وقف الحرب ليس صناعة السلام…..

حاتم أيوب أبوالحسن
أي حديث عن وقف الحرب في السودان بمعزل عن صناعة السلام ليس سوى استهلاك سياسي، لا ينسجم مع طبيعة التحولات التي أحدثتها الحرب، ولا مع واقع السودان الذي يتشكل الآن.
فالحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين يمكن إنهاؤها بقرار أو اتفاق لوقف إطلاق النار. خلال سنواتها تغيرت خرائط السيطرة، وتبدلت موازين القوة، وتفككت المؤسسات، وظهرت مراكز نفوذ جديدة، وتعمقت الانقسامات الاجتماعية والسياسية، وانتقلت أجزاء واسعة من الاقتصاد إلى منطق الحرب، بينما أصبح العامل الإقليمي والدولي جزءًا من معادلة الصراع.
لهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نوقف إطلاق النار؟
بل: كيف نحول نهاية القتال إلى بداية للسلام؟
فالهدنة يمكن أن توقف المدافع، لكنها لا توقف أسباب الحرب. ويمكن للأطراف أن تتفق على تجميد القتال بينما يبقى السلاح خارج مؤسسات الدولة، وتظل الموارد موزعة بين مراكز القوة، وتبقى قضايا العدالة والمواطنة والعلاقة بين المركز والأقاليم بلا حل.
عندها نكون قد نقلنا الحرب من الميدان إلى السياسة، لا أننا أنهيناها.
السودان يحتاج إلى عملية سلام حقيقية، لا إلى عملية تفاوض هدفها الوحيد الوصول إلى وقف إطلاق النار. السلام ليس ورقة توقعها القيادات ثم تعود إلى مواقعها، وإنما عملية طويلة لإعادة بناء الدولة والمجتمع والثقة.
وهذه العملية تبدأ من الاعتراف بأن السودان الذي سيخرج من الحرب لن يكون السودان الذي دخلها.
لقد تغير المجتمع، وتغيرت موازين القوة، وتغيرت علاقة الأقاليم بالمركز، وظهرت قوى اجتماعية وسياسية جديدة، وتراكمت مظالم وفواجع لا يمكن تجاوزها بخطاب المصالحة وحده. كما أن ملايين النازحين واللاجئين لن يعودوا إلى واقعهم القديم وكأن شيئًا لم يحدث.
لذلك فإن إعادة إنتاج النظام السياسي السابق للحرب، بأشخاص أو تحالفات أو شعارات جديدة، لن تكون سلامًا؛ ستكون تأجيلًا للأزمة.
المطلوب هو عقد سياسي جديد يعيد تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم، وبين الدولة والمجتمع، ويضع أسسًا واضحة لتوزيع السلطة والثروة، وإصلاح المؤسسات وأهمية العدالة الانتقالية، وعودة النازحين واللاجئين، وإعادة الإعمار، وإعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات العامة.
والأهم أن تكون هذه العملية سودانية في جوهرها، حتى وإن احتاجت إلى ضمانات ودعم إقليمي ودولي.
فالتدخل الخارجي يمكن أن يساعد في صناعة السلام، لكنه لا يستطيع أن يصنع دولة نيابة عن السودانيين.
وهنا تكمن خطورة اختزال الأزمة في سؤال: من يحكم السودان بعد الحرب؟
السؤال الأعمق هو: كيف سيُحكم السودان بعد الحرب؟
فإذا انتهت الحرب وبقي السلاح وسيلة لتحديد النفوذ، وبقيت الموارد مصدرًا لتمويل القوى المسلحة، وبقيت الدولة عاجزة عن فرض مؤسساتها، فلن يكون ما حدث سلامًا مهما كانت أسماء الحكومة أو الموقعون على الاتفاق.
وقد تكون أخطر حرب هي تلك التي تأتي بعد وقف الحرب؛ لأنها تبدأ حرب المصالح والنفوذ والموارد والشرعية، وربما حربًا سياسية تستخدم أدوات السلاح نفسها التي لم تُفكك.
لهذا فإن أي تسوية لا تضع قضية الدولة في قلبها ستكون تسوية هشة.
والسلام الحقيقي لا يعني أن ينتصر طرف على آخر، ولا أن يحصل كل طرف على حصته من السلطة. السلام يعني أن تصبح الدولة أكبر من أطراف الحرب، والمواطنة أقوى من السلاح، والسياسة أقوى من القوة العسكرية.
كما يعني أن يشعر السوداني في دارفور وكردفان والشرق والجزيرة والخرطوم والشمال بأن الدولة ملك له، وليست امتيازًا لمركز أو جماعة أو مؤسسة.
ومن هنا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من إدارة الحرب إلى صناعة السلام.
إدارة الحرب تبحث عن كيفية إيقاف القتال.
أما صناعة السلام فتبحث عن كيفية منع عودته.
إدارة الحرب تتعامل مع أطراف الصراع.
أما صناعة السلام فتتعامل مع أسباب الصراع.
إدارة الحرب تنتهي عند توقيع الاتفاق.
أما صناعة السلام فتبدأ من اليوم التالي للتوقيع.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لكل المبادرات المطروحة أو التي ستأتي.
فليس مهمًا كم مبادرة ستظهر، ولا كم لجنة ستتشكل، ولا كم مؤتمر سيُعقد، وإنما: هل نحن أمام مشروع لإنهاء الحرب، أم مشروع لبناء السلام؟
السودان لا يحتمل المزيد من التسويات المؤقتة.
بعد كل هذا الدمار والنزوح وفقدان الأرواح وانهيار المؤسسات، لن يكون من المقبول أن تتوقف المدافع فقط لكي يبدأ العد التنازلي لحرب جديدة.
إن اللحظة التاريخية التي يقف أمامها السودان أكبر من مجرد البحث عن هدنة.
إنها لحظة تقرير: هل نعيد بناء الدولة التي انهارت، أم نعيد إنتاج الشروط التي أسقطتها؟
ولهذا فإن وقف الحرب ليس نهاية الطريق؛ بل هو أول اختبار لصناعة السلام.
والسودان لا يحتاج إلى صمت المدافع لفترة، بل إلى سلام يجعل عودتها أصعب من أن تكون خيارًا سياسيًا.
فالهدنة قد توقف الحرب، لكن السلام وحده ينهيها.





