على نار الحطب… حيث تطبخ الحياة من جديد

كرياندونغو/ سمر سليمان

قبل أن تميل الشمس نحو الغروب بساعات يبدأ نهار آخر داخل أحد المطابخ المجانية في معسكر كرياندونغو للاجئين السودانيين. لا توقظ المكان أصوات السيارات أو حركة الأسواق، بل صوت الحطب وهو يكسر وارتطام القدور المعدنية الكبيرة ولهيب نار يحاول المتطوعون إبقاءه مشتعلًا مهما اشتد الدخان.

الدخان هنا ليس عابرًا.

إنه يملأ المكان حتى تكاد الوجوه تختفي خلفه، ويجعل العيون تدمع والأنفاس تتثاقل والملابس تتشرب رائحته لساعات طويلة، ومع ذلك لا يتراجع أحد.

يعرف كل من يقف حول النار أن خلف كل قدر قصة، وأن خلف كل وجبة أطفالًا ينتظرون منذ الصباح، وأمهات يحاولن إخفاء قلقهن، وشيوخًا أنهكهم الجوع قبل أن ينهكهم العمر.

مع حلول الظهيرة تبدأ رحلة إعداد الطعام.

يحمل المتطوعون أكياس الدقيق والذرة والعدس وما توفر من الخضروات، يفرغونها في القدور الضخمة ويحركونها بعصي خشبية طويلة (المفراكة) فوق نار الحطب التي لا تهدأ. تمر الساعات بطيئة بينما يزداد الدخان كثافة، ويزداد معها الإصرار على ألا تنطفئ النار قبل أن تنضج الوجبة.

وحين يحين وقت التوزيع بعد صلاة العصر يتغير المشهد.

تمتلئ الساحة بطوابير طويلة من الرجال والنساء والأطفال.

يحمل كل واحد منهم إناءً صغيرًا، لكنه يحمل معه أيضًا أمنية أكبر من حجمه: أن يعود إلى خيمته (الكرنك) بطعام يكفي أسرته حتى صباح اليوم التالي.

لا أحد يتحدث كثيرًا.

الجوع يجعل الصمت أكثر بلاغة.

الحرب التي لحقت بهم

عندما غادر هؤلاء السودانيون بيوتهم كانوا يظنون أن أصعب ما في الرحلة هو النجاة من الرصاص.

لكن بعد الوصول إلى أوغندا اكتشف كثير منهم أن النجاة من الحرب لا تعني النجاة من الجوع.

تركوا خلفهم منازلهم وحقولهم وأعمالهم وذكرياتهم، ووصلوا إلى المعسكر حاملين ما استطاعوا حمله.

أما اليوم فكثير منهم لا يملكون سوى انتظار وجبة واحدة تُطهى فوق نار الحطب.

 

مطبخ… بدأ بفكرة وانتهى بأمل

وسط هذا الواقع اجتمع عدد من الشباب اللاجئين، وقرروا أن يفعلوا شيئًا مهما كان بسيطًا.

يقول معتصم أحمد، سكرتير المطابخ المجانية:

«لم نعد نستطيع مشاهدة الأطفال وهم ينامون جائعين. لم تكن لدينا إمكانات كبيرة، لكن كان لدينا شعور بأن علينا أن نفعل شيئًا».

من تلك الفكرة الصغيرة ولدت المطابخ المجانية.

وبحسب القائمين عليها، توسعت المبادرة حتى أصبحت تضم خمسة وعشرين مطبخًا موزعة على عشرين كلسترًا داخل المعسكر، تقدم وجبة يومية يعتمد عليها آلاف اللاجئين.

لكن هذا الأمل لا يزال هشًا.

فكل وجبة تصل إلى الناس تبدأ بتبرع، وإذا توقف التبرع تتوقف النار، وتتوقف معها القدور.

ويقول معتصم بصوت يخالطه القلق:

«أكثر ما نخشاه أن يأتي يوم نقف فيه أمام الناس ولا نجد ما نطهوه لهم».

الوجه الآخر للطعام

ما يراه الناس هو الوجبة.

أما ما لا يرونه فهو الساعات الطويلة التي يقضيها المتطوعون أمام النار.

تقف أميمة أحمد منذ الظهيرة وهي تحرك الطعام داخل القدر الكبير.

وجهها يغطيه الدخان، ويداها تحملان آثار الحرارة.

تقول:

«أحيانًا لا نستطيع فتح أعيننا من شدة الدخان (قدد عيونا والله غالب)، لكن عندما نرى الأطفال يأكلون نشعر أن كل التعب يختفي».

ثم تتوقف لحظة قبل أن تضيف:

«هناك أطفال نعرف أنهم لن يأكلوا شيئًا إذا لم تصلهم هذه الوجبة».

عندما يصبح الطعام أمنية

الوجبات لا تختار، بل تفرضها الإمكانات.

إذا وجد العدس يطهى العدس.

وإذا لم يوجد يستخدم ما هو متاح.

 

أحيانًا تُعد العصيدة مع (الجنجارو)، وأحيانًا مع ملاح السمك المجفف (الكجيك)، أو بأي مكونات تصل عبر التبرعات.

حتى (المديدة) التي كانت تقدم للأطفال توقفت في أربعة مطابخ بسبب نقص المواد.

كل نقص في المخزن يعني أن مئات الأطباق ستبقى فارغة.

(نقسمها بين سبعة)

تقف زهرة حسن في الطابور منذ وقت طويل.

بين يديها وعاء صغير.

وعندما تمتلئ به الوجبة، تبتسم ابتسامة خفيفة.

تقول:

«هذا الوعاء سيأكل منه سبعة أشخاص» (كعب العدم يابتي).

ثم تصمت قليلًا قبل أن تكمل:

«في بعض الأيام لا نجد إلا الماء والملح. الحرب أخذت منا كل شيء، لكننا نحمد الله على هذه الوجبة».

لا يبدو الوعاء كبيرًا.

لكن في عيني زهرة يبدو أكبر من ذلك بكثير.

إنه يعني أن أطفالها سينامون الليلة وقد وجدوا ما يسكت جوعهم.

بعد أن يرحل الجميع

مع انتهاء التوزيع تخلو الساحة شيئًا فشيئًا.

يحمل كل شخص وجبته ويعود إلى خيمته (الكرنك).

أما المتطوعون فيبقون.

يغسلون القدور التي اسودت من النار، ويرتبون المكان، ثم يفتحون المخزن.

ينظرون إلى ما بقي من أكياس الدقيق والذرة.

يتبادلون النظرات.

لا أحد يقولها بصوت مرتفع، لكن الجميع يفكر في السؤال نفسه:

هل سيكون لدينا ما نطهوه غدًا؟

خاتمة

في هذا الركن الصغير من معسكر كرياندونغو لا تقاس الحياة بالأيام، بل بالوجبات.

كل قدر يغلي فوق نار الحطب يعني أن طفلًا سيجد ما يأكله، وأمًّا ستعود إلى خيمتها بشيء تقدمه لأسرتها، وشيخًا لن ينام على معدة خاوية.

وربما لهذا السبب يواصل المتطوعون الوقوف وسط الدخان كل يوم، رغم التعب ورغم قلة الإمكانات ورغم القلق الذي لا يفارقهم.

فهم يعرفون أن انطفاء النار هنا لا يعني نهاية يوم عمل فقط…

بل قد يعني بداية ليلة جوع جديدة لآلاف اللاجئين الذين لم يعد لديهم بعد الله سوى ما يُطهى في هذه القدور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى