شمال كردفان… حين يصبح غياب المعلومة جزءاً من الصراع


نون كشكوش

“العدالة لا يمكن أن تتحقق في الظلام، الحقيقة هي الخطوة الأولى نحو المحاسبة.”

ظل المدنيون في شمال كردفان محاصرين بالمسيرات والجوع والعطش، وفوق كل ذلك بمنع المعلومة الموثوقة، ليصبح الوصول إلى الحقيقة معركة لا تقل صعوبة عن النجاة من الحرب نفسها.

من المدهش أن انقطاع الإنترنت لم يكن السبب الأساسي في غياب المعلومة وشحها في شمال كردفان، مثلما حدث في مناطق النزاع الأخرى وحسب سيطرة أحد الأطراف، ولكن ما يحدث حالياً هو حرمان من حق دستوري، نتيجة للقبضة الأمنية وإرهاب الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان وجميع المدنيين في الحديث عن أخبار الحرب وأي أضرار أو معاناة أو انتهاكات في المنطقة.

انقطاع المعلومة المستقلة، وغياب التغطية الإعلامية المهنية، خلق فراغاً في موثوقية المعلومات خطيراً، وهو فعل مقصود لنشر الدعاية، والإشاعات، والروايات المتناقضة التي تنتجها أطراف النزاع أو المؤيدون لها.

والمعلومة غير متاحة إلا في الصفحات الداعمة لأطراف الحرب، هي المصدر شبه الوحيد للأخبار. وبطبيعة الحال، فإن هذه الصفحات لا تنطلق من معايير الصحافة أو حقوق الإنسان، فهي ذات أهداف سياسية أو عسكرية، فتختار ما تنشره وما تخفيه بما يخدم روايتها. والنتيجة أن المدنيين، والباحثين، والمنظمات الإنسانية، يجدون أنفسهم أمام صورة مشوهة للواقع، وهو فخ يجب ألا تقع فيه المنصات الإعلامية والمنظمات الحقوقية.

الملاحظ والأكثر إثارة للقلق هو أن بعض غرف الطوارئ الإنسانية في المنطقة، والتي نشأت لتنسيق الاستجابة الإنسانية وتقديم الخدمات للمجتمعات المتضررة، بدأت تتحول تدريجياً إلى منصات لنقل أخبار المعارك والتحركات العسكرية. هذا التحول يحمل مخاطر كبيرة، لأنه يهدد حياد العمل الإنساني، ويضع المتطوعين والعاملين في المجال الإنساني في دائرة الشبهات، وقد يجعلهم هدفاً للأطراف المتحاربة، ويهز ثقة المجتمعات المحلية فيهم.

ما يحدث في شمال كردفان حالياً وجميع المناطق التي تأثرت بالنزاع أشبه بحالة التضييق على الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان أثناء الحرب السورية. خلال سنوات الحرب، أصبحت سوريا واحدة من أخطر البيئات في العالم على الصحفيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان. قُتل فيها المئات منهم أثناء تغطية الأحداث أو تحت التعذيب في مراكز الاحتجاز، وتعرض آخرون للاعتقال التعسفي والاختفاء القسري بهدف إسكات الأصوات المستقلة ومنع توثيق الانتهاكات. كما أُجبر كثيرون على النزوح أو اللجوء خارج البلاد، بينما تعرضت المؤسسات الإعلامية المستقلة ومنظمات المجتمع المدني للاستهداف والإغلاق، في ظل تشريعات وإجراءات قيدت حرية التعبير ورسخت الرقابة الأمنية.

 

لطالما ساهم غياب المعلومات في سرعة الكشف عن الفظائع والقدرة على رصدها في الوقت المناسب. وازدادت فرص التدخل للحماية، وزادت من ضياع الأدلة والإفلات من العقاب، وتراجعت قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات الفعلية للسكان.

اليوم، تحتاج شمال كردفان إلى أكثر من وقف إطلاق النار، تحتاج إلى حماية الحق في الوصول إلى المعلومات، وضمان سلامة الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وتوفير بيئة تسمح بالتوثيق المستقل، بعيداً عن الاستقطاب العسكري والسياسي. كما تحتاج غرف الطوارئ الإنسانية إلى إعادة التأكيد على رسالتها الأساسية، وهي خدمة المدنيين والاستجابة لاحتياجاتهم، وعدم الانخراط في معركة الروايات.

فالمعلومة الموثوقة تساعد في سرعة الاستجابة الإنسانية ووصول عمليات الإغاثة، وتحمي المدنيين، وتمهد للمساءلة والعدالة. وعندما تختفي الحقيقة، يصبح المدنيون هم الخاسر الأكبر، لأن أصواتهم تختفي معها، وتتحول معاناتهم إلى مجرد أرقام وسرديات لا يصدقها أحد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى