عودة «ألطاف».. حرب ما بعد الحرب

مغيرة حربية

حين فتحت «ألطاف» بيتها لأول مرة بعد الحرب، عائدة من المملكة العربية السعودية، وجدت أن كل ما توقعته بمثابة صفر كبير، فالواقع أفدح من كل خيال وتوقُّع.

طوال أكثر من ثلاث سنوات بقيت بعيدة عن البيت كمكانٍ ومأوىً عزيز، لكنه ظل يسكنها، في حنين متبادل جارف، وهي في لجوئها الاضطراري. تتذكره زاوية زاوية، غرفة غرفة وشجرة شجرة، تفتقد الجارات اللواتي يتبادلن معها الزيارات والأنس النهاري وجدل توزيع الصندوق الشهري. تشتم روائحه العبقة وروائح الكماين في الجوار وعبق بخور «عشة» بائعة الشاي صديقتها ذات الضحكة الممراحة، وتشتاق أكثر للعب «باسكيت بول» مع زوجها وبناتها الفارعات في الميدان المنزلي قرب الحديقة في البيت الذي شيدته، بعد طول اغتراب، بالصبر والحب والأمل، في قرية «ود البخيت» الوادعة، قريبًا من النيل.

ثكنة عسكرية

«اندلعت الحرب فوق رأسنا صبيحة 15 أبريل، شهدنا الرعب والقنابل والرصاص يتطاير من كل جهة. بعد يومين قررنا المغادرة فورًا من كل السودان». تقول «ألطاف» في حديثها إلى «أفق جديد»، وهي تستدعي ذكرى أيام شديدة الرعب والخوف والزعر، ومن ثم تضيف: «ما كُنَّا نتصور أن تندلع الحرب، بكل هذه الشراسة، من هذه المسافة القريبة».

بقي بيتها المُشيَّد من طابقين خاليًا لأشهر ثلاثة، ذبلت الورود ويبست الحديقة وماتت فيه كل حياة. بعدها استخدمته استخبارات الجيش كثكنة وموقع استطلاع، دون مقابل، مما عرّض واجهته الأمامية للقصف والتخريب مرات عديدة، لكنه نجا، قياسًا بحجم التدمير الذي تعرض له محيط القرية.

لعام كامل لم تتحصل «ألطاف» على أي أخبار عن البيت وما يحصل فيه. انقطعت الاتصالات وهجر الجيران المنطقة بعد أن صارت مسرحًا نشطًا للعمليات الحربية واشتداد القصف المدفعي على المنازل وسقوط كثير من المدنيين بين جريح وقتيل، وتبدل السكان في رحلة النزوح والنزوح المضاد.

أخذت تتسقط الأخبار الشحيحة، وبعد عام ونصف عرفت أن أسرةً نازحةً سكنت البيت قبل أن تتركه لأسرة نازحة أخرى، ثم غيرهم وغيرهم: «فقدنا كثيرًا من الأثاث، عفوُ الله والرسول»، تقول «ألطاف» وهي منشرحة الصدر.

ترميم الروح

وافقت عودة «ألطاف» وزوجها ظروفًا صعبة، تفشٍّ طاحن للغلاء وأزمات متتابعة تتزامن مع برمجة قاسية تمتد لنحو 20 ساعة في اليوم، بعد انقطاع الكهرباء عن أربع ولايات، وانقطاع المياه عن المنطقة، لكنها تستخدم لوحي طاقة شمسية للإنارة ليلًا ولتقاسم شحن هواتف الجيران خلال ساعات النهار، وتفتح البيت ليتزودوا بالمياه القليلة من الحنفية الرئيسية التي تعمل فقط خلال ساعات الصباح الأولى، تحاول قدر المستطاع مد يد العون للآخرين.

«تركت البنتين ليكملا تعليمهم في الخارج وسأبقى هنا رغم صعوبة العيش، لا أدري».

تثابر «ألطاف» وزوجها بدأب يومي، مستفيدين من أجواء الخريف، لترميم الحديقة الخربة واستعادة روح البيت القديمة قبل الحرب. ينظفان الحشائش ويبذران الخضروات ويشتلان الأصايص بزهور جديدة ويستقبلان الجيران بابتسامة مرحة وكرم أصيل: «الله ما يقطع العشم بين الناس».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى