ثلاثية التخلف.. إهدار طاقة المجتمع بين العصبية والأصولية والاستبداد

الهادي الشواف

ليس التخلف مجرد نقص في المصانع أو تأخر في التكنولوجيا أو انخفاض في معدلات التنمية، فالمجتمعات قد تمتلك الموارد والثروات والمؤسسات، ومع ذلك تظل عاجزة عن تحويل إمكاناتها إلى قوة منتجة، جوهر المشكلة في جانب مهم منها يكمن في طريقة تشكل الإنسان وعلاقته بالسلطة والمعرفة والآخر.

ومن هنا تكتسب أطروحة المفكر مصطفى حجازي حول ثلاثية العصبيات والفقه الأصولي والاستبداد أهميتها إذا حاولنا إسقاطها على المجتمع السوداني، فهي لا تتعامل مع التخلف باعتباره حالة اقتصادية فحسب، وإنما باعتباره بنية نفسية واجتماعية وسياسية تعيد إنتاج الإنسان المقهور وتبدد طاقته وتمنعه من أن يتحول من موضوع للتاريخ إلى فاعل فيه.

فالعصبية في معناها الاجتماعي والسياسي لا تعني مجرد الانتماء إلى القبيلة أو الجماعة فحسب، ولكنها تتحول إلى مشكلة عندما يصبح الانتماء بديلًا عن المواطنة، والولاء للجماعة بديلًا عن الاحتكام إلى القانون والعقل والمصلحة العامة، عندها لا يعود السؤال: «ما الصحيح؟»، وإنما يصبح: «مع من أنت؟». وهنا يبدأ انهيار المجال العام، إذ تتحول السياسة إلى صراع هويات، ويصبح المختلف خصمًا بالضرورة، حتى لو كان شريكًا في الوطن.

وقد أدرك ابن خلدون مبكرًا قوة العصبية في بناء الجماعات والدول، لكنه بيّن كذلك أن العصبية حين تستولي على الحكم يمكن أن تتحول من أداة للتأسيس إلى وسيلة للاستئثار والتمكين والطغيان، وفي العالم الحديث تصبح المشكلة أكثر تعقيدًا عندما تتداخل العصبيات القبلية والجهوية والطائفية والحزبية مع السلطة والثروة والسلاح.

أما الفقه الأصولي، فالمشكلة ليست في الدين ولا في التراث ولا في احترام الموروث، وإنما في تحويل التاريخ إلى سلطة فوق التاريخ، وتحويل النصوص والتفسيرات القديمة إلى أجوبة نهائية عن أسئلة لم تكن موجودة في زمانها، فالمعرفة التي تتوقف عن مساءلة نفسها تتحول من أداة لتحرير العقل إلى أداة لإغلاقه وتعطيله.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين التراث بوصفه ذاكرة حية، والتراث بوصفه سجنًا معرفيًا؛ الأول يمنح الإنسان جذورًا، أما الثاني فيكبله ويمنعه من الحركة، ولذلك فإن المشكلة ليست في أن نعود إلى الماضي لنفهمه، بل في أن نُجبر الحاضر على العيش في الماضي.

إن كارل بوبر، في دفاعه عن المجتمع المفتوح، جعل قابلية الأفكار للنقد والتفنيد شرطًا أساسيًا لتقدم المعرفة، وليس هناك علم يتقدم لأنه أعلن امتلاكه الحقيقة النهائية، بل لأنه يسمح لنفسه بأن يُراجع ويُصحح ويتجاوز، ولذلك فإن الحضارة الحديثة قامت في جوهرها على مبدأ بسيط وعميق: لا توجد فكرة بشرية فوق النقد، وهذا ما يفسر الفارق بين العقل النقدي والعقل الأصولي المغلق؛ العقل النقدي يقول: ربما أكون مخطئًا، أما العقل المغلق فيبدأ من اليقين وينتهي إليه، الأول ينتج المعرفة، والثاني ينتج الطاعة.

 

ثم يأتي الاستبداد ليكمل الدائرة، فهو لا يكتفي بالسيطرة على مؤسسات الدولة، ولكنه يسعى إلى السيطرة على المجال العام والنفسي للمجتمع، يجعل الناس يخافون ويشك بعضهم في بعض، ويحوّل الاختلاف إلى تهمة، والنقد إلى خيانة، والاستقلال في التفكير إلى خروج على الجماعة، وهنا تلتقي أفكار حنّة أرندت مع ما طرحته حول الأنظمة الشمولية من حيث قدرتها على تفكيك الروابط الاجتماعية المستقلة وإنتاج العزلة والخوف، كما تلتقي مع تحليل فوكو للعلاقة بين السلطة والمعرفة، حيث لا تعمل السلطة بالقوة المادية وحدها، وإنما تنتج أيضًا أنماطًا من الخطاب تحدد ما يُسمح للناس بأن يقولوه ويفكروا فيه.

 

لكن أخطر نتائج الاستبداد ليست أن الناس يخافون من الحاكم وبطشه، وإنما أن يتعلموا أن يخافوا من أنفسهم، عندها يتحول الإنسان إلى رقيب على ذاته، ويبدأ في حذف أفكاره قبل أن يحذفها الآخرون، وهذه هي اللحظة التي ينتصر فيها الاستبداد فعليًا، عندما يصبح القهر خارجيًا وداخليًا في الوقت نفسه، وهنا نصل إلى الإنسان الذي تحدث عنه مصطفى حجازي.. الإنسان المقهور الذي تُهدر طاقته وتُنتزع منه روح المبادرة والفاعلية، ويُدفع إلى البحث عن خلاصه في «الزعيم المنقذ» بدلًا من بناء قدرته الذاتية على الفعل، ومن أخطر آليات هذا الوضع أن الإنسان قد يتكيف مع القهر إلى درجة يصبح فيها الدفاع عن النظام الذي يقهره جزءًا من دفاعه عن ذاته.

وهكذا تنتج الثلاثية بعضها بعضًا وتسندها وتعضدها.. فالعصبية تمنح الاستبداد قاعدة اجتماعية، والأصولية تمنحه شرعية رمزية، والاستبداد يحمي العصبيات والأصوليات التي يحتاج إليها للاستمرار في السلطة، وفي قلب هذه الدائرة تُهدر الطاقة الفعالة والحية والمنتجة للمجتمع في صراعات غير منتجة.. قبيلة ضد قبيلة، جماعة ضد جماعة، مؤمن ضد مؤمن، حزب ضد حزب، وزعيم ضد زعيم، وتتناسل المليشيات لتكرس دوامة الحروب والصراعات.

والنتيجة مجتمع مشغول دائمًا بالصراع، لكنه قليل الانشغال بالإنتاج وتحصيل المعرفة، مجتمع يستهلك طاقته في إثبات الولاءات بدلًا من بناء المؤسسات، وهنا يمكن فهم استمرار طاحونة الحرب في السودان بوصفها أكثر من مجرد صراع على السلطة، فالحرب تصبح في بعض مستوياتها نتيجة لبنية اجتماعية وسياسية لم تنجح في الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق التعاقد، ومن الزعيم إلى المؤسسة، ومن البيعة إلى الانتخاب والنيابة، ومن الطاعة إلى المواطنة، ومن الولاء الشخصي إلى الالتزام بالبرنامج والقانون.

إن الخروج من هذه الدائرة وتجاوز هذا الثالوث يتطلب انقلابًا في مفهوم السياسة ذاته، بحيث يصبح الحاكم وكيلًا لا مالكًا، ومكلفًا لا متفضلًا، ومسؤولًا لا مقدسًا، وأن يصبح الانتخاب تفويضًا مشروطًا ببرنامج، والمعرفة معيارًا للكفاءة، والرقابة حقًا للمجتمع، والمحاسبة جزءًا من النظام السياسي لا فعلًا استثنائيًا، وهنا تلتقي الفكرة مع باولو فريري، الذي رأى أن التعليم الحقيقي لا ينبغي أن يصنع متلقيًا سلبيًا، ولكنه يجب أن يصنع ويؤسس لإنسانًا قادرًا على قراءة العالم ونقده وتغييره، فالتعليم الذي يحفظ المعلومات دون أن يحرر العقل قد يصنع موظفًا جيدًا للنظام القديم، لكنه لا يصنع مواطنًا قادرًا على بناء نظام جديد.

لذلك فإن التعليم والوعي هما نقطة كسر الثلاثية، ليس التعليم بمعناه المدرسي الضيق، وإنما التعليم الذي يخلق السؤال ويقبل الاختلاف ويدرّب الإنسان على التحقق والحجة والنقد والتجاوز، ويمنحه القدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين المقدس والتاريخي، وبين الوطن والجماعة، وبين الدولة والحاكم، لقد فتحت ثورة ديسمبر في السودان نافذة واسعة على إمكانية استعادة الإنسان لفاعليته، كما أن الثورة الرقمية جعلت المعرفة أقل احتكارًا من أي وقت مضى، ولم يعد الكتاب محصورًا في مكتبة، ولا المحاضرة في جامعة، ولا المعرفة في يد فرد أو مؤسسة واحدة.

 

ومع اتساع التعلم الذاتي وانتشار وسائل الاتصال أصبح من الممكن بناء وعي جديد يتجاوز احتكار المعرفة والسلطة، لكن التكنولوجيا وحدها لا تحرر الإنسان، فيمكن للهاتف الذكي أن يكون أداة للمعرفة، ويمكن أن يكون أداة لإعادة إنتاج القطيع، الفارق هو نوع الوعي الذي يستخدمه، ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط مع الاستبداد السياسي، وإنما مع الثقافة التي تجعل الاستبداد ممكنًا، ومع العصبية التي تجعل المواطن تابعًا لجماعته، ومع الجمود الفكري الذي يجعل الماضي حكمًا على المستقبل، والمطلوب إذن ليس هدم الماضي، وإنما تحرير المستقبل من احتجازه وسجنه، وليس إلغاء الدين أو التراث، وإنما تحريرهما من التوظيف السياسي الذي يحولهما إلى أدوات للهيمنة والاستبداد، وليس إلغاء الزعامة، وإنما تحويلها من شخصنة السلطة إلى مؤسسات، وليس رفض الجماعة، وإنما نقل الإنسان من عصبية الجماعة إلى فضاء المواطنة.

فكل تقدم يبدأ من فكرة أن ما وصلنا إليه ليس نهاية الطريق، وكما أن العلم يتقدم بالنقد والتجاوز، فإن المجتمع أيضًا لا يستطيع أن يتقدم إلا إذا امتلك شجاعة مراجعة أفكاره ومؤسساته وعلاقاته، فما يصلح لمرحلة تاريخية قد لا يصلح لمرحلة أخرى، وما كان حلًا بالأمس قد يصبح مشكلة اليوم، لذلك فإن كسر ثلاثية العصبيات والأصولية والاستبداد لا يبدأ فقط بتغيير الحاكم، وإنما بتغيير الإنسان الذي اعتاد أن يبحث عن حاكم يبايعه، وعن جماعة يحتمي بها، وعن يقين مغلق يعفيه من مشقة التفكير.

إن الطريق إلى سودان مختلف يمر من هنا.. من إنسان تابع إلى مواطن، ومن عقل مقلد إلى عقل ناقد، ومن جماعة متصارعة إلى مجتمع متعاقد، ومن سلطة شخصية إلى دولة مؤسسات، وعندها فقط يمكن للطاقة الحية التي ظل التخلف يبددها في الصراع أن تتحول إلى طاقة بناء، فالمشكلة لم تكن يومًا أن السودان يفتقر إلى الطاقة البشرية، وإنما أن هذه الطاقة ظلت زمنًا طويلًا حبيسة ومحاصرة بين العصبية والجمود والاستبداد، والتحدي الحقيقي أمام جيل ما بعد الحرب هو أن يحررها لتنطلق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى