الحروب… بيئة خصبة للفساد الاقتصادي والسياسي

عادل يعقوب أحمد نور
إن التجربة الإنسانية الحديثة تكشف حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن الحروب تمثل البيئة الأكثر خصوبة لازدهار الفساد ونهب الموارد العامة. فكلما ضعفت الدولة، وانهارت مؤسساتها، وغابت الرقابة والمساءلة، تمددت شبكات المصالح التي تتغذى على الفوضى، وتحولت الثروات الوطنية إلى غنائم تتقاسمها قوى السلاح، والسماسرة، والشركات العابرة للحدود، والمنتفعون من اقتصاد الحرب.
فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من ينتصر في الحرب؟ بل: من يربح من استمرارها؟
في كل حرب هناك شعب يخسر، وهناك أقلية تربح. يخسر المواطن منزله وأمنه ومدخراته، بينما يربح تجار السلاح، ومهربو الذهب والنفط، وسماسرة العقود، وشبكات غسل الأموال. ولهذا لم تعد الحرب مجرد صراع عسكري، بل أصبحت في حالات كثيرة مشروعاً اقتصادياً قائماً بذاته، لا يعيش إلا باستمرار الفوضى.
لقد شهد العالم خلال العقود الثلاثة الماضية نماذج صارخة لهذه الحقيقة. ففي العراق، بعد الغزو الأمريكي عام 2003، لم يقتصر الدمار على البنية التحتية، بل أصاب مؤسسات الدولة في مقتل. وبينما كان العراقيون ينتظرون بناء دولة حديثة، انفجرت ملفات فساد بمليارات الدولارات، وتعثرت مشاريع إعادة الإعمار، واختفت أموال ضخمة وسط غياب الرقابة وتداخل النفوذ السياسي والاقتصادي. تحولت الثروة النفطية، التي كان يُفترض أن تكون محركاً للتنمية، إلى محور صراع ومصدر للفساد، حتى أصبح العراق، رغم إمكاناته الهائلة، يعاني من أزمات مزمنة في الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية.
وفي ليبيا، أدى انهيار مؤسسات الدولة بعد عام 2011 إلى فتح الباب أمام اقتصاد موازٍ يقوم على تهريب النفط والوقود والأسلحة والاتجار بالبشر. لم يعد النفط مجرد مورد اقتصادي، بل تحول إلى ورقة ضغط وسلاح سياسي تتنافس عليه القوى المتصارعة. وبينما كانت الموانئ النفطية تتبادل السيطرة بين الفصائل، كانت الدولة تتراجع، وتتآكل الخدمات، وتتسع دائرة الفساد، حتى أصبحت الثروة التي كان يمكن أن تبني دولة حديثة سبباً في إطالة أمد الصراع.
أما السودان، فإنه يقدم اليوم واحداً من أكثر النماذج إيلاماً. فالحرب لم تكتفِ بإزهاق الأرواح وتشريد الملايين، بل أصابت قلب الاقتصاد الوطني. تعرضت المصانع والمصارف والأسواق للنهب أو التدمير، وتعطلت الزراعة والصناعة، وازدادت عمليات تهريب الذهب والموارد الطبيعية، وظهرت أسواق موازية تقوم على الاحتكار والمضاربة والجبايات غير القانونية. ومع كل يوم يطول فيه النزاع، تتعمق خسائر الاقتصاد، ويتراجع الأمل في استعادة دورة الإنتاج.
ولعل أخطر ما تخلقه الحروب هو ما يسميه خبراء الاقتصاد بـ”اقتصاد الحرب”، وهو نظام اقتصادي غير رسمي يعتمد على استمرار النزاع بوصفه مصدر دخل. ففي هذا الاقتصاد، تصبح المعابر الحدودية مورداً مالياً، والمناجم هدفاً عسكرياً، والمساعدات الإنسانية سوقاً للربح، والعملة الوطنية أداة للمضاربة، ويغدو السلاح أكثر ربحية من المصنع، والتهريب أكثر جدوى من الإنتاج.
وتنشأ حول هذا الاقتصاد طبقة جديدة من المنتفعين، تتضخم ثرواتها كلما طال أمد الحرب. وهؤلاء لا يرون في السلام مكسباً، لأن مصالحهم ارتبطت باستمرار الفوضى. ومن هنا تصبح عملية بناء السلام أكثر تعقيداً، إذ لا تواجه خلافات سياسية فقط، بل تصطدم أيضاً بمصالح اقتصادية راكمت ثرواتها من استمرار النزاع.
والمفارقة المؤلمة أن الشعوب هي التي تمتلك الموارد، لكنها آخر من يستفيد منها. فالعراق يملك أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، وليبيا تمتلك ثروة نفطية هائلة، والسودان يزخر بالذهب والأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والموارد المائية. ومع ذلك، يعيش ملايين المواطنين في هذه الدول تحت وطأة الفقر والنزوح وانهيار الخدمات. ليست المشكلة في نقص الموارد، بل في غياب الدولة القادرة على حماية هذه الموارد وإدارتها بشفافية وعدالة.
لقد أثبت التاريخ أن إعادة بناء المباني أسهل بكثير من إعادة بناء المؤسسات. فالطرق يمكن إصلاحها خلال سنوات، لكن استعادة الثقة بالقانون تحتاج إلى زمن أطول، لأن الفساد الذي يولد أثناء الحرب لا يختفي بانتهاء المعارك، بل غالباً ما يحاول التكيف مع مرحلة السلام، متخفياً في مؤسسات الدولة الجديدة، ومستفيداً من ضعف العدالة وغياب المحاسبة.
ومن هنا فإن إعادة الإعمار الحقيقية لا تبدأ بالإسمنت والحديد، بل تبدأ بإعادة بناء مؤسسات الرقابة، واستقلال القضاء، وحماية المال العام، وفرض الشفافية على إدارة الموارد الطبيعية، ومنع تحويل الثروات الوطنية إلى ملكية خاصة لفئات محدودة.
إن الدول التي نجحت في تجاوز آثار الحروب لم تحقق ذلك لأنها امتلكت أموالاً أكثر، بل لأنها امتلكت مؤسسات أقوى، وإرادة سياسية حقيقية لمحاربة الفساد، وإيماناً بأن التنمية لا يمكن أن تقوم فوق أنقاض العدالة.
وفي السودان، كما في العراق وليبيا، لا يكفي أن تتوقف الحرب. فوقف إطلاق النار هو بداية الطريق، وليس نهايته. أما المعركة الأصعب فهي استعادة الدولة من قبضة اقتصاد الحرب، وإعادة الثروة الوطنية إلى خدمة المواطن، وتجفيف منابع الفساد التي تغذت على سنوات النزاع.
لقد علمتنا التجارب أن الحروب تسرق الحاضر، لكن الفساد يسرق المستقبل. وإذا كانت البنادق تصمت يوماً، فإن شبكات الفساد لا تتوقف من تلقاء نفسها، بل تحتاج إلى دولة قوية، ومؤسسات مستقلة، ورأي عام يقظ، وإعلام حر، ومجتمع يؤمن بأن حماية المال العام ليست قضية اقتصادية فحسب، بل قضية وطنية وأخلاقية.
إن أخطر ما تخلفه الحروب ليس المدن المهدمة، فهذه يمكن أن تُبنى من جديد، وإنما الإنسان الذي يفقد ثقته في وطنه، والدولة التي تفقد قدرتها على حماية ثرواتها. وعندما تصبح موارد الشعوب غنائم تتقاسمها قوى السلاح والفساد، فإن الحرب تكون قد حققت أخطر أهدافها، حتى وإن توقفت أصوات المدافع.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية بعد كل حرب ليست فقط معركة إعادة البناء، بل معركة استعادة الدولة، وإعادة الاعتبار للقانون، وحماية الثروة الوطنية من أن تتحول مرة أخرى إلى غنيمة في سوق الفوضى. فالأوطان لا تُبنى بالسلام وحده، وإنما تُبنى أيضاً بالعدالة، والشفافية، والمحاسبة، وهي الأسس التي تضمن ألا تتكرر المأساة، وألا تدفع الشعوب ثمن الحروب مرتين: مرة بالدم، ومرة بالفساد.





