الكوليرا وشح المياه يدفعان الأبيض نحو كارثة إنسانية

أفق جديد
بين أحياء أنهكتها الحرب ومخيمات نزوح تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، يخوض سكان مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان معركة جديدة لا تقل قسوة عن القتال نفسه. فمع تفشي الكوليرا، وشح مياه الشرب، وانهيار خدمات الصحة والإصحاح، تقف المدينة أمام واحدة من أخطر أزماتها الإنسانية، بينما تتصاعد التحذيرات من أن استمرار تدهور الأوضاع قد يحول الأزمة الصحية إلى كارثة واسعة النطاق، يدفع ثمنها المدنيون، ولا سيما الأطفال.
حذرت منظمة “بلان إنترناشونال” من أن مدينة الأبيض تقف على أعتاب كارثة إنسانية نتيجة تفشي الكوليرا، بالتزامن مع نقص حاد في الغذاء ومياه الشرب، وسط تدهور متسارع في الأوضاع الصحية والإنسانية.
وقالت المنظمة، في بيان، إن مئات الآلاف من سكان المدينة يواجهون مخاطر متزايدة مع انتشار وباء الكوليرا، في وقت تعاني فيه الأبيض فجوة في إمدادات مياه الشرب تقدر بنحو 70%، بسبب خروج مصادر الإمداد الرئيسية عن الخدمة جراء الحصار والهجمات التي شنتها قوات الدعم السريع، إضافة إلى تضاعف عدد السكان مع تدفق النازحين.
وأوضحت أن الأضرار الواسعة التي لحقت بالمرافق الصحية وشبكات الصرف الصحي، إلى جانب الأمطار الغزيرة وسوء أوضاع الإصحاح في مواقع النزوح، أسهمت في تسريع انتشار المرض، مؤكدة أن الوضع الإنساني يقترب من مرحلة كارثية.
يقول المواطن عيسى بشارة لـ”أفق جديد”: “أصبح الحصول على مياه نظيفة هو أكبر هم يومي. نقضي ساعات في البحث عن المياه، وعندما نجدها لا نكون متأكدين من صلاحيتها للشرب. أكثر ما نخشاه هو إصابة أطفالنا بالإسهال أو الكوليرا، لأن الوصول إلى العلاج لم يعد سهلاً”.
من جهتها تقول امرأة نازحة في مركز إيواء، لـ”أفق جديد”: “المراحيض قليلة مقارنة بعدد الناس، ومع الأمطار تزداد الأوساخ والروائح. الأطفال يمرضون باستمرار، ولا تتوفر الأدوية إلا نادرًا. نخشى أن ينتشر المرض أكثر إذا استمرت الأوضاع كما هي”.
بدوره قال عبد الله الجيلي وهو شاب متطوع لـ”أفق جديد”: “نلاحظ أن الناس أصبحوا أكثر وعيًا بضرورة غلي المياه وغسل الأيدي، لكن المشكلة أن كثيرًا من الأسر لا تجد ماءً كافيًا أو وسائل التعقيم، لذلك يصعب تطبيق الإرشادات الصحية”.
وأفاد طبيب يعمل في أحد المرافق الصحية فضّل حجب هويته لـ”أفق جديد”: “نستقبل يوميًا حالات تعاني من الإسهال الحاد والجفاف، وبعضها يصل في مراحل متقدمة بسبب تأخر الوصول إلى المرافق الصحية. الضغط على الكوادر الطبية كبير، في ظل محدودية الإمدادات الطبية ونقص المحاليل الوريدية وبعض المستلزمات الأساسية”.
وأضاف: “الكوادر تعمل لساعات طويلة، لكن الأعداد المتزايدة للمرضى تفوق الإمكانات المتاحة. الوقاية تبقى أهم وسيلة حاليًا، لأن استمرار تزايد الإصابات قد يرهق النظام الصحي أكثر”.
لافتًا إلى أن “الحد من انتشار الكوليرا لا يعتمد على العلاج فقط، بل على توفير مياه آمنة، وتحسين خدمات الصرف الصحي، وتسريع حملات التوعية والاستجابة. إذا استمرت مشكلات المياه والإصحاح، سيظل خطر انتشار الوباء قائمًا”.
تستضيف مدينة الأبيض نحو 105 آلاف نازح يقيمون في مخيمات ومراكز إيواء، في ظل مخاوف من تدهور أوضاعهم مع استمرار استهداف المدارس ومحطات الوقود والكهرباء والأسواق.
ورغم نجاح الجيش السوداني، الفترة الماضية، في إبعاد خطر هجوم بري على المدينة بعد استعادة مناطق بارا وجبرة الشيخ ومواقع أخرى على طريق الصادرات، فإن الأبيض لا تزال تتعرض لهجمات بطائرات مسيّرة.
ودعت المنظمة المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لحماية الأطفال، محذرة من أن عدم زيادة المساعدات الإنسانية بشكل فوري وكبير قد يؤدي إلى وفاة مزيد من الأطفال بسبب الأمراض وسوء التغذية.
وقال مدير منظمة “بلان إنترناشونال” في السودان، محمد كمال، إن فرق المنظمة رصدت خلال الأسابيع الماضية تدهورًا كبيرًا في الأوضاع الإنسانية التي يعيشها الأطفال وأسرهم في المدينة.
وأضاف أن الكوليرا تنتشر في عدد من الأحياء بفعل الأمطار المتواصلة والهجمات الأخيرة بالطائرات المسيّرة، التي عطلت مرافق صحية حيوية وحرمت آلاف المرضى من الحصول على العلاج والأدوية المنقذة للحياة.
وأشار إلى أن الفتيات يواجهن مخاطر متزايدة من العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، كما يكن غالبًا الأقل حصولًا على الغذاء عند اشتداد الأزمة، لافتًا إلى تسجيل حوادث عنف جنسي بحق نساء وفتيات أثناء توجههن إلى نقاط المياه المعزولة.
وأضاف أن مئات النازحين يواصلون الوصول إلى الأبيض، رغم الاكتظاظ الشديد في مراكز الإيواء وافتقارها إلى أبسط الخدمات الأساسية.
وأكد محمد كمال أن الأطفال يظلون الفئة الأكثر عرضة للخطر، إذ يواجهون احتمالات أكبر للإصابة بالأمراض وسوء التغذية، إضافة إلى مخاطر التجنيد من قبل الجماعات المسلحة، وآثار نفسية طويلة الأمد جراء استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة والأسلحة المتفجرة.
وأشار إلى أن منظمة “بلان إنترناشونال” تواصل تقديم المساعدات المنقذة للحياة للأطفال وأسرهم في الأبيض، رغم انقطاع الكهرباء والمياه، وتعطل الإمدادات الغذائية، والقيود التي تعيق وصول المساعدات الإنسانية إلى المدينة.
في مدينة أنهكتها الحرب، لا تبدو الكوليرا سوى وجه جديد لأزمة إنسانية تتفاقم يومًا بعد آخر. وبين نقص المياه والغذاء، وتراجع الخدمات الصحية، واستمرار النزوح، يبقى الأطفال والمرضى وكبار السن الأكثر عرضة للخطر. وإذا لم تصل المساعدات الإنسانية بالسرعة والحجم المطلوبين، فقد تجد الأبيض نفسها أمام كارثة كان يمكن الحد من آثارها قبل فوات الأوان.





