بناء الدولة إلى الهامش.
المعضلة الأساسية أن معظم القوى السياسية السودانية لم تتعامل مع السياسة باعتبارها علمًا وفنًا لإدارة شؤون الدولة وتنظيم المجتمع والتوزيع العادل للسلطة والموارد وفن إدارة التنوع والاختلاف، ولكنها تعاملت معها بوصفها لعبة قذرة وفن المعركة الصفرية بين مشروعين.. غالب ومغلوب ومنتصر ومهزوم وحاكم ومقصى، غيبت الأخلاق والمبادئ الثابتة في الصراع على السلطة، وغلبت فيها المصالح الشخصية الآنية الضيقة على الصالح العام، وضمن هذا المنطق تحولت السياسة والأيديولوجيا من أداة لفهم الواقع إلى أداة للاستقطاب الحاد، وأصبحت الأحزاب السياسية في كثير من الأحيان أسيرة تصورات مغلقة عن الحقيقة والشرعية والتمثيل.
هذا الفشل البنيوي انعكس بصورة واضحة على مشروع الدولة المدنية الديمقراطية، فالدولة المدنية في جوهرها ليست مجرد شعار سياسي يرفع في لحظات الثورة أو الانتقال، لكنها في الأساس مشروع استراتيجي يحتاج إلى تأسيس نظري وتحليل بنيوي ومرتكزات ومرجعيات تمثل دالة تبين المسار وتصحح الانحراف، كما أنه يتطلب توافقًا عميقًا حول عقد اجتماعي جامع وقواعد لإدارة السلطة والعلاقة بين الدين والسياسة وحدود دور المؤسسة العسكرية وطبيعة المواطنة وشكل توزيع السلطة والثروة، وهذه كلها قضايا ظلت محل صراع دائم في السودان دون حسم وطني شامل.
أحد أخطر آثار الانقسامات هو أنها أعاقت تشكل مركز مدني موحد قادر على قيادة التحول الديمقراطي ويمثل حائط صد ضد الارتداد وعودة الاستبداد، ففي كل مرحلة انتقالية يتكرر المشهد نفسه بصورة تكاد تكون مأساوية: وحدة مرحلية لإسقاط الطغاة ثم انقسام حاد حول إدارة المرحلة التالية، حدث ذلك بعد ثورة أكتوبر 1964م وبعد انتفاضة أبريل 1985م، وتكرر بصورة أكثر وضوحًا بعد ثورة ديسمبر 2018م، وكأن الأزمة السودانية تكمن في القدرة على هدم القديم لا في القدرة على بناء الجديد.
الأخطر من ذلك أن انقسام القوى المدنية ضمن عوامل أخرى ظل يشكل دائمًا البيئة المثالية لعودة الاستبداد، فعندما تعجز القوى المدنية عن بناء جبهة واسعة متماسكة وإنتاج توافق مستقر تتوسع المساحات التي تتحرك فيها القوى العسكرية السلطوية المستبدة والمضادة للتحول المدني الديمقراطي وتمتلك القدرة على المناورة واستعادة زمام المبادرة ثم الارتداد، وبهذا المعنى فإن الانقسامات السياسية والأيديولوجية لم تكن فقط عامل إضعاف لمشروع الدولة المدنية الديمقراطية بقدر ما كانت في كثير من الأحيان مدخلًا مباشرًا لإجهاض حلم التحول.
كما أن الأزمة لا تتعلق فقط بالخلافات بين القوى المختلفة، ولكنها تشمل أيضًا الأزمة الداخلية داخل الأحزاب نفسها، فالمفارقة الكبرى أن كثيرًا من القوى التي تنادي بالديمقراطية على مستوى الدولة تعاني داخليًا من ضعف المؤسسية وغياب الديمقراطية وتجمد القيادة وهيمنة الشخصنة، وهذا التناقض بين الخطاب والممارسة ظل أحد أبرز أوجه أزمة العمل السياسي في السودان ويعكس أن الديمقراطية في بنيتها لم تتجاوز الشعاراتية والسطحية.
وفي ذات السياق، كما أشرنا لذلك سابقًا، لم تقف آثار الانقسامات عند النخبة فقط، ولكنها امتدت إلى البنية الاجتماعية الأوسع، ففي ظل التعدد الإثني والديني والتنوع الثقافي، ومع الإرث الثقيل للحروب وغياب التنمية المتوازنة، ساهم كل ذلك في الاستقطاب السياسي وتغذية الانقسامات المجتمعية وتعميق الشروخ بين المركز والأرياف وبين مكونات المجتمع المختلفة، وهكذا باتت أزمة الدولة السودانية أزمة مركبة تمامًا تتمثل في أزمة سلطة وأزمة عدالة وأزمة تنمية متوازنة وأزمة ثقة وغيرها، بالمختصر: أزمة قومية شاملة.
وفي ذات المنحة، إن التسويات السياسية المؤقتة وحدها لا تصلح كترياق مضاد لهذا المرض العضال، ولمعالجة هذه الأزمة القومية الشاملة لا تبدأ من مراجعة جذرية لبنية الفكر السياسي السوداني نفسه، فعليًا نحتاج وبشكل حاسم إلى إعادة تعريف مفاهيم الدولة والسياسة بوصفهما فضاءً لإدارة الاختلاف بشكل سلمي وديمقراطي لا لإلغاء الخصوم، كما أننا نحتاج إلى الانتقال من عقلية الإقصاء والاحتكار والمؤامرات إلى ثقافة الشراكة الوطنية.
ولا بد كذلك من صناعة عقد اجتماعي جديد وبناء مشروع وطني متجدد يتجاوز الاصطفافات الأيديولوجية التقليدية ويرتكز على مبادئ المواطنة المتساوية دون تمييز، وسيادة حكم القانون والعدالة الاجتماعية والاعتراف بالتنوع، فبغير مشروع جامع ستظل الدولة المدنية الديمقراطية مجرد شعار سياسي يفتقد الحاضنة الوطنية اللازمة لتحقيقه.
كذلك فإن إصلاح الأحزاب السياسية وتوطين ممارسة الديمقراطية داخلها يمثل شرطًا أساسيًا لأي تحول ديمقراطي حقيقي في الدولة والمجتمع، إذ لا يمكن بناء دولة حديثة بأدوات سياسية تقليدية عاجزة عن المواكبة والتطور، إذن المطلوب هو الاشتغال على بناء وعي واسع وسط المجتمع بأهمية الدولة المدنية الديمقراطية والعمل من أجل تحديث البنية الحزبية وتجديد القيادة وتعزيز المؤسسية وتجذير الممارسة الديمقراطية وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة.
وفي السياق ذاته، تظل مسألة تحييد المؤسسة العسكرية عن المجال السياسي ضرورة مركزية ملحة وواجبًا مقدمًا، فلا دولة مدنية ديمقراطية مستقرة في ظل ازدواج السلطة أو استمرار النفوذ العسكري داخل المجال المدني والسياسي والاقتصادي، فبناء الدولة المدنية الديمقراطية يبدأ حين تصبح السلطة السياسية نابعة حصريًا من الإرادة الشعبية والمؤسسات الدستورية.
في النهاية، تكشف تجربة السودان بوضوح أن الفشل في الوصول إلى الدولة المدنية الديمقراطية لا يتمثل فقط في غياب الديمقراطية، ولكنه أيضًا ينعكس في غياب الثقافة والممارسة الديمقراطية في الدولة والمجتمع وداخل الأحزاب السياسية، فبناء الدولة المدنية الديمقراطية لا يعتبر معركة وجودية ضد الاستبداد وحده، فهو أيضًا معركة ضد البنى الذهنية والسياسية والاجتماعية التي تعيد إنتاج الاستبداد داخل المجال المدني نفسه، ولهذا فإن مستقبل السودان يتوقف إلى حد كبير على قدرة قواه السياسية والمدنية الحية على تجاوز إرث الانقسام والخروج من أسر الأيديولوجيا الضيقة وبناء شراكة وطنية استراتيجية جديدة وفعالة تؤسس لدولة عادلة ومدنية وديمقراطية.





