اتهامات استخدام السلاح الكيميائي .. أداة ضغط على الجيش أم ملف حقوقي؟!

علاء الدين بشير
منذ إعلان الإدارة الأمريكية نيتها التصعيد ضد الجيش السوداني على مزاعمها ضده باستخدامه أسلحة كيميائية خلال حربه الحالية ضد قوات الدعم السريع، يشتعل الجدل في المنصات السودانية بين السودانيين بخلفياتهم السياسية المختلفة، بين داعمين للاتهامات الأمريكية، ورافضين لها بشكل جذري، وآخرون مشككون في السردية وفي النوايا الأمريكية على خلفية قصف إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون لمصنع الشفاء للأدوية بالخرطوم بحري بزعم إنتاجه أسلحة دمار شامل على أثر معلومات استخبارية اعترفت واشنطن لاحقًا أنها خاطئة وأنها وقعت فريسة تضليل من بعض الأطراف التي لها أجندة سياسية خاصة مناوئة لنظام الرئيس المخلوع عمر البشير من دول الإقليم التي كانت تناصبه العداء وبعض عناصر المعارضة السودانية في ذلك الوقت. وتدخلت في الجدل الحالي عن استخدام الجيش للسلاح الكيميائي بعض قيادات تحالف صمود وقيادات أخرى في المنظمات المدنية والحقوقية السودانية المختلفة.
إستراتيجية بائسة!
ابتداءً أرى أن تماهي تحالف صمود وغيره من نشطاء المعارضة المدنية مع الاتهامات الأمريكية للجيش باستخدام أسلحة كيميائية خلال هذه الحرب، ومحاولة تعبئة أشرعة سفنهم سياسيًا منه من أجل شيطنة الجيش وإثبات إجرامه في محاولتهم للموازنة السياسية والأخلاقية بين إجرام الطرفين المتحاربين في تقديري إستراتيجية بائسة.
الاتهامات الجنائية في مجال القانون الدولي الإنساني دائمًا ذات طبيعة شخصية وتستهدف القادة وليس المؤسسات، وإن كانت الوصمة تلحق بالمؤسسة في التحليل الأخير. فمذكرة المحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس عمر البشير ذكرت في نصها: (إن الرئيس البشير من خلال سيطرته المطلقة على الدولة، استخدم القوات المسلحة والاستخبارات والمليشيات والقضاء والدبلوماسية والإعلام في ارتكاب الجرائم والتستر عليها).
صحيح أن التطورات اللاحقة في القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي بدخول نظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية لا تعفي المسؤولين والقادة في المستويات الدنيا بحجة تلقيهم أوامر من القيادة العليا، لكن تظل الاتهامات شخصية والمؤسسات أداة وليست فاعلًا، بينما الوصمة تلاحقها أخلاقيًا وسياسيًا إلا أن تجرى إصلاحات حقيقية لتطهير سمعتها.
وبالقياس إلى ذلك فإن إثبات ارتكاب الجيش للجرائم ضد شعبه لا تحتاج إلى الذهاب إلى واشنطن واستلاف ذخيرتها، فصحيفته الجنائية مكتوبة بدماء السودانيين في أطراف السودان وكذلك في مركزه.
فإسقاطه البراميل المتفجرة بواسطة طائرات الأنتنوف على المدنيين في قرى دارفور وجبال النوبة وقبلها في جنوب السودان أكثر دموية وفظاعة من استخدامه السلاح الكيميائي، وصناعته المليشيات المسلحة وإطلاق يدها دون ضابط قانوني أو أخلاقي (وعلى رأسها قوات الدعم السريع نفسها) والموثقة في تحقيقات أعلى المؤسسات الدولية وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي والمحكمة الجنائية الدولية وكذلك من اللجنة الوطنية المشكلة من رئاسة الجمهورية للتحقيق في انتهاكات دارفور برئاسة الراحل مولانا دفع الله الحاج يوسف، كانت نتائجه أكثر بشاعة على السكان المدنيين في دارفور ومناطق أخرى من السودان.
وأنا أعي جيدًا أن المجال ليس مجال مقارنة بين أي الأدوات والأساليب المستخدمة ضد السودانيين كانت هي الأكثر فظاعة.
شبهات حول النوايا
في تقديري مسألة الاتهامات الأمريكية للجيش باستخدام أسلحة كيميائية خلال هذه الحرب، تحيط بها شبهات حول النوايا أنها لا تُشهر من أجل الحرص على حقوق الإنسان ومنع ارتكاب جرائم الحرب، وإنما كورقة ضغط سياسية ضد قيادة الجيش في سياق الدبلوماسية القسرية لواشنطن من أجل إجبار قيادة الجيش على النزول إلى مقاييس مشروع التسوية الأمريكية للنزاع القائم المرفوض في جوهره منها لأنه يقوم على مساواته بالدعم السريع. هذا لا يعني أن الجيش لم يستخدمها في هذه الحرب أو خلال حروبه السابقة وخاصة في جبال النوبة، ولكني ومن خلال متابعتي لهذه الاتهامات منذ بروزها أول مرة وحتى الآن تتأكد شكوكي في مصداقية هذا التلويح الأمريكي الذي متى ما ثبت عدم جدواه أو استجابت قيادة الجيش لمطالب واشنطن بأي طريقة من طرق الصفقات السرية التي يجيدونها، فستسحب الإدارة الأمريكية هذا الكارت وتترك الأطراف خاصة السودانية منها والتي تولت كِبر تسويقه أمام الرأي العام السوداني والدولي في حرج كبير من أمرها، الأمر الذي يمكن أن يلقي بظلاله على كامل ملف الانتهاكات وجرائم الحرب في السودان.
لذا كان الأنسب لصمود تحديدًا وبعض القوى السياسية الأخرى لاعتبارات الحساسية السياسية والقانونية والأخلاقية أن يتركوا الملف يأخذ دورته كاملة في أضابير المؤسسات الدولية حتى يصل حده ويُتخذ بشأنه قرارًا ثم بعد ذلك يمكنهم التعاطي معه بالشكل اللائق لأنه ملف فني وحقوقي بحت ليس محلًا للصراع أو المزايدة السياسية بينهم وبين الجيش وسلطته. فكما لا يجارون الروايات التي تتهم الإمارات بدعم قوات الدعم السريع لاعتبارات كثيرة ومفهومة، كان يجدر بهم فعل الشيء نفسه مع هذه الاتهامات الأمريكية للجيش باستخدام أسلحة كيميائية.
كيف بدأت القصة
بدأت قصة اتهامات أمريكا للجيش باستخدام السلاح الكيميائي في تسريب معلوماتي تضمنه تقرير إخباري مقتضب كتبه الصحافيان المرموقان في صحيفة نيويورك تايمز، جوليان إي بارنز، مراسلها المخضرم المتخصص في شؤون الأمن القومي، وكبير مراسليها لإفريقيا، ديكلان والش. والأخير كان زار السودان نهاية العام قبل الماضي وتحرك في مناطق واسعة من ولاية سنار مرورًا بالجزيرة وحتى الخرطوم بعد طرد قوات الدعم السريع منها بإذن من الجيش وتحت حمايته. بعدها ضمّن والش تغطيته هذه في تقرير عادي عبارة عن مشاهدات وانطباعات ولقاءات مع المواطنين وبعض المسؤولين والقادة العسكريين لكنه لم يُشِر بأي طرف إلى مسألة استخدام أسلحة كيميائية.
بعد نحو شهر أو أكثر من تلك الزيارة، نشر والش وزميله بارنز تقريرهما الإخباري المشترك في السادس عشر من يناير من العام الماضي يتحدث عن استخدام الجيش للسلاح الكيميائي استنادًا إلى تصريحات أدلى بها لهما أربعة مسؤولين أمريكيين كبار لم يذكرا أسماءهم ولا صفاتهم. وقالوا إن الجيش السوداني استخدم السلاح الكيميائي مرتين على الأقل وفي مناطق نائية ضد مقاتلي قوات الدعم السريع، لكنهم أعربوا عن خشيتهم من إمكانية استخدامها مرات أخرى في مناطق مكتظة بالسكان المدنيين، وخلص المسؤولون الأربعة في استنتاجاتهم أن الاستخدام تم بتوجيه مباشر من قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وأن نوعية المادة المستخدمة هي غاز الكلور الذي يسبب تشوهات دائمة في الأنسجة البشرية.
وهنا أرى أنه من المهم إعطاء بعض المعلومات عن صحافي نيويورك تايمز، ديكلان والش، فهو إيرلندي وليس أمريكي، كما أنه يمكن أن نقول عنه إنه (نسيب) للجيش السوداني، فهو متزوج من كاتبة العمود الشهيرة في صحيفة الغارديان البريطانية، السودانية نسرين مالك، ابنة رئيس هيئة أركان الجيش السوداني الأسبق، محمد عثمان مالك. وحسب ما علمت كانت كل قيادة الجيش السابقة حاضرة في عقد قرانه وقيل أن وكيله كان وزير الدفاع الأسبق الفريق أول، عوض بن عوف. وربما فسّر ذلك السهولة التي دخل بها والش البلاد وهي في خضم الحرب المستعرة ومن ثم تحركه في مناطق واسعة تحت حماية الجيش وربما مستغلًا مركباته أيضًا وهو امتياز لم يحظ به حتى الصحافيين السودانيين ولا حتى مراسلي الوكالات والفضائيات الأجنبية بينهم.
المتابع لتقارير والش وخاصة تلك التي كتبها عن الحرب السودانية وأبعادها الجيوسياسية والمعلومات الحساسة التي اشتملت عليها واستناده فيها إلى مصادر أمريكية في الاستخبارات ومؤسسات الأمن القومي الأخرى، يتأكد عنده أن الرجل موصول بدوائر المعلومات وصنع القرار في واشنطن.
وقد حكى لي زميل يراسل صحيفة الغارديان البريطانية أنه التقاه داخل السفارة الأمريكية بالعاصمة التشادية إنجمينا ولاحظ المكانة التي يحظى بها والتسهيلات الكبيرة التي يجدها دونًا عن غيره من الصحافيين.
وكتب والش وشارك في نشر أخطر التقارير الاستقصائية التي تناولت الحرب السودانية والداعمين الخارجيين المتورطين فيها، في كل الميديا العالمية حتى الآن.
صمت دولي
خلق تقرير بارنز ووالش زخمًا إعلاميًا كبيرًا ولكنه محدود جدًا في مداه الزمني إذ لم يتجاوز يومًا واحدًا خاصة في وسائل الإعلام العربية التي تغطي تطورات الحرب السودانية، لكن لم يعلق عليه أي مسؤول أمريكي أو أممي أو أوروبي ولا حتى من المنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية OPCW في لاهاي والتي يتمتع السودان بعضوية مجلسها التنفيذي. ولا تتدخل المنظمة بإرسال فرق تفتيش إلا بطلب من دولة عضو بعد تقديم الأدلة والإثباتات الكافية أو عبر تكليف من مجلس الأمن الدولي.
في غضون ذلك الصمت الدولي إزاء الاتهامات الأمريكية للجيش السوداني، كانت مساعي تسوية النزاع السوداني تراوح مكانها بقيادة المبعوث الأمريكي خلال إدارة الرئيس بايدن، توم بريللو والتي تعثرت تحت الشروط المتشددة لقيادة الجيش رغم أنه استجاب لكثير منها بما في ذلك مقابلته البرهان في بورتسودان متنازلًا عن شروط البروتوكول الأمني الأمريكي إلى جانب مخاطبة البرهان كتابة بصفته رئيسًا لمجلس السيادة. ثم تواصلت المساعي خلال إدارة الرئيس ترامب بقيادة صهره وكبير مستشاريه لشؤون إفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس ولكنها لم تحدث اختراقًا كبيرًا حتى الآن.
بعد أربعة أشهر من نشر تقرير ديكلان والش في نيويورك تايمز وتحديدًا في مايو من العام 2025، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانًا اتهمت فيه رسميًا الجيش السوداني باستخدام السلاح الكيميائي في حربه ضد قوات الدعم السريع.
وجاء في بيان الناطقة الرسمية باسم الوزارة، تامي بروس أن الولايات المتحدة قررت رسميًا في 24 أبريل نيسان بموجب قانون (مراقبة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والقضاء على الحرب) لعام 1991 أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيماوية العام الماضي، لكنها لم تحدد نوع الأسلحة المستخدمة أو موعد أو مكان استخدامها على وجه الدقة.
وقامت واشنطن لاحقًا بفرض عقوبات على الجيش السوداني وسلطته الحاكمة في بورتسودان نتيجة لتلك الاتهامات انحصرت في حظر التمويل وتصدير التكنولوجيا إليها.
ومع الاتهام الرسمي الأمريكي ظل الصمت الدولي قائمًا ولم تساير واشنطن فيه أيًا من العواصم الغربية الأخرى ولا الأمم المتحدة ولا حتى المنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية ولا حتى المنظمات الإقليمية الأخرى. ما يشير ربما إلى عدم قناعة تلك الدول والمؤسسات بالحيثيات التي بنت عليها واشنطن اتهاماتها أو أنها لم تُملّك تلك الحيثيات. بينما رفض الجيش السوداني الاتهامات واعتبرها كيدية وتقوم على أسس غير صحيحة. لكن واشنطن قالت إنها ظلت ومنذ إدارة بايدن تعمل على هذا الملف مع عدة جهات بينها الأمم المتحدة، إلا أنها لم تثبت ذلك كما أنها لم تسعَ إلى إرسال فرق تحقيق فنية منها أو من المنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية OPCW.
بناء الملف!
وكانت واشنطن قد أطلقت نفس الاتهامات ضد الرئيس بشار الأسد ونظامه باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد خصومه وحتى ضد المدنيين في منطقتي غوطة دمشق عام 2013 وخان شيخون عام 2017، واستندت في اتهاماتها تلك إلى أدلة وفرتها أجهزتها الاستخبارية وكذلك معلومات من إسرائيل وتركيا عبارة عن تسجيلات تحتوي على تنصت لأوامر القادة السوريين بما فيهم بشار الأسد وهم يتناقشون حول خطط استخدام الأسلحة الكيميائية إضافة إلى صور أقمار صناعية وعينات من التربة الأمر الذى مثل ملفًا مكتملًا تبنته بعدها المنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية. فهل واشنطن الآن في طور إعداد الملف فيما يخص الجيش السوداني أم أن وراء المسألة سيناريوهات أخرى؟!
الراجح عندي أن تحريك واشنطن لهذا الملف حاليًا الغرض منه مساومة قيادة الجيش السوداني وتحديدًا البرهان أو لموازنة الضغط بينه والدعم السريع في حال استجابت الولايات المتحدة للضغوط الإعلامية والحقوقية والسياسية الداخلية واضطرت إلى تصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية دولية بعد أن اتهمتها بارتكاب إبادة جماعية في دارفور. ويدعم هذا الاستنتاج عندي أمران:
الأول هو إغلاق جلسة لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس الأمريكي عن الحرب في السودان في الخامس من أغسطس الماضي وتصنيفها جلسة عالية الخصوصية لتضمنها إحاطة استخبارية عالية السرية، وليس هناك أمر يمكن أن يصنف أمريكيًا سري للغاية في كل تفاصيل حربنا العبثية الحالية إلا المعلومات والضغوط التي تكاثرت على الإدارة الأمريكية عن دعم أبوظبي حليفها الإقليمي القوي لقوات لدعم السريع الأمر الذي يتسبب في إطالة أمد النزاع السوداني واستمرار معاناة السودانيين، والشبهات التي تطارد الرئيس الأمريكي ترامب في هذا الملف بوجود مصالح شخصية وعائلية مع أبوظبي.
الأمر الثاني هو النبرة اليائسة التي لفّت خطاب قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو حميدتي الأخير، وخاصة من المجتمع الدولي ما يشير إلى توقعه تطورات على الصعيد الدولي غير سارة بالنسبة له.
بين سرديتين!
بدا واضحًا بالنسبة لي أن الناطق باسم تحالف صمود، الدكتور بكري الجاك ورغم أن خطابه كان عموميًا في مقاله الذي نشره الأسبوع الماضي بعنوان: (موت العقلانية في سجال المواقف والسذاجة السياسية الماحقة في مسألة استخدام الأسلحة الكيميائية) ولكنه يركز على ما كتبه الدكتور قصي همرور مشككًا في الأسس التي بنت عليها واشنطن مزاعمها باستخدام الجيش للسلاح الكيميائي، ومسترجعًا مزاعم مشابهة لها بنت عليها غزو العراق وقصفت بموجبها مصنع الشفاء في السودان، ثم اتضح أن مزاعمها كانت خاطئة. ويعد قصي أحد المناهضين بهمة وقوة وحجة لكل السرديات التي نشأت عن أسباب الحرب الحالية ومن أشعلها، ويرفض تمامًا أي مساواة بين طرفيها وظل منتقدًا دائمًا لخطابات تقدم أولًا ثم صمود حاليًا وحتى للأصوات التي يراها مؤيدة للدعم السريع بين الجمهوريين.
كتابات الدكتور بكري الجاك وحراق الروح الظاهر فيها منشأها غيرة حقيقية وإشفاق على البلد وشعبها جراء الحرب الوحشية وتداعياتها المأساوية، وخشية من المآلات الأكثر قتامة التي يراها بأدواته المعرفية العديدة ومنها عدسة المثقف والناشط السياسي والأستاذ المرموق في الأكاديميا الأمريكية والتي ربما لا تتاح رؤيتها إلا لقليلين من المشتبكين مع محنتنا الوجودية الحالية.
ومع تأميني على ما أوضحه بكري بأن أمريكا دولة مؤسسات ولها القدرة على تصحيح أخطائها وأن الأمريكيين أنفسهم هم من كشف أخطاء غزو العراق وضرب مصنع الشفاء، وهي دفوعات كنت دائمًا أستخدمها سابقًا في مناقشاتي الداعمة للمحكمة الجنائية الدولية والاستثناء الممنوح لأمريكا من ملاحقاتها، لكن أرى أن هذه الحجج تحتاج الآن لكثير من الفحص والتدقيق.
فالقرارات التي اتخذت لغزو العراق لم تكن خاطئة فقط وإنما كانت متعمدة ومدفوعة بالأيديولوجيا اليمينية المتطرفة وبالمطامع الرأسمالية، ومع أنها كُشفت لاحقًا وتم الاعتذار عنها ولكن كانت نتيجتها كارثية على دول وشعوب بما في ذلك الشعب الأمريكي نفسه، ولم ينهض العراق من كبوتها حتى الآن.
وفي رواية أخرى لم تعصم تلك المؤسسات واشنطن من الوقوع فريسة لخداع واحتيال وتضليل واسعة من شخصية مثل عالم الرياضيات العراقي ورجل إيران أحمد الجلبي التي كشف قصتها الصحافي الأمريكي الاستقصائي الحائز على جائزة إيمي، آرون روستون في كتابه ذائع الصيت الذي صدر قبل سنوات تحت عنوان: (الرجل الذي دفع أمريكا إلى الحرب the man how pushed America to war)
التضليل والمطامع يعودان مرة أخرى!
عادت الأيديولوجيا والمطامع الرأسمالية في نسخة أكثر تطرفًا مع إدارة ترامب الحالية وتهدد بتقويض ليس مؤسسات الدولة الأمريكية وآليات المجتمع المدني والصحافة المستقلة والديمقراطية الأمريكية التي أتاحت تصحيح الأخطاء الفادحة سابقًا، ولكن حتى النظام الدولي القائم على القواعد الذي أسهم عبر الضغط الأخلاقي في الخلفية في المساعدة على كشف الأخطاء الكبيرة السابقة التي قادت لحروب دامية وتجاوزات كبيرة للقانون الدولي وحقوق الإنسان، وليس أدلّ على ذلك من سعي ترامب وإداراته الدؤوب لتقويض أسس العدالة الدولية وإعلانها صراحة على لسان أعلى المسؤولين أنها ستفكك المحكمة الجنائية الدولية، وقد دفع ذلك أصواتًا مؤثرة في الصحافة ووسائل الإعلام والمجتمع المدني في أمريكا للتساؤل عن ما يخشاه ترامب وأركان إدارته بصورة شخصية من مساعيهم لتقويض القانون الدولي، وخلصوا إلى أنهم يخشون الملاحقة القضائية بعد انتهاء أجل الإدارة الحالية وفاز خصومهم الديمقراطيون في الانتخابات القادمة، وذلك على التجاوزات في إيران وفنزويلا وضربات زوارق المخدرات ومآسي عمليات الترحيل القسرية للمهاجرين، بل يخشي آخرون أن تمتد الملاحقة حتى غزو أفغانستان والتي تلاحق الجيش الأمريكي فيها شبهات باستخدامه أسلحة كيميائية ضد عناصر طالبان والقاعدة في كهوف جبال تورا بورا.
وفي السياق حذرت محللة الاستخبارات والمسؤولة الرفيعة السابقة بمجلس الأمن القومي خلال إدارتي بايدن وترامب، جوليا كوريلي، من عمليات تسييس الاستخبارات الأمريكية التي تراها تمضي بوضوح خلال إدارة ترامب، وحكت في مقال لها بمجلة Lawfare الأسبوع الماضي، كيف أن قائدها الجنرال أجبرها قبل أكثر من عقدين حينما كانت تخدم في الشرق الأوسط على تغيير خلاصات استنتاجاتها كمحللة استخبارات في تقييمها الأخير الذي أوشكت على رفعه للقيادة في واشنطن عن الأوضاع السيئة في مسار العمليات في العراق بآخر ينسجم مع توجهات المحافظين الجدد الذين يسيطرون على الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس جورج بوش الابن، فاستجابت لأنها كانت محللة صغيرة في ذلك الوقت. وأضافت قصة أخرى عن نائب رئيس مكتب الاستخبارات الوطنية خلال إدارة ترامب الحالية الذي خلص إلى أنه لا توجد وقائع تدعم صلة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي اعتقلته الإدارة الأمريكية بعد عملية استخبارية عسكرية اقتحمت فيها قصره ليلًا خلال يناير الماضي واقتادته هو وزوجته وزجت بهما في أحد سجون نيويورك حيث تجرى محاكمتهما الآن، بقطار دي أراغوا الذي كانت الاستنتاجات الأولية تقول أن، رئيس فنزويلا يهرّب المخدرات إلى أمريكا من خلاله، لكن مديرة الاستخبارات الوطنية المستقيلة مؤخرًا، تولسي غابارد طلبت من المحلل الاستخباراتي تغيير تقييمه هذا لينسجم مع رغبات الرئيس ترامب فرفض ذلك وكان مصيره الطرد من الخدمة، بينما تتعرض الإدارة الأمريكية للإحراج الآن خلال محاكمة مادورو.
وعلى ذات النهج استقال مدير مركز مكافحة الإرهاب جو كينت في مارس الماضي من منصبه بعدما أعلن أن إيران لا تمثل تهديدًا وشيكًا للأمن القومي. وهو نفس الاستنتاج الذي كان خلص إليه تقييم استخبارات الدفاع الذي تسرب إلى الصحافة، ولكن الإدارة الأمريكية تجاهلت كل ذلك وانخرطت في الحرب ضد إيران التي لم تخرج منها حتى الآن.
كل تلك الوقائع تجعلنا ننظر إلى المخاوف التي أثارها الدكتور قصي همرور في مقاله مهما كان الاختلاف مع مرئياته بخصوص حربنا الناشبة، بقدر من التروي والحكمة.
وعلى صمود وبقية القوى السياسية والمدنية النأي بأنفسهم وبقضية الشعب السوداني العادلة من أن يصبحوا تروسًا في ماكينة الضغوط والمساومات الاستخبارية والمصالح الجيوسياسية حتى ينجلي أمرها على واضحة، فهناك متربصين ومستفيدين مثل هذه الأخطاء وسيزيدون الحطب والنار ضرامًا لحفلات شوائهم في محارق الرأي العام السوداني، وهؤلاء بعض من اشتكى بكري الجاك جهالاتهم في مقاله المذكور أعلاه.
علاء الدين – بشير





