أحمد يوسف حمد… بيتٌ يشبه السودان

طارق فرح
ما إن دخلتُ قاعة الاحتفال حتى أدركت أنني لستُ أمام مناسبة زواج عادية. كانت الوجوه أكثر من مجرد مدعوين، وكانت المصافحات تحمل دفء سنوات طويلة، وكأن الحفل جمع الناس ليستعيدوا زمنًا جميلًا، وبيتًا كان، وما يزال، واحدًا من البيوت التي صنعت جانبًا عاطفيًا وثقافيًا من الذاكرة الاجتماعية في السودان.
تلك المناسبة التي جمعتنا كانت زفاف «عمرو» و«يوسف»، نجلي أحمد يوسف حمد وتيسير السنوسي إبراهيم. وما إن رأيت العريسين حتى استحضرتُ أجيالًا كاملة مرّت من هذا البيت، وخرجت منه، وعادت إليه في أيام فرحٍ تستحق أن تُروى، وتجدر بأن تُوثّق.
عرفتُ هذه الأسرة الكريمة منذ سنوات الصبا، حين جمعتنا الجيرة في حيّ واحد، ولا تزال تلك الجيرة مصدرًا لذكريات لا تنقطع. ثم جاءت الأيام لتجعل منها علاقةً أعمق من مجرد جيرة؛ فجمعتني مقاعد الدراسة بفدوى ورندة، شقيقتي أحمد، مثلما حفظنا في الذاكرة مقام التقدير والوفاء لشقيقاته الكبريات: منى، وهدى، وفتحية، كما جمعتني مقاعد الدراسة بسارة السنوسي، شقيقة تيسير (والتي تزوجها لاحقًا أخي وصديقي القانوني حسام هارون). أما بدايات صداقتي مع أخي محمد يوسف حمد فتعود إلى باكرة العمر، قبل أن توثقها الأيام وتزيدها رسوخًا.
لهذا، لم أشعر يومًا أنني ضيفٌ على هذا البيت؛ أكلتُ من موائده، وشربتُ من قهوته، وتقاسمتُ مع أهله الأفراح والأتراح، حتى أصبح جزءًا أصيلًا من ذاكرتي الشخصية، كما هو في ذاكرة كثيرين غيري.
أما أحمد يوسف حمد، فيمثل لنا دائماً ما هو أبعد من الأخ الأكبر، بل كان قدوةً حقيقية. كنا نصغره سنًا، فننظر إليه بإعجاب، ونتعلم من سلوكه وقاراً أكثر مما نتعلم من حديثه. كان كريمًا بطبعه، متواضعًا في حضوره، راقيًا في تعامله، يفتح بيته كما يفتح قلبه، فلا يشعر الداخل إليه إلا أنه بين أهله. ولا يعلم الكثيرون أن خلف هذا التواضع تاريخاً ممتداً من العمل الوطني في لندن، وقرباً صادقاً من الشريف الهندي والالتفاف حوله؛ وهو جانب سيأتي يومٌ للكتابة عنه.
ولا يستقيم ذكر أحمد دون أن يحضر في الذاكرة رفيق دربه وابن خالته صلاح المبارك؛ فمنذ أن عرفناهما، اعتدنا أن نراهما معًا، حتى أصبحا في وعينا، ونحن أصغر منهم سنّاً، رمزًا يجمع بين صدق الصداقة ودفء القرابة التي تقوم على الوفاء والثقة وتقاسم المسؤولية. وحين قرأتُ ما كتبه أحمد عن صلاح في إحدى تأملاته، وجدتُ أنه صاغ بالحروف ما كنا نشاهده بأعيننا: صداقة بدأت من الطفولة، ومشت معهما في الدراسة، والغربة، والعمل، والنجاح.
وكان بيت الأسرة مدرسةً من نوع آخر؛ لم يكن مفتوحًا للأهل والأصدقاء فحسب، بل كان مشرعاً للفن. فمن خلاله تعرّفنا إلى قمم الفنانين السودانيين، وشاهدنا عن قرب أسماءً كنا نكتفي بسماعها عبر الإذاعة وشريط الكاسيت. كان والده يوسف حمد (عليه الرحمة والرضوان)، عاشقًا للأغنية السودانية، يحتفظ بأرشيف نادِرٍ من التسجيلات، ويتابع الحركة الفنية بذائقة العارف والمحب. وفي هذا المناخ نشأ أحمد، فحمل هذا الشغف والفهم العميق للغناء، ثم واصل المشوار بإنشاء «شركة حصاد»، التي أدت دورًا رياديًا في توثيق الأغنية السودانية ونشرها، وربط المبدعين بجمهورهم، وحفظ جانبٍ أصيل من تراثنا الفني.
وإذا كان أحمد هو روح هذا البيت، فإن شريكة حياته، تيسير السنوسي إبراهيم، كانت السند في صناعة تلك الروح. وقد جاءت من بيت عريق؛ فهي ابنة الأسرة التي ينتمي إليها الراحل الطيب عبد الله، أحد أبرز رجالات ورؤساء نادي الهلال، الذي ترك أثرًا لا يزال حاضرًا في ذاكرة النادي وجماهيره.
ولعل أجمل ما يقدمه الآباء لأبنائهم ليس المال ولا الشهرة، وإنما السمعة الطيبة والأثر الحسن. ولهذا رأيتُ في «عمرو» و«يوسف» أبناء بيتٍ عرفناه بالأخلاق والتحضر قبل أي شيء آخر. وكان من دواعي سروري أن أرى العريس عمرو قد اختير عضوًا في مجلس إدارة نادي الهلال؛ وهو اختيارٌ مستحق لشاب عرفته خلوقًا ومجتهدًا، وامتدادٌ طبيعي لإرث جده الطيب عبد الله، دون أن يكون أسيرًا لذلك الإرث، بل ساعيًا لصنع بصمته الخاصة.

جاء ذلك الحضور المهيب في تلك الليلة ليعبر عن حقيقة ساطعة؛ فقد اجتمعت تحت سقف واحد أطياف المجتمع السوداني؛ سياسيون، ورياضيون، وفنانون، وإعلاميون، ورجال أعمال، وأصدقاء من أجيال مختلفة. وكان ذلك تعبيرًا صادقًا عن المكانة التي تحتلها هذه الأسرة في القلوب، وعن المحبة الاحترام اللذين بنتهما عبر سنوات من حسن المعشر وصدق العلاقات.
وما بقي في ذاكرتي وأنا أغادر الحفل يتجاوز زينة القاعة وتفاصيل الاحتفال؛ إذ استقرّ في الروح ذلك الشعور الجميل بأن السودان رغم كل ما مرّ به ما زال حاضرًا في بيوتٍ تشبه هذا البيت؛ بيوت تحفظ الود، وتجمع الناس، وتمنح أبناءها وضيوفها معنى الكرم والوفاء.
لقد فرّقتنا سنوات الغربة، ثم جاءت الحرب لتزيد الفراق عمقاً وتشتت بنا الدروب. لكن الوفاء لأهل هذا البيت ظل ثابتًا في القلب، لم تنل منه المسافات، ولم تُضعفه السنون. واليوم شاء الله أن تجمعنا مصر المؤمنة بأهل الله في مناسبة فرح، بعد أن باعدت بيننا المنافي وأوجاع الوطن؛ وفي هذا اللقاء تذكيرٌ بأن العلاقات التي تُبنى على المحبة الصادقة لا تهزمها المسافات، ولا تنقطع بمرور الزمان.
فالحديث عن أحمد وتيسير يطول، ولِكُلّ من عرفهما حكاية.
مبارك للعروسين «عمرو» و«يوسف»، وأسأل الله أن يبارك لهما وعليهما، وأن يجمع بينهما وبين زوجتيهما في خير، وأن يرزقهما السعادة والسكينة، وتظل ديارهم ودور هذه الأسرة الكريمة عامرةً بالأفراح والمودة.
وتحيةً خالصة للأخ العزيز أحمد يوسف حمد، ولشريكة دربه تيسير السنوسي إبراهيم، ولجميع أفراد هذه الأسرة الكريمة، الذين ظلوا، عبر السنين، عنوانًا للمحبة والوفاء والكرم.
كما أبعث بتحية صادقة إلى كل أهلهم وذويهم وأصدقائهم، وإلى كل من أحبهم وأحبوه، سائلًا الله أن يديم عليهم الأفراح، وأن يحفظهم جميعًا، وأن تظل بيوتهم عامرةً بالمودة كما عرفناها دائمًا.
ومع هذه الأفراح، تتجه القلوب بابتهال صامِت وتمنّيات صادقة لعودة السودان، ووقف الحرب، وعودتنا جميعاً، لتكون أفراحنا واحتفالاتنا القادمة على أرض الوطن وفي رحابه..
فالبيوت التي تُبنى على المحبة ما بتجيها الحبه، ولا تهدمها الحروب.
القاهرة 3 أغسطس 2026





