«جبهة تقراي» تشتعل مجدداً.. تداعيات أمنية وإنسانية على حدود السودان

عبدالهادي الحاج

بعد نحو أربعة أعوام من توقيع اتفاق بريتوريا المُبرم في نوفمبر 2022، والذي أنهى واحدة من أكثر الحروب دموية في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، تعود منطقة تقراي الإثيوبية إلى واجهة الأحداث مع تجدد المواجهات المسلحة بين القوات الإثيوبية الفيدرالية ومقاتلي جبهة تحرير شعب تقراي، في تطور يهدد بنسف مسار السلام الهش وإعادة إشعال بؤرة توتر تمتد آثارها إلى ما وراء الحدود الإثيوبية.

وعلى مدى السنوات الماضية، حافظت القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوات جبهة تحرير شعب تقراي على حالة من الاستنفار العسكري والحشود المتبادلة على امتداد مناطق التماس في شمال إثيوبيا، في ظل تصاعد التوترات وتبادل الاتهامات بين الطرفين بالتحضير لجولة جديدة من القتال وتقويض اتفاق السلام الموقع في بريتوريا.

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه القرن الإفريقي أوضاعاً أمنية وسياسية معقدة، تتداخل فيها النزاعات المسلحة مع التنافس الإقليمي على النفوذ، ما يثير مخاوف من تحول الأزمة إلى صراع أوسع يطال السودان وإريتريا على وجه الخصوص.

وتكتسب التطورات أهمية خاصة بالنسبة للسودان، الذي يخوض حرباً داخلية منذ أبريل 2023، إذ تتقاطع حدوده الشرقية مع بؤر التوتر في شمال إثيوبيا، فيما ترتبط أزمات البلدين بملفات أمن الحدود واللاجئين والتجارة والسلاح.

في المقابل، تراقب إريتريا التطورات عن كثب، في ظل تاريخها الطويل من الصراع مع جبهة تحرير شعب تقراي، وما تمثله أهمية الإقليم بالنسبة لها واحتمال جرها مجدداً إلى المواجهة، لاسيما في ظل علاقتها المتوترة حالياً مع الحكومة الإثيوبية.

سلام لم يغلق ملف الحرب

في الثاني من نوفمبر 2022، وقّعت الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تقراي اتفاق السلام في بريتوريا بجنوب أفريقيا، برعاية الاتحاد الأفريقي، منهيةً رسمياً حرباً دامية اندلعت في الرابع من نوفمبر 2020، واستمرت قرابة عامين.

وخلال تلك الفترة تحولت منطقة شمال إثيوبيا إلى ساحة واحدة من أعنف النزاعات في القارة الأفريقية، حيث خلّفت الحرب عشرات الآلاف من القتلى، وأجبرت ملايين المدنيين على النزوح، وتسببت في دمار واسع للبنية التحتية وانهيار الخدمات الأساسية، بينما واجهت مناطق واسعة من إقليم تقراي أوضاعاً إنسانية كارثية نتيجة الحصار وتعطل وصول المساعدات، لتُصنف الأزمة ضمن أسوأ الأزمات الإنسانية في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة.

ورغم أن اتفاق بريتوريا نجح في وقف العمليات العسكرية المباشرة، وإرساء إطار لإعادة دمج مؤسسات الدولة واستئناف إيصال المساعدات الإنسانية ونزع سلاح قوات جبهة تحرير شعب تقراي، فإنه لم ينجح في معالجة جميع جذور الصراع.

فقد أُرجئت ملفات شديدة الحساسية إلى مراحل لاحقة دون التوصل إلى تسوية نهائية، وفي مقدمتها مستقبل المناطق المتنازع عليها بين إقليمي تقراي وأمهرا، وعلى رأسها منطقة ولّقاييت الحدودية مع السودان وإريتريا، إضافة إلى قضايا ترتيبات الأمن المحلي، وعودة النازحين، وآليات الإدارة المدنية في تلك المناطق.

ومع تعثر تنفيذ بعض بنود الاتفاق واستمرار الخلافات السياسية والأمنية بين الأطراف المعنية، ظلت هذه الملفات تمثل مصدراً دائماً للتوتر، قبل أن تعود إلى الواجهة مجدداً مع تجدد المواجهات العسكرية في غرب تقراي الأسبوع الماضي، الأمر الذي أثار مخاوف من انهيار التفاهمات التي أنهت الحرب، وإعادة إدخال إثيوبيا في دورة جديدة من العنف قد تتجاوز تداعياتها حدود البلاد إلى مجمل منطقة القرن الأفريقي.

يرى الصحفي والمحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم أن التطورات الأخيرة، وما سبقها من اتهامات متبادلة وتراشق إعلامي بين أطراف الصراع، قد تلقي بظلالها على اتفاق بريتوريا، محذراً من أن استمرار حالة التصعيد والحشد العسكري قد يدفع الاتفاق نحو مزيد من التدهور.

وقال إبراهيم لـ«أفق جديد» إن هناك تحركات إقليمية ودولية تهدف إلى احتواء التوتر، في مقدمتها جهود الاتحاد الأفريقي بقيادة مبعوثه أولوسون أوباسانجو، لرأب الصدع ومعالجة الخلافات المتعلقة بتنفيذ بنود اتفاق بريتوريا، الذي وصفه بأنه أحد أهم الاتفاقات التي ساهمت في إنهاء حرب استمرت أكثر من عامين في شمال إثيوبيا.

وأضاف أن الاتفاق لا يزال يواجه تعثراً في تنفيذ عدد من بنوده، وسط ما وصفه بحالة من التعنت من الطرفين، بالتزامن مع استمرار الاتهامات المتبادلة والتصعيد الإعلامي والتحشيد العسكري، الذي تطور أخيراً إلى مناوشات مسلحة في غرب إقليم تقراي.

ورأى إبراهيم أن التحركات الجارية في هذه المرحلة ستكون لها تداعيات مهمة على مستقبل الاتفاق، مشدداً على ضرورة أن تركز الجهود الدولية والإقليمية على تمكين الطرفين من “حفظ ماء الوجه” والعودة إلى الالتزام باتفاق بريتوريا قبل انهياره بصورة كاملة.

وأشار إلى أن جبهة تحرير شعب تقراي سبق أن اتهمت الحكومة الإثيوبية بعدم الالتزام بالاتفاق، وقالت إنه “بات قريباً من الانهيار”، معتبراً أن هذه المواقف تعكس خطورة المسار الذي وصلت إليه الأزمة.

وقال إبراهيم إن الاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي في سعي إلى جانب الأطراف التي لعبت دوراً في التوصل إلى اتفاق السلام، ومن بينها الولايات المتحدة، إلى تكثيف جهود الوساطة ودفع الطرفين إلى العودة إلى طاولة الحوار، باعتبار أن التفاوض كان العامل الأساسي الذي أفضى إلى وقف الحرب السابقة.

وأوضح أن الخلافات الرئيسية تتركز حول عدد من بنود اتفاق بريتوريا، إذ تطالب الحكومة الإثيوبية جبهة تحرير شعب تقراي باستكمال ترتيبات نزع السلاح ودمج قواتها، إلى جانب قضايا أخرى، بينما تتمسك الجبهة بمطالب تتعلق بعودة النازحين إلى مناطقهم، واستعادة الميزانية المخصصة للإقليم، وإعادة الإعمار وتسوية عدد من الملفات التي خلفتها الحرب.

وأضاف أن تطورات مهمة شهدها الإقليم خلال العامين التاليين لتوقيع الاتفاق أسهمت في تعقيد هذه الملفات وأوصلت الوضع إلى مرحلة التوتر الحالية.

تصعيد على الحدود السودانية

لم تبقِ المواجهات الأخيرة تداعياتها داخل الأراضي الإثيوبية، إذ عكست التطورات الميدانية حالة من القلق الرسمي في السودان والمنطقة، في ظل تزايد المخاوف من اتساع نطاق المواجهات وتأثيراتها العابرة للحدود.

ففي السودان، أعلنت معتمدية اللاجئين التابعة لوزارة الداخلية أن المواجهات التي اندلعت في 31 يوليو بمنطقة الشريط الحدودي بين السودان وإثيوبيا أدت إلى سقوط مقذوفات داخل عدد من معسكرات اللاجئين، ما أسفر عن وقوع وفيات وإصابات.

وقالت المعتمدية إن استمرار الحشود العسكرية على الحدود يهدد بتدفق موجات جديدة من طالبي اللجوء من إثيوبيا، الأمر الذي قد يفاقم الأوضاع الإنسانية والأمنية في شرق السودان، داعيةً الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والمجتمعين الدولي والإقليمي إلى التدخل لتوفير الحماية للاجئين وتلبية احتياجاتهم الإنسانية العاجلة.

في المقابل، اتهمت الحكومة الإقليمية المؤقتة في تقراي الحكومة الفيدرالية الإثيوبية بشن هجوم عسكري جديد في غرب الإقليم، وقالت في بيان صدر في الأول من أغسطس، إن القوات الحكومية فتحت جبهة قتال من محور شيرارو، معتبرة أن ذلك يمثل تصعيداً جديداً رغم اتفاق السلام الموقع في بريتوريا عام 2022.

كما اتهمت أديس أبابا بتشديد الحصار على الإقليم، واستخدام الطائرات المسيّرة وقوات حليفة في العمليات العسكرية، واعتبرت أن التحركات الأخيرة تعكس استمرار الاستعدادات العسكرية ضد تقراي، ودعت المجتمع الدولي إلى متابعة التطورات عن كثب، محذرة من التداعيات الإنسانية والأمنية لتجدد القتال.

وتعكس هذه التطورات بصورة مباشرة حساسية موقع السودان في أي تصعيد جديد في شمال إثيوبيا؛ فالمناطق الحدودية بين البلدين لا تمثل خط تماس جغرافي فحسب، وإنما ترتبط بحركة اللاجئين وبملفات الأمن والإمداد والتجارة والسلاح، في وقت يخوض فيه السودان حرباً داخلية منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

يقول الأكاديمي والباحث في شؤون القرن الأفريقي حسن مكي، إن السودان معنيّ بصورة مباشرة بأي تصعيد جديد في إقليم تقراي، سواء أراد ذلك أم لا، بالنظر إلى تشابك الصراعات والمصالح بين دول المنطقة.

وأوضح مكي لـ«أفق جديد» أن السودان كان طرفاً مؤثراً في التحولات التي شهدتها إثيوبيا، ومنها إسقاط نظام منقستو هيلا مريام، محذراً من أن أي دعم إثيوبي لأحد أطراف الحرب في السودان – في إشارة إلى قوات الدعم السريع – وما يرتبط بذلك من علاقات مع الإمارات، قد يفضي إلى ردود فعل متبادلة تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.

وأعرب مكي عن أمله في ألا تتجه الأوضاع نحو مزيد من التصعيد، محذراً من أن اتساع نطاق المواجهة لن يخدم مصالح دول المنطقة، وأن إثيوبيا قد تكون من بين أكبر المتضررين من أي حرب جديدة.

وأكد أن مصلحة السودان تقتضي دعم مسار المصالحة وخفض التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، وكذلك بين إثيوبيا ومصر، باعتبار أن استقرار هذه العلاقات يمثل عاملاً أساسياً لاحتواء الأزمات المتشابكة في منطقة القرن الأفريقي.

وفي أول تعليق لمسؤول إثيوبي على التطورات الأخيرة، حذر السفير الإثيوبي لدى كينيا، الجنرال باتشا ديبيلي، من أن أي مواجهة عسكرية مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا ستكون لها تداعيات تتجاوز حدود البلدين، قائلاً إن اندلاع مثل هذه الحرب سيؤدي إلى “تغيير شامل في جغرافية المنطقة”.

وأضاف أن الصراع، إذا وقع، سيكون حرباً مفتوحة يصعب احتواء تداعياتها، في إشارة إلى المخاطر التي قد تهدد استقرار القرن الأفريقي بأكمله.

الطرف الغائب رسمياً والحاضر في الصراع

يبرز الدور الإريتري باعتباره أحد أكثر العوامل حساسية في التطورات الجارية في إقليم تقراي، بالنظر إلى الحدود المشتركة والتاريخ الطويل من الصراع بين أسمرا وجبهة تحرير شعب تقراي من ناحية ومع أديس أبابا من ناحية أخرى، فضلاً عن مشاركة القوات الإريترية في الحرب الإثيوبية السابقة.

ومع تجدد القتال، تتزايد التكهنات بشأن طبيعة الدور الذي قد تلعبه إريتريا، سواء عبر دعم أطراف داخل الصراع أو من خلال تدخل مباشر إذا اتسعت رقعة المواجهات، غير أن هذه التقديرات لا تزال تفتقر إلى تأكيد رسمي، إذ لم تصدر الحكومة الإريترية، حتى الآن، موقفاً معلناً بشأن الاشتباكات الأخيرة أو طبيعة علاقتها بالأطراف المنخرطة فيها.

يرى الصحفي الإريتري المقيم في أستراليا ومحرر موقع «عدوليس» الإخباري الإريتري، جمال همد، أن للوجود الإريتري أهمية خاصة في المنطقة الحدودية الثلاثية بين إثيوبيا وإريتريا والسودان، وهي منطقة وعرة ومعقدة جغرافياً، شهدت في السابق نزاعات حول تبعيتها.

وقال همد لـ«أفق جديد» إن جزءاً من هذه المنطقة أُلحِق بإقليم تقراي خلال فترة حكم رئيس الوزراء الإثيوبي الأسبق ملس زيناوي، بما وفر للإقليم منفذاً برياً باتجاه السودان، معتبراً أن المنطقة أصبحت اليوم إحدى ساحات التوتر الرئيسية في الصراع.

ويرى همد أن الحكومة الإثيوبية تسعى إلى إحكام السيطرة على المناطق الحدودية مع السودان، الذي تنظر إليه أديس أبابا، وفق تقديره، باعتباره أحد مصادر الدعم المحتملة لجبهة تحرير شعب تقراي، وفي الوقت نفسه قطع طرق الإمداد المحتملة عن جماعة «فانو» الأمهرية.

ويضيف أن للصراع بعداً إقليمياً واضحاً، إذ تعتقد الحكومة الإثيوبية أن السيطرة على الحدود ستحد من قدرة خصومها على الحصول على الدعم اللوجستي والمالي والعسكري من خارج البلاد.

من التحالف إلى التهديد

أوضح همد أن إريتريا لم تكن مؤيدة لاتفاق بريتوريا، ولم تشارك في المفاوضات التي أفضت إليه، معتبراً أن أسمرا كانت لديها رؤيتها الخاصة بشأن الحرب وعلاقتها بجبهة تحرير شعب تقراي والحكومة الإثيوبية.

وقال إن العلاقة بين الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، التي كانت في مرحلة سابقة محوراً لتحولات إقليمية واسعة، انتقلت لاحقاً إلى حالة من العداء العلني.

وبحسب همد، كان من بين تداعيات هذا التحول – وفق تقديره – احتضان إريتريا لعناصر من جماعة «فانو» الأمهرية وفتح معسكرات تدريب لها، إلى جانب محاولات التأثير في التوازنات الداخلية لجبهة تحرير شعب تقراي وتعميق الانقسامات الموجودة داخلها.

ويشير إلى أن هذه التطورات ساهمت في اتساع الخلاف بين التيارات المختلفة داخل الجبهة، ولا سيما بين المجموعة المرتبطة بالرئيس الإقليمي السابق دبرصيون جبرميكائيل والتيار الذي شارك في اتفاق بريتوريا.

ويضيف همد أن انتقال العلاقة بين أسمرا وأديس أبابا من التعاون إلى التهديد المتبادل بالحرب يرتبط – من وجهة نظره – برؤية الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لإمكانية إضعاف نظيره الإثيوبي أبي أحمد وحزبه من خلال دعم خصومه، ومن بينهم جبهة تحرير شعب تقراي و«فانو» ومجموعات أخرى.

وفي المقابل، يشير إلى أن أبي أحمد يكرر طرح قضية الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر، بما في ذلك مطالب مرتبطة بميناء عصب، وهو ما تعتبره أسمرا تهديداً مباشراً لأمنها وسيادتها.

ويرى همد أن الصراع الذي كان يجري في السابق، إلى حد كبير، عبر حروب بالوكالة وفي مناطق محدودة، بات أكثر تعقيداً مع تصاعد التوتر في تقراي وازدياد الحضور الإريتري في المناطق الحدودية.

ويشير إلى أن أسمرا لا تخفي، بحسب تقديره، اتصالاتها مع أطراف داخل تقراي ومحاولاتها بناء علاقات شعبية عبر الحدود، بينما تعتبر الحكومة الإثيوبية مثل هذه الأنشطة تدخلاً في الشؤون الداخلية للإقليم وتقويضاً لسلطة الحكومة المركزية.

ويضع همد هذا الصراع في سياق أوسع يتعلق بالخلاف التاريخي حول شكل الدولة الإثيوبية، ويقول إن أسياس أفورقي كان، منذ الفترة التي سبقت سقوط نظام منقستو هيلا مريام، في إثيوبيا عام 1991، يميل إلى نموذج الدولة المركزية القوية، بينما تبنت جبهة تحرير شعب تقراي، بقيادة رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ملس زيناوي، مشروع الفيدرالية الإثنية الذي أصبح أساس النظام السياسي الإثيوبي الحالي.

ويرى أن هذا التباين التاريخي لا يزال حاضراً في الصراع على شكل الدولة وعلاقة الحكومة المركزية بالأقاليم.

السودان في قلب الأزمة

لا يستبعد همد احتمال تدخل عسكري إريتري مباشر في المواجهة، معتبراً أن الصراع يحمل، في جانب منه، طابعاً شخصياً وسياسياً يتعلق بالتنافس بين أسياس أفورقي وأبي أحمد.

ويقول إنه إذا توسعت المعارك الحالية خارج نطاقها المحدود، أو حققت القوات الحكومية الإثيوبية تقدماً كبيراً على جبهة تقراي، فقد تلجأ إريتريا، بحسب تقديره، إلى فتح جبهة أخرى على الحدود، وربما في إقليم عفار، بهدف تشتيت القوات الإثيوبية وتوسيع نطاق المواجهة.

ويستند همد في تقديره إلى سابقة التدخل الإريتري في الحرب الإثيوبية السابقة، إذ دخلت القوات الإريترية آنذاك إلى عمق الأراضي الإثيوبية خلال الحرب التي انتهت باتفاق بريتوريا، بموافقة حكومة أبي أحمد، وفق قوله.

ويضيف أن محاولة أديس أبابا توفير غطاء قانوني لهذا الوجود الإريتري لم تنجح في تبريره بصورة تتوافق مع القانون الدولي.

وبناءً على ذلك، لا يستبعد همد حدوث تدخل عسكري إريتري مباشر في أي وقت، بل يعتقد أن أسمرا ربما تكون منخرطة بالفعل بصورة غير مباشرة في العمليات الجارية، من خلال تقديم إسناد عسكري، بما في ذلك الدعم المدفعي والصاروخي، وإن كان يؤكد أن حجم هذا الدور يحتاج إلى مزيد من التحقق.

تداعيات حرب جديدة

في ظل هذا المشهد تظهر قراءة أخرى تحذر من أن استمرار التصعيد قد يفتح الباب أمام حرب جديدة لن تتوقف تداعياتها عند الحدود الإثيوبية، ويقول المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم، إن عدم التحرك السريع لاحتواء التصعيد قد يقود إلى اندلاع حرب جديدة، مؤكداً أن تداعياتها لن تقتصر على إقليم تقراي أو إثيوبيا، وإنما قد تمتد إلى الدول والمناطق المجاورة، ولا سيما السودان وإريتريا، في ظل الأوضاع الأمنية والسياسية المتوترة أصلاً في المنطقة.

ورجح إبراهيم أن تشهد الفترة المقبلة تحركاً مكثفاً من الاتحاد الأفريقي، الذي قال إنه بدأ بالفعل مساعيه لاحتواء الخلاف بين الطرفين حتى قبل تحول التوترات الأخيرة إلى مناوشات عسكرية.

وبالنسبة للسودان، يرى إبراهيم أن الخطر لا يرتبط فقط باحتمال اندلاع حرب جديدة بين إثيوبيا وإريتريا أو اتساع القتال داخل تقراي، وإنما أيضاً باحتمال انتقال التداعيات إلى الحدود السودانية في صورة موجات نزوح جديدة، وضغوط أمنية وإنسانية أكبر، وتداخل إضافي بين مسارات الحرب السودانية والصراعات الإقليمية المحيطة بها.

وعلى الصعيد الداخلي الإريتري، يتوقع جمال همد، أن يؤدي تصاعد التوتر الإقليمي إلى تحويل إريتريا إلى ما يشبه معسكراً للتعبئة العسكرية، مع احتمال تكثيف حملات التجنيد والاستنفار.

ويرى أن ذلك سيحدث في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإريتري من صعوبات معيشية ونقص في الغذاء والمياه والكهرباء والوقود، معتبراً أن استمرار حالة التوتر والتعبئة قد يوفر للرئيس أسياس أفورقي بيئة سياسية وأمنية مواتية لتعزيز سيطرته الداخلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى