البرهان وصمود.. حوار الساعة خمسة وعشرين

عثمان فضل الله

عثمان فضل الله

إذا نجح الفريق أول عبد الفتاح البرهان في جذب تحالف «صمود»، أو جزء مؤثر منه، إلى الحوار الذي يستعد لترتيبه، فإنه قد يكون أمام واحدة من أكثر المناورات السياسية تأثيراً منذ اندلاع الحرب. فضم قوى مدنية ذات حضور سياسي إلى مسار يقوده الجيش لن يكون مجرد توسعة لقاعدة الحوار، بل يمكن أن يمنح قيادة القوات المسلحة غطاءً مدنياً وسياسياً تحتاج إليه بشدة، ويعيد رسم صورة الصراع داخلياً وخارجياً.

يدرك البرهان أن معركته لا تدور في الميدان وحده. فالحرب، في أحد وجوهها الأساسية، صراع على الشرعية وعلى من يملك حق تمثيل الدولة. ومن هنا فإن نجاحه في استقطاب جزء من القوى المدنية التي ظلت ترفع شعار إنهاء الحرب والعودة إلى الحكم المدني يمكن أن يساعده في تقديم المعركة باعتبارها دفاعاً عن مؤسسات الدولة في مواجهة قوة متمردة عليها، وليس حرباً بين طرفين عسكريين متنافسين على السلطة.

وقد يكون هذا هو الجانب الأكثر ذكاءً في الخطوة: نقل مركز الثقل من سؤال «كيف تنتهي الحرب؟» إلى سؤال «من يمثل الدولة؟». فإذا دخلت قوى مدنية وازنة في حوار مع البرهان، فإن ذلك قد يمنح خطابه السياسي شرعية إضافية، وربما يضعف في الوقت نفسه قدرة خصومه على احتكار خطاب السلام والحكم المدني.

لكن هذه المناورة تحمل مخاطر كبيرة أيضاً على البرهان نفسه.

اختبار صمود

غير أن هذا التصور يصطدم بفرضية أساسية باتت حاكمة داخل «صمود» بحسب ما هو معلن وما تنقله قيادات عديدة في التحالف: أن أي حوار يُجرى في ظل الحرب الجارية، وضمن الاصطفاف الحالي، لا يمكن أن يكون مدخلاً لحل سياسي، بل قد يتحول إلى أداة لتقنين الواقع الذي أفرزته الحرب وتثبيته. ومن هذا المنطلق، فإن المشاركة في حوار تقوده المؤسسة العسكرية لا تُرى كفرصة للتأثير، بقدر ما تُفهم كخطوة قد تمنح شرعية لنتائج الحرب قبل إنهائها.

لذلك فإن الموقف الغالب داخل «صمود» يقوم على رفض الدخول في أي مسار تفاوضي لا يضع وقف الحرب كشرط سابق، ولا يفتح أفقاً واضحاً لتفكيك ترتيبات القوة التي نشأت خلال الصراع. فالحوار في ظل الاصطفاف الحالي، من وجهة نظر هذا التيار، لا يعيد إنتاج السياسة بقدر ما يعيد إنتاج الانقسام نفسه، ولكن بصيغة أكثر رسوخاً.

السؤال الأصعب إذن ليس ما إذا كان البرهان قادراً على فتح الباب أمام «صمود»، وإنما ما إذا كانت قيادات التحالف مستعدة للدخول من هذا الباب أصلاً، في ظل قناعة متزايدة بأن أي مشاركة قد تُستخدم لتجميل واقع الحرب لا لتغييره.

فـ«صمود» نشأ أساساً من رحم الأزمة التي قادت إلى الحرب، وقدم نفسه باعتباره مشروعاً مدنياً يسعى إلى إنهاء القتال واستعادة المسار السياسي. ولذلك فإن أي انخراط في حوار لا يكون هدفه وقف الحرب، ولا يقطع مع منطق الاصطفاف العسكري، يُنظر إليه باعتباره انحرافاً عن جوهر المشروع، لا امتداداً له.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية أمام قيادات التحالف: كيف تحافظ على موقفها الرافض لتقنين الحرب، وفي الوقت نفسه لا تُغلق تماماً أبواب التأثير على مسارها؟

ليس مطلوباً من القوى المدنية أن ترفض الحوار لمجرد أن البرهان هو من دعا إليه. فالسياسة في جوهرها هي القدرة على التمييز بين مسارات تفاوض تُنهي الحرب، ومسارات تُعيد إنتاجها بأدوات سياسية. لكن المشاركة لا تكون ذات قيمة إلا إذا كانت مرتبطة بشرط واضح: أن يكون الهدف هو إنهاء الحرب وتفكيك بنيتها، لا إدارة نتائجها أو التعايش معها.

مكسب مزدوج

بالنسبة إلى البرهان، فإن استقطاب «صمود» سيكون مكسباً سياسياً كبيراً حتى لو لم ينجح الحوار في الوصول إلى اتفاق نهائي. مجرد جلوس قوى مدنية بارزة معه يمكن أن يُستخدم لإظهار أنه ليس معزولاً سياسياً، وأنه قادر على مخاطبة القوى المدنية، وأن الحرب ليست مشروعاً عسكرياً خالصاً.

أما بالنسبة إلى «صمود»، فإن الدخول في الحوار قد يمنحها فرصة نادرة للتأثير المباشر في مستقبل البلاد، لكنه في الوقت نفسه قد يضعها أمام اختبار أصعب: كيف تحافظ على استقلالها وهي ترفض في الأساس أي مسار يُبنى على تثبيت نتائج الحرب أو تقنينها؟

لذلك فإن المسألة لا ينبغي أن تُقاس بمن يجلس مع من، وإنما بما إذا كان هذا الجلوس يفتح طريقاً لإنهاء الحرب، أم يعيد ترتيبها سياسياً تحت عناوين جديدة.

إذا كان الحوار سيقود إلى وقف الحرب وفتح الطريق أمام انتقال مدني حقيقي، فإن المشاركة يمكن أن تكون عملاً سياسياً ضرورياً. أما إذا كان الهدف هو إعادة إنتاج السلطة تحت مظلة عسكرية مع واجهة مدنية، فإن «صمود» قد تجد نفسها أمام ثمن سياسي باهظ يتمثل في فقدان جوهر مشروعها.

ذكاء سياسي

قد يكون البرهان أكثر ذكاءً مما يبدو في إدارة هذه اللحظة. فاستقطاب خصوم سياسيين أو قوى مدنية إلى طاولة الحوار قد يكون أكثر فاعلية من محاولة حسم كل شيء عسكرياً. لكن الذكاء السياسي لا يقاس فقط بالقدرة على جذب الخصوم، بل أيضاً بالقدرة على تقديم تنازلات تجعل هذا الانفتاح ذا معنى.

وفي المقابل، فإن ذكاء «صمود» لا ينبغي أن يقاس برفض الحوار أو قبوله، وإنما بقدرتها على التمسك بفرضيتها الأساسية: أن أي مسار لا ينهي الحرب أولاً، ولا يفكك نتائجها، هو مسار يعيد إنتاج الأزمة لا حلها.

الفكرة الأساسية هنا أن نجاح البرهان في فتح قناة مع «صمود»، أو حتى في إعادة رئيس الوزراء السابق د. عبد الله حمدوك إلى موقعه، لا يعني بالضرورة أنه اقترب خطوة واحدة من إنهاء الحرب. فالمشكلة ليست في غياب واجهة مدنية عن المشهد، وإنما في غياب اتفاق سياسي قادر على الوصول إلى الطرف الذي يملك القوة العسكرية الفعلية.

ورغم استبعادي بدرجة كبيرة أن تنخرط «صمود»، أو حتى قوى مدنية موجودة بالداخل مثل الحزب الشيوعي، في حوار بالصيغة التي قد يسعى إليها البرهان، فإن افتراض نجاح هذه المحاولة يفتح سؤالاً أكثر جوهرية: ماذا بعد الحوار؟

إذا انتهى الأمر بضم «صمود» أو جزء منها إلى ترتيبات سياسية جديدة، أو بإعادة حمدوك إلى رئاسة الحكومة، من دون مسار متزامن وجاد للتفاوض مع الطرف الآخر في الحرب، فإن النتيجة قد لا تكون أكثر من تقوية معسكر البرهان وإعادة ترتيب مكوناته المدنية والسياسية. وسيظل أصل الأزمة قائماً: جيشان، سلاح، جبهات مفتوحة، وبلد يدفع ثمن الحرب.

وهنا تكمن خطورة إعادة إنتاج تجربة ما بعد انقلاب أكتوبر 2021، حين جرى التعامل مع الأزمة باعتبارها أزمة ترتيبات سياسية يمكن حلها بإعادة توزيع المواقع والوجوه، بينما كان جوهر الأزمة أعمق من ذلك بكثير. فإعادة حمدوك، حتى لو حدثت، لا تمنحه تلقائياً القدرة على إنهاء الحرب، كما أن دخول قوى مدنية في حوار مع البرهان لا يحول الحوار بذاته إلى عملية سلام.

الاختبار الحقيقي

نجاح البرهان، في أي محاولة لفتح قناة مع «صمود» أو غيرها، لن يقاس بعدد القوى التي يستطيع جذبها إلى طاولة الحوار، ولا بالأسماء التي يمكن إعادة تدويرها في الحكومة، وإنما بقدرته على تحويل هذا الحوار إلى مدخل لإنهاء الحرب نفسها.

فالطرف المدني الذي يدخل حواراً مع البرهان سيكون أمام معادلة شديدة التعقيد: هل يدخل لترميم معسكر سياسي وعسكري قائم، أم يدخل لفتح الطريق أمام تسوية تنهي الحرب وتؤسس لمرحلة انتقالية جديدة؟

والأهم من ذلك: هل يستطيع البرهان أن يذهب بالحوار إلى النقطة التي يصبح فيها الطرف الآخر في الحرب جزءاً من عملية سياسية لإنهائها، أم أن المطلوب هو حوار مدني داخل معسكر واحد، وظيفته منح الحرب غطاءً سياسياً جديداً؟

إقناع السودانيين

النجاح الحقيقي للبرهان، إذا أراد لهذه المبادرة أن تكون ذات معنى، سيكون في إقناع السودانيين بأن الحوار ليس محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي تحت سقف الحرب، ولا وسيلة لإضفاء شرعية مدنية على معسكر عسكري، وإنما طريق فعلي إلى وقف القتال.

وهنا تحديداً يصبح السؤال الحاسم:

هل يُراد من الحوار إنهاء الحرب وتفكيك آثارها، أم تقنين الواقع الذي أنتجته الحرب وإعادة تدويره سياسياً؟

الفرق بين المسارين ليس تفصيلاً سياسياً. إنه الفرق بين عملية سلام حقيقية وبين مجرد إعادة توزيع للكراسي بينما تظل البنادق في الميدان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى