لم يعد الرصاص القاتل الوحيد لشعب منكوب.. المخدرات.. الطاعون الزاحف في طرقات البلاد

فريق أفق جديد
في سريرٍ أبيض، تتنازع جسد الطفل “أ.م” أنفاسٌ متقطعة، بينما تتشبث والدته بطرف الغطاء، وكأنها تحاول أن تمنع الموت من الاقتراب أكثر. لم يكن في المشهد ما يوحي بأن هذا الصغير، الذي لم يتجاوز التاسعة من عمره، يحمل في دمه جرعةً قاتلة من مخدر “الإيس”. وحين خرج الطبيب بالتقرير، لم يصدق والداه ما قرآه. الكلمات كانت أشبه بحكمٍ لا يستقيم مع المنطق: “جرعة زائدة من المخدرات.”
كيف يمكن لطفلٍ بالكاد يعرف ألعاب الحي أن يصل إلى هذا المصير؟
السؤال الذي أربك الأطباء، كان لدى والده جوابٌ أكثر إيلامًا منه. يقول إن مجموعة من الشبان اعتادت تحويل زاوية قريبة من منزله إلى مجلسٍ مفتوح لتعاطي المخدرات. لم يكن يحتمل رؤية المشهد كل يوم، فكان يخرج إليهم ناصحًا مرة، ومحذرًا مرة أخرى، قبل أن يبلغهم صراحةً أنه سيطرق باب الشرطة إذا استمروا في تحويل الحي إلى بؤرة للمخدرات.
لم يأخذوا نصيحته مأخذ الجد، لكنهم – بحسب روايته – أخذوا تهديده على محمل الانتقام.
ويعتقد الأب أن الرد جاء في أكثر صوره وحشية؛ إذ أقدموا على حقن طفله بكمية من مادة “الإيس”، لينتهي به الأمر بين الحياة والموت داخل المستشفى. وبسبب وجود البلاغ أمام الجهات الشرطية، فضّل الرجل التزام الصمت، ورفض الخوض في تفاصيل القضية إعلاميًا، مكتفيًا بانتظار ما ستسفر عنه التحقيقات.
لكن مأساة الطفل “أ.م” ليست حادثةً معزولة، بقدر ما تبدو جرس إنذار يدق بعنف في وجه المجتمع السوداني.
فمع انحسار العمليات العسكرية في ولايات الخرطوم والجزيرة، وامتداد الاستقرار النسبي إلى نهر النيل والشمالية، برزت معركة أخرى أكثر خفاءً وأشد فتكًا. إنها معركة المخدرات التي تزحف إلى الأحياء والأسواق وأمام المنازل، وتجد في جيلٍ أنهكته الحرب، والبطالة، وانسداد الأفق، أرضًا خصبة للانتشار.
لم تعد المخدرات تُباع في الأزقة المظلمة فقط، بل أصبحت مشهدًا يوميًا في بعض الأحياء، حتى بات الأهالي يخشون على أطفالهم من المرور بجوار تجمعات المتعاطين.
ويرى المختص في قضايا الإدمان د. حسن صديق، في حديثه لـ”أفق جديد”، أن تفاقم الظاهرة يعود إلى جملة من العوامل، أبرزها الوفرة الكبيرة في المعروض، إلى جانب الأسعار المتدنية التي تُباع بها المواد المخدرة، وهي أسعار يصفها بأنها “تثير الريبة”، لأنها لا تتناسب مع طبيعة تجارة تحقق أرباحًا طائلة، مما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن الجهات التي تقف خلف هذا التدفق غير المسبوق.
في المقابل، بدأت أصوات المجتمع ترتفع محذرة من الكارثة. فقد أطلق مبدعون ومعالجون وناشطون في ولايات عدة، بينها نهر النيل والبحر الأحمر، حملات تحذير من اتساع رقعة الإدمان، فيما نظم متطوعون بمدينة الدامر يومًا توعويًا للتنبيه إلى المخاطر التي باتت تهدد جيلًا كاملًا، معتبرين أن المخدرات أصبحت الخطر الأكبر على مستقبل البلاد بعد الحرب.
وتشير تقارير غير رسمية حصلت عليها “أفق جديد” إلى أن عدد المتعاطين في السودان قد يناهز مليون شاب، وهو رقم يعكس حجم الأزمة، حتى وإن تعذر التحقق منه عبر إحصاءات حكومية مستقلة.
أما في ولاية نهر النيل وحدها، فتشير تقديرات الأجهزة الأمنية إلى رصد نحو عشرين حالة تعاطٍ يوميًا، بما يعادل ستمائة حالة شهريًا، وأكثر من سبعة آلاف حالة سنويًا، بينما ارتفع إجمالي الحالات خلال سنوات الحرب الثلاث إلى ما يقارب 21,600 حالة. غير أن هذه الأرقام، بحسب التقديرات نفسها، لا تمثل سوى الجزء الظاهر من الأزمة، إذ يُرجح أن تكون الأعداد الفعلية أكبر بكثير بسبب الحالات التي لا تصل إلى السلطات أو مراكز العلاج.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، إذ لا تستبعد وجود جهات خارجية تقف وراء تدفق المخدرات، خاصة مادة “الإيس”، إلى ولايتي نهر النيل والشمالية، عبر شبكات تهريب تستغل هشاشة الرقابة على الحدود والمنافذ التي أضعفتها الحرب. ووفق هذه الروايات، فإن كميات كبيرة من المخدرات تدخل البلاد بصورة منظمة، في ما يراه مراقبون تهديدًا لا يستهدف الأفراد فحسب، بل يضرب البنية الاجتماعية ويقوض مستقبل جيل كامل.
لقد أوقفت الحرب المدافع في بعض المدن، لكنها فتحت أبوابًا أخرى للموت. واليوم، بينما يصارع الطفل “أ.م” للبقاء على قيد الحياة، يبدو أن السودان يواجه عدوًا جديدًا لا تُسمع له أصوات انفجارات، لكنه يحصد الضحايا بصمت، ويقتحم البيوت من نوافذ اليأس والفراغ، ليحوّل الأطفال والشباب إلى وقودٍ لمعركة لا تقل قسوة عن الحرب نفسها.
إحصاءات صادمة
في مواجهة هذا الزحف الصامت، تبدو مؤسسات الدولة وكأنها بدأت تستشعر أخيرًا حجم الخطر الذي تجاوز حدود الظاهرة الاجتماعية ليغدو أزمة أمنية وصحية متكاملة. فبعد سنوات من الاكتفاء بحملات الضبط والملاحقة، تتجه السلطات نحو الاعتراف بأن الإدمان ليس جريمة فحسب، بل مرض يحتاج إلى العلاج وإعادة التأهيل. وفي هذا السياق، أوصى اجتماع مشترك ضم عددًا من الوزراء في الحكومة الاتحادية، ووالي الخرطوم، والطاقم الفني بوزارة التنمية الاجتماعية، بضرورة إنشاء أول مستشفى متخصص لعلاج الإدمان في ولاية الخرطوم، ليكون نواةً لمنظومة وطنية تعالج المدمنين وتعيد دمجهم في المجتمع.
ولم تأتِ هذه الخطوة من فراغ، بل فرضتها أرقام تكشف عن اتساع رقعة الأزمة بوتيرة تنذر بالخطر. فقد كانت الإدارة العامة لشرطة مكافحة المخدرات قد أعلنت، على لسان مدير دائرة العمليات العميد محمد المكي، أنها سجلت خلال عام 2023 نحو 9364 بلاغًا مرتبطًا بالمخدرات، وأوقفت أكثر من 12 ألف متهم، فيما ضبطت 1756 كيلوغرامًا من الحشيش وكميات كبيرة من الهيروين. لكن المؤشرات لم تتوقف عند هذا الحد، إذ كشفت الشرطة في مايو الماضي عن قفزة مقلقة في البلاغات، لتصل إلى 84 ألف بلاغ، إلى جانب ضبط 1599 كيلوغرامًا من الحشيش و171 كيلوغرامًا من الكوكايين، وهي أرقام تعكس اتساع سوق المخدرات وتطور شبكات الاتجار بها بصورة غير مسبوقة.
واستعرض الاجتماع الجوانب الفنية المتعلقة بإنشاء المستشفى، بما يشمل برامج العلاج والتأهيل النفسي والاجتماعي، وآليات إعادة دمج المتعافين، إضافة إلى تقييم أوضاع المراكز العاملة حاليًا في مجال مكافحة الإدمان وسبل تطويرها، وتعزيز برامج التوعية والإرشاد في الخرطوم والولايات. وانتهى المجتمعون إلى الاتفاق على إعداد تصور هندسي وفني متكامل للمستشفى، يعقبه اجتماع آخر خلال أسبوع لوضع اللمسات الأخيرة على المشروع، في خطوة يأمل المختصون أن تمثل بداية تحول حقيقي في التعامل مع واحدة من أخطر الأزمات التي تهدد المجتمع السوداني بعد الحرب.
طاقة استيعابية
لم تعد المخدرات وجهًا خفيًا للأزمة في السودان، بل تحولت إلى وباء يتسلل بصمت، فيما تبدو الأرقام الرسمية عاجزة حتى الآن عن الإحاطة بحجم الكارثة. فبينما تتناقل الأوساط المجتمعية تقديرات متباينة عن أعداد المتعاطين، يؤكد المختصون أن الحقيقة ربما تكون أكثر قتامة مما تكشفه الإحصاءات.
يقول د. يس عباس وداعة، استشاري الطب النفسي ومقرر ملف الوقاية من المخدرات وعلاج الإدمان بوزارة الصحة الاتحادية، والذي يشغل أيضًا منصب مقرر اللجنة العليا للوقاية من المخدرات وعلاج الإدمان، إن السودان لا يملك حتى الآن قاعدة بيانات وطنية دقيقة توضح عدد مدمني المخدرات في الولايات المختلفة.
ويضيف أن غياب الإحصاءات لا يعني غياب المشكلة، بل على العكس، فالتجربة اليومية داخل المؤسسات العلاجية تشير إلى تصاعد مقلق في أعداد الحالات. ويوضح أن أقسام التنويم والعيادات المحولة تستقبل أعدادًا متزايدة من مرضى الإدمان، إلا أن هؤلاء لا يمثلون سوى جزء يسير من الواقع، لأن أعدادًا أكبر من المدمنين لا تصل مطلقًا إلى المستشفيات، سواء بسبب الوصمة الاجتماعية أو ضعف خدمات العلاج أو عدم إدراك الأسر لطبيعة الإدمان بوصفه مرضًا يحتاج إلى تدخل طبي.
وتظهر ملامح الأزمة بوضوح في ولاية البحر الأحمر، حيث يشير د. يس إلى أن مصحة علاج الإدمان هناك لم تعد قادرة على استقبال مرضى جدد بسبب الاكتظاظ الشديد، وهو مؤشر يعكس اتساع رقعة الظاهرة وضغطها المتزايد على الخدمات الصحية المحدودة.
لكن أكثر ما يثير القلق، بحسب المسؤول الصحي، هو التحولات الجديدة في طبيعة الظاهرة نفسها. فلم يعد الإدمان مقتصرًا على الرجال أو فئة عمرية بعينها، إذ بدأت الإحصاءات ترصد تزايدًا في حالات النساء اللاتي يقعن في دائرة التعاطي، وهي فئة غالبًا ما تتعرض، كما يقول، لأشكال متعددة من العنف والاستغلال، ما يجعل الإدمان بالنسبة إليهن مأساة مركبة تتداخل فيها الأبعاد الصحية والنفسية والاجتماعية.
ويشير إلى أن البيانات المتوافرة من المستشفى النفسي بمدينة بورتسودان تكشف ملامح مقلقة أخرى، إذ تحدد الفئات العمرية الأكثر استهدافًا، وتوضح أنواع المواد المخدرة الأكثر انتشارًا، في صورة تؤكد أن السودان يواجه أزمة آخذة في الاتساع، وأن مكافحتها لم تعد مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل تتطلب استجابة وطنية شاملة تجمع بين الوقاية والعلاج والتوعية وإعادة التأهيل، قبل أن يتحول هذا “السرطان الصامت” إلى تهديد يفوق في آثاره ما خلفته الحرب نفسها.
وفي ظل هذا الواقع، تتحدث تقارير حديثة عن عمليات منظمة لإغراق البلاد بأنواع مختلفة من المخدرات، وسط ارتفاع غير مسبوق في معدلات التعاطي، بينما تكشف حملات الأجهزة الأمنية تباعًا عن ضبطيات ضخمة تضم مئات الكيلوغرامات من “الآيس” والهيروين والكوكايين والحشيش، إلى جانب ملايين الحبوب المخدرة، وعلى رأسها الكبتاغون والنيرفاكس.
وأمام تصاعد الأزمة، دعا رئيس الوزراء كامل إدريس، خلال اجتماع ضم الأجهزة الأمنية والوزارات المختصة مطلع يونيو، إلى إعادة تفعيل المجالس والبرامج الوطنية المعنية بمكافحة المخدرات، مع التركيز على التوعية المجتمعية بوصفها خط الدفاع الأول في مواجهة الظاهرة.
وفي رسالة بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، لم يخفِ وزير الداخلية الفريق بابكر سمرة قلقه من حجم التهديد، معتبرًا أن الضبطيات الأخيرة تكشف عن “أجندة خبيثة” تستهدف إغراق الشباب بالمخدرات وتدمير النسيج الاجتماعي من الداخل. وأعلن الوزير عن إعداد خطة وطنية شاملة بالتنسيق مع الجهات المحلية والدولية، متهمًا قوات الدعم السريع بإدارة مصنع ضخم لإنتاج الكبتاغون في منطقة الجيلي شمال الخرطوم خلال فترة الحرب، بطاقة إنتاجية تصل إلى 700 مليون حبة، فضلًا عن العثور على كميات كبيرة من المخدرات في المناطق التي كانت تخضع لسيطرتها عقب استعادة الجيش للعاصمة.
وفي تطور آخر، كشفت الإدارة العامة لمكافحة المخدرات عن رصد مجموعات تستغل ارتداء الزي النظامي غطاءً لتسهيل عمليات الترويج والاتجار بالمخدرات داخل الخرطوم، مؤكدة أنها أعدت ملفات متكاملة بحق المتورطين تمهيدًا لتقديمهم إلى العدالة.
كما أعلنت شرطة ولاية البحر الأحمر عن معلومات تفيد بنشاط مجموعة ترتدي زيًا عسكريًا في ترويج المخدرات والمؤثرات العقلية داخل سوق ليبيا بمدينة بورتسودان. وأسفرت عملية مداهمة نفذتها قوة مشتركة من مكافحة المخدرات والاحتياطي المركزي والطوارئ والمباحث والخلية الأمنية عن اشتباك مسلح أدى إلى مقتل اثنين من المشتبه بهم، وإصابة اثنين من أفراد مكافحة المخدرات، واحتراق عربة تابعة للقوة المنفذة.
وتعززت المخاوف الرسمية مع تصريحات المدير التنفيذي لمحلية أم درمان، سيف الدين مختار، الذي اتهم جهات مسلحة – من دون تسميتها – بالضلوع في التفلتات الأمنية، وترويج المخدرات والشيشة، والاعتداء على محطات الوقود، إضافة إلى التورط في عمليات اختطاف المواطنين. وأشار إلى أن المحلية تواجه تحديات معقدة في مرحلة ما بعد الحرب، دفعتها إلى تطبيق قانون جديد يجرّم تعاطي الشيشة ويوقف منح التراخيص لمقاهيها، مع إزالة عدد من المواقع المخالفة.
في المقابل، شددت حركة العدل والمساواة على أن أي تجاوزات فردية لا تمثل القوات المشتركة أو التشكيلات العسكرية المساندة، مؤكدة أن كل من يثبت تورطه في ترويج المخدرات أو أي نشاط خارج القانون يجب أن يخضع للمحاسبة، بغض النظر عن صفته أو الجهة التي ينتمي إليها.
أما لغة الأرقام، فتكشف حجم التحول الذي شهدته البلاد خلال سنوات الحرب. فوفق بيانات الإدارة العامة لمكافحة المخدرات وتقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، ارتفعت كميات مخدر “الآيس كريستال” المضبوطة من 41 كيلوغرامًا عام 2022 إلى 318 كيلوغرامًا عام 2025، بزيادة بلغت نحو 675 في المئة خلال ثلاث سنوات فقط.
وخلال الفترة الممتدة من يناير 2024 وحتى مايو 2026، ضبطت السلطات ما يقارب 11.7 مليون حبة كبتاغون، استحوذت ولايات الخرطوم والجزيرة ونهر النيل وحدها على 62 في المئة من إجمالي المضبوطات، وهي ولايات تضم أكبر الكثافات السكانية والمؤسسات التعليمية في البلاد.
وتشير الإحصاءات إلى أن إجمالي ما ضُبط من مختلف أنواع المخدرات بين عام 2025 ومنتصف يونيو 2026 بلغ نحو 3.3 طن من “الآيس” و”الشابو”، إضافة إلى 199 كيلوغرامًا من الهيروين، و557 كيلوغرامًا من الحشيش، و105 كيلوغرامات من الكوكايين. كما كانت السلطات قد أعلنت في فبراير 2025 ضبط مصنع ضخم في الخرطوم بحري يحوي مواد خامًا تكفي لإنتاج 700 مليون حبة كبتاغون، إلى جانب نحو مليون حبة جاهزة للتوزيع، فضلًا عن ضبط 19 مختبرًا لتصنيع الحبوب المخدرة خلال عام 2023.
وتواصلت العمليات الأمنية خلال الأشهر الأخيرة، إذ أعلنت إدارة مكافحة المخدرات بولاية الخرطوم إحباط محاولة لترويج 1500 قندول من مخدر البنقو المحلي و23100 حبة من عقار “النيرفاكس” في محليتي أم درمان وشرق النيل، بينما أسفرت حملات مطاردة شبكات التهريب في ولاية البحر الأحمر عن ضبط 430 كيلوغرامًا من مخدر “الآيس” بعد اشتباكات مسلحة.
وفي ولاية الجزيرة، تحولت إحدى عمليات الملاحقة إلى مواجهة دامية انتهت بمقتل عنصرين من جهاز الاستخبارات العامة وإصابة 13 من أفراد القوة المشتركة، فيما تمكنت السلطات من ضبط نصف مليون حبة مخدرة، إلى جانب كميات من السجائر والأدوية المهربة.
لكن الخسائر التي تخلفها المخدرات لا تُقاس بعدد الضبطيات وحدها، بل تمتد إلى الاقتصاد والمجتمع معًا. ويقدر المحلل الاقتصادي محمد عوض محمد متولي، في تقرير منشور في وسائل إعلام عربية، الكلفة المباشرة لانتشار المخدرات في السودان بنحو 2.1 مليار دولار سنويًا، موزعة بين خسائر في الإنتاجية تبلغ 940 مليون دولار، ونفقات للعلاج والأمن والقضاء تصل إلى 710 ملايين دولار، فضلًا عن خسائر مستقبلية في رأس المال البشري تقدر بنحو 450 مليون دولار، وفق نماذج البنك الدولي.
ويرى متولي أن السودان لم يعد أمام أزمة أمنية عابرة، وإنما أمام تهديد مركب يستنزف الدولة على أكثر من جبهة، قائلًا إن مواجهة المخدرات تتطلب الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء حصانة مجتمعية شاملة، لأن هذه التجارة لا تستهدف الأفراد فقط، بل تضرب الأمن القومي عبر استنزاف الشباب، وتنهك الاقتصاد، وتفكك آلاف الأسر كل عام، لتصبح المخدرات، في نهاية المطاف، حربًا أخرى لا تقل خطورة عن الحرب التي ما زالت آثارها تعصف بالبلاد.
الخرشة.. موت بطيء
كانت تجلس في ركنٍ قصي من منزلها المتواضع في أحد الأحياء الطرفية بمدينة الدامر، مطرقة الرأس، تضم كفيها إلى وجهها، كأنها تحاول أن تمنع الدموع من الانهمار. لم تعد تعرف إلى أين تمضي بها الحياة، بعدما تحولت أيامها إلى سلسلة متصلة من الفقد والانتظار والخوف.
المنزل نفسه يروي حكاية الفقر قبل أن تنطق بها صاحبته. جدران متآكلة، وأثاث قليل، وصمت ثقيل يخيم على المكان. قبل سنوات، توفي زوجها، تاركًا لها أربعة أبناء؛ ثلاثة أولاد وبنتًا هي أصغرهم، بينما كان أكبرهم قد بلغ الثامنة عشرة من عمره.
تقول الأم بصوت أنهكه التعب: “اشتغلت في كل حاجة… غسيل، نظافة، أي شغل يجيب لقمة لأولادي.” لم تكن وحدها في مواجهة الحياة، فقد اضطر ابنها الأكبر إلى ترك الدراسة مبكرًا لينضم إلى سوق الأعمال اليومية، محاولًا أن يسند أمه ويعينها على تربية إخوته.
لكن الفقر كان أسرع من أحلامهم.
ومع ضيق الحال، لم يتمكن الشقيقان الأصغر من مواصلة تعليمهما، فغادرا إلى مناطق التعدين الأهلي عن الذهب، على أمل أن يعودا بما ينقذ الأسرة من الحاجة. غير أن ما عادا به لم يكن المال، وإنما مأساة جديدة.
تستعيد الأم تلك الأيام بصوت متقطع: “بعد فترة جابوا واحد منهم… كان متغيرًا شديدًا، تعبان وما بعرف الحاصل ليه.”
تقول إنها طافت به على المستشفيات، لكن الأطباء – بحسب فهمها – لم يتمكنوا من تشخيص حالته. وحين فقدت الأمل في العلاج الطبي، لجأت إلى الشيوخ والخلاوى، علّها تجد مخرجًا لما أصاب ابنها، إلا أن كل المحاولات انتهت بالفشل.
توفي الشاب داخل إحدى الخلاوى التي كانت تأمل أن تشهد تعافيه، لتخرج منها حاملة نعشه بدلًا من شفائه.
ولم تمضِ سوى فترة قصيرة حتى أعادت المأساة نفسها إنتاجها.
عاد الابن الآخر من مناطق التعدين بالحالة ذاتها تقريبًا. جسد منهك، وسلوك مضطرب، وأعراض غامضة لم تجد الأسرة لها تفسيرًا. هذه المرة، أخبرهم البعض أن ما يعانيه سببه “الخرشة”، وهو الاسم الشعبي الذي يطلقه كثيرون على نوع محدد من المخدرات.
تشير الأم إلى الغرفة المجاورة حيث يرقد ابنها، وتقول بحسرة: “ياهو بنعالج فيه… يوم كويس ويوم تعبان.”
أما الابن الأكبر، فقد أصبح يحمل عبئًا يفوق عمره. يعمل نهارًا ليؤمن قوت الأسرة، ثم يعود ليبحث عن ثمن الدواء وجلسات العلاج لأخيه، في معركة يومية بين لقمة العيش وكلفة النجاة.
لا تعرف هذه الأم أسماء المواد التي غيّرت حياة ولديها، ولا تملك إحصاءات عن حجم انتشار المخدرات في السودان، لكنها تعرف شيئًا واحدًا: أنها فقدت ابنًا، وتخشى أن تفقد الثاني بالطريقة نفسها.
في منزلها الصغير، لا تبدو المخدرات خبرًا في صحيفة أو رقمًا في تقرير رسمي، بل وجهًا للموت يطرق الباب كل يوم، تاركًا أمًا تتساءل في صمت: كم أسرة أخرى تنتظر الدور؟
لم تعد المأساة استثناءً، بل أصبحت تتكرر حتى فقدت دهشتها. عشرات، وربما مئات الأسر، تحمل الحكاية نفسها مع اختلاف الأسماء والوجوه. أمٌ باعت ما تملك لتدفع ثمن العلاج، وأبٌ دفن ابنه وهو لا يزال يحاول أن يفهم كيف انتهى به المطاف إلى الإدمان، وأطفال كبروا وهم يشاهدون أشقاءهم يتآكلون أمام أعينهم.
المخدرات لم تعد تطرق أبواب الأثرياء أو أبناء الطبقات الميسورة كما كان يُعتقد يومًا، بل اقتحمت البيوت الفقيرة قبل غيرها، مستغلة البطالة واليأس والحرب وانهيار مؤسسات الدولة. لم تعد تميز بين طالب وعامل، بين ابن مدينة أو قرية، وبين شاب وفتاة، حتى أصبح الفقر نفسه بيئة خصبة لتجار الموت.
وغالبًا ما تكون النهاية واحدة، وإن اختلف الطريق إليها؛ جرعة زائدة تخطف صاحبها في صمت، أو ذهان يحول إنسانًا كان يملأ البيت حياةً إلى جسد هائم لا يعرف أهله، أو زنزانة يقضي فيها ما تبقى من شبابه بعد أن قادته المخدرات إلى الجريمة. وفي كل مرة، لا يكون الضحية شخصًا واحدًا، بل أسرة كاملة تُسحق تحت وطأة الفقد والعار والفقر، فيما تواصل هذه السموم ابتلاع جيلٍ كامل، كأنها حرب أخرى تُخاض بلا مدافع، لكنها لا تقل فتكًا عن الحرب التي مزقت البلاد.
@عادل سياسي





