الوثيقة الدستورية… عندما تحولت الثغرات إلى بوابة لانهيار الانتقال

هويدا سنادة

لم يكن انهيار الفترة الانتقالية في السودان وليد لحظة سياسية عابرة، ولا نتيجة خلافات آنية بين الشركاء في السلطة، بل كان انعكاسًا لعيوب بنيوية صاحبت الوثيقة الدستورية منذ ميلادها. فقد حملت هذه الوثيقة ثغرات قانونية وسياسية جعلتها أكثر قابلية للاستغلال من قبل القوى الداخلية والمحاور الإقليمية، التي وجدت فيها منفذًا لإضعاف المسار الديمقراطي بدلًا من حمايته.

أولى هذه الثغرات تمثلت في تشظي السلطة بين المكونين المدني والعسكري. فالوثيقة لم تحسم بصورة دقيقة حدود الصلاحيات بين مجلس السيادة ومجلس الوزراء، مما أوجد عمليًا رأسين للدولة، لكل منهما تصوره لقيادة المرحلة الانتقالية. وقد أدى هذا الغموض إلى نزاع دائم حول صناعة القرار والسياسات العامة، وانتهى بإضعاف مؤسسات الدولة بدلًا من تعزيزها.

وزاد المشهد تعقيدًا غياب المحكمة الدستورية والمجلس التشريعي، وهما المؤسستان اللتان كان يفترض أن تمثلا صمام الأمان القانوني والسياسي للفترة الانتقالية. فقد حُرم السودان منهما بسبب الخلافات السياسية والمحاصصات، لتبقى الساحة مفتوحة أمام التفسيرات الأحادية للنصوص الدستورية، وهو ما مهّد الطريق للأزمة التي بلغت ذروتها في إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر.

كما أن التعديلات التي أُدخلت على الوثيقة الدستورية عقب توقيع اتفاق جوبا للسلام أحدثت اختلالًا في التوازنات التي قامت عليها الوثيقة الأصلية. فقد تغيرت الجداول الزمنية والاستحقاقات السياسية، وعلى رأسها مسألة انتقال رئاسة مجلس السيادة إلى المدنيين، الأمر الذي عمّق حالة الاستقطاب وفتح الباب أمام التنصل من الالتزامات الأساسية.

وفي الوقت نفسه، أُهملت ملفات مفصلية مثل العدالة الانتقالية وإصلاح القطاع الأمني والعسكري، إذ جاءت النصوص المتعلقة بها فضفاضة وغير حاسمة، بما سمح للمكون العسكري بالإشراف على عملية إصلاح تمسه بصورة مباشرة، وهو تناقض أضعف فرص تنفيذ الإصلاح الحقيقي. وهكذا تحولت الوثيقة من إطار قانوني لإدارة الانتقال إلى صيغة تكرس شراكة هشة لم تصمد أمام أول اختبار حقيقي لتسليم السلطة.

غير أن الأزمة لا تتعلق بالوثيقة الدستورية وحدها، بل تمتد إلى جذور الدولة السودانية منذ الاستقلال. فما حدث خلال الفترة الانتقالية ليس إلا تكرارًا لأزمة الحكم التي رافقت السودان منذ رفع العلم في يناير 1956. فقد ظل البلد يعاني من غياب عقد اجتماعي جامع، وعجزت النخب المدنية والعسكرية، على حد سواء، عن إنتاج دستور دائم يعكس التنوع السوداني ويؤسس لدولة المواطنة.

وبدلًا من ذلك، ظل السودان يعتمد على ترتيبات دستورية مؤقتة تُفصل وفق موازين القوى السياسية، فتحولت الدساتير إلى أدوات للمحاصصة وحماية مصالح النخب، بدلًا من أن تكون مرجعية وطنية تعلو فوق الجميع.

ويرتبط هذا الخلل أيضًا بعلاقة المركز والهامش، حيث تركزت السلطة والثروة تاريخيًا في يد نخبة محدودة، بينما جرى التعامل مع مطالب الأقاليم باعتبارها تهديدًا أمنيًا لا استحقاقًا سياسيًا وتنمويًا. وكانت النتيجة أن تحولت الحروب الأهلية إلى البديل الدائم للحوار الوطني، وتفاقم التشظي الجغرافي والاجتماعي للدولة.

أما الصراع بين المدنيين والعسكريين فقد أصبح سمة متكررة في الحياة السياسية السودانية. فمنذ انقلاب الفريق إبراهيم عبود، ظل السودان يدور في حلقة مفرغة تبدأ بتجربة ديمقراطية ضعيفة تعاني الانقسام الحزبي، ثم تنتهي بانقلاب عسكري يرفع شعار توحيد القرار، لكنه يفضي إلى مزيد من الاستبداد والانقسام. وفي كل مرة تبقى الشرعية موضع نزاع: هل تستند إلى المؤسسة العسكرية باعتبارها حامية للدولة، أم إلى القوى المدنية بوصفها الممثل السياسي للشعب؟

ولم تكن المسؤولية مقتصرة على العسكريين وحدهم، إذ إن بعض الأحزاب المدنية أسهمت بدورها في عسكرة السياسة عندما استعانت بالمؤسسة العسكرية للوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها. وفي المقابل، عملت الأنظمة العسكرية على بناء حواضن سياسية واقتصادية موالية لها، فاختلطت حدود العمل السياسي بالمؤسسة العسكرية، وفقدت أجهزة الدولة حيادها القومي لتصبح طرفًا في الصراع على السلطة.

إن معالجة هذا الخلل التاريخي لا يمكن أن تتم عبر تعديلات دستورية جزئية أو اتفاقات سياسية مؤقتة، وإنما تبدأ بصياغة عقد اجتماعي جديد يؤسس للدولة من القاعدة إلى القمة. فالأزمة السودانية ليست أزمة نصوص فحسب، بل أزمة تأسيس، ولذلك فإن الانتقال من معالجة الأعراض إلى معالجة الأسباب يقتضي إشراك المواطنين في تحديد شكل الدولة ونظام الحكم، وطبيعة العلاقة بين الدين والدولة، وآليات توزيع السلطة والثروة.

ويقوم هذا التصور على تجاوز ديمقراطية المحاصصة إلى ديمقراطية التوافق القاعدي، بحيث لا تُصاغ الدساتير داخل الغرف المغلقة بين قادة الأحزاب والجنرالات، وإنما تنطلق من المحليات والقرى والأقاليم عبر مؤسسات تمثيلية حقيقية تعبر عن مصالح المواطنين لا عن مصالح صفوة المركز.

إن إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والسلطة، والاعتراف الدستوري بالتنوع السوداني، وتوزيع السلطة والثروة على أسس عادلة، تمثل جميعها شروطًا لا غنى عنها لبناء دولة مستقرة. فالتجربة السودانية أثبتت أن أي انتقال سياسي لا يستند إلى عقد اجتماعي شامل سيظل عرضة للتشظي والانهيار، مهما بدت نصوصه القانونية محكمة، لأن أزمة السودان في جوهرها ليست أزمة حكومات، بل أزمة دولة لم يكتمل تأسيسها بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى