السلاح داخل المدرسة.. حادثة اعتداء على معلم تفتح ملف عسكرة الحياة التعليمية في السودان

ابتسام حسن – أفق جديد
لم تقتصر آثار الحرب في السودان على الخسائر البشرية والدمار والنزوح، بل امتدت إلى سلوك المجتمع وعلاقاته اليومية، مع تصاعد مظاهر العنف وانتشار السلاح وتراجع هيبة المؤسسات المدنية. وفي ظل هذه التحولات، باتت المدارس، التي يفترض أن تكون بيئة آمنة للتعليم والتربية، عرضة بدورها لتداعيات الحرب وما خلفته من توتر وعنف.
وتكشف واقعة الاعتداء على معلم داخل مدرسة التدريب المتوسطة بمحلية كرري، عقب خلاف يتعلق بمعاقبة طالب، عن جانب مقلق من هذه التحولات؛ إذ تطور الخلاف إلى اعتداء على المعلم وإشهار سلاح داخل حرم المدرسة من جانب ولي أمر الطالب، في حادثة أثارت موجة واسعة من الاستنكار وفتحت نقاشاً حول حدود العلاقة بين المعلم والطالب وولي الأمر، وسبل حماية المؤسسات التعليمية من العنف والسلاح. وبينما برر ولي الأمر تصرفه بما تعرض له ابنه من ضرب، أدانت لجنة المعلمين الواقعة وطالبت بالتحقيق والمساءلة، في وقت فتح فيه المجلس القومي للطفولة تحقيقاً بشأن الحادثة.
وتعيد الواقعة إلى الواجهة سؤالاً أوسع: إلى أي مدى غيّرت الحرب سلوك المجتمع، وهل أصبح العنف والسلاح وسيلة متزايدة لحسم الخلافات داخل المؤسسات المدنية، بما فيها المدارس؟ وبين رواية ولي الأمر ورواية المعلمين، يبرز جدل تربوي ونفسي وقانوني حول حماية الطفل، وصون كرامة المعلم، والحفاظ على المدرسة باعتبارها مساحة آمنة بعيدة عن مظاهر العنف والعسكرة.
تأجيج الصراع
رأى تربويون أن هذه الحادثة، إلى جانب حوادث أخرى مماثلة، تعكس تنامي مظاهر العنف في المجتمع، وتسهم في تأجيج الصراع داخل المؤسسات التعليمية وخارجها. وأشاروا إلى تصاعد العنف اللفظي والسلوكيات العدوانية.
وقالوا إن المجتمع يواجه حالياً معاناة شديدة من العناد المتعمد، إلى جانب ظهور نظرات وسلوكيات مستفزة من بعض الطلاب، وهو ما رأوا أنه كان أحد أسباب الحادثة، بعدما لم يرضخ الطالب للمعلم وتحداه. كما أكد تربويون أن بعض أولياء الأمور باتوا يتجاوزون على المعلمين، في ظل تراجع هيبة المؤسسة التعليمية.
ودعا خبراء تربويون إلى ضرورة إصدار قانون يقر بقدسية حرم المدرسة ويحظر المساس بأمنها، إلى جانب تضمين المناهج الدراسية مواد عن التربية الوطنية وحسن الأخلاق، لافتين إلى أن لغة الطلاب أصبحت أكثر خشونة، وأن العنف بات حاضراً في مختلف المؤسسات بعد الحرب، في حين أصبح الإنسان يتعامل بدرجة أكبر من عدم الاكتراث.
وطالبوا بتنظيم ندوات يشارك فيها علماء النفس والتربية لبحث التغيرات التي طرأت على سلوك المجتمع السوداني بعد الحرب وآثارها النفسية والاجتماعية، كما دعوا القنوات الفضائية إلى تخصيص مساحة أكبر لهذه القضايا، بدلاً من الاكتفاء ببث الأغاني والبرامج الرياضية.
وأكد التربويون أن حمل السلاح أصبح ظاهرة شائعة في المجتمع، وتحول من وسيلة مرتبطة بالقتال إلى سلوك مألوف في الحياة العامة، الأمر الذي أسهم في زيادة الشعور بانعدام الأمن في الشارع.
ردة فعل
وقال الخبير التربوي عوض الدنقلاوي إن ردة فعل ولي أمر الطالب، الذي تم ضربه ضرباً مبرحاً، كانت غير حميدة، إذ تحدث بألفاظ نابية وحمل السلاح. وأضاف أن هذه من الآثار التي تركتها الحرب، وهي أسلوب العنف الزائد، مشيراً إلى أنها حادثة غريبة في المجتمع السوداني، لجهة أن المجتمع السوداني معروف بأنه مجتمع مسالم ويقدس المهنة، وأن المعلم محترم في مجتمع المدينة ومجتمع الريف، وفي مجتمع الريف لديه قيمة عالية جداً.
واستنكر الدنقلاوي، في تصريح لـ«أفق جديد»، ما قام به النظامي وحادثة ضربه للمعلم أمام جمع من الطلاب، واعتبره سلوكاً مرفوضاً، لافتاً إلى أن إشهار السلاح أمر غير مقبول، وكان عليه أن يعمل على ضبط النفس، والمفروض أن يكون السلاح هو المنطق والعقل والحجة. وكان على والد الطالب أن يستقصي عن الحادثة أو يلجأ إلى مدير المدرسة ويصلح بينهم، وإذا كان المعلم مخطئاً يتم الصلح بينهم.
وتابع: «لكن أن يدخل المدرسة بسلاح يعتبر أمراً خاطئاً، وهذا الأسلوب مرفوض لأنه أسلوب الغاب». ودعا الدنقلاوي إلى تجريد والد الطالب من رتبة لواء، لجهة أن ما قام به ليس أسلوب شخص مُنح رتبة لواء، واستدل بما قال سيدنا عمر رضي الله عنه: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟». وقال كان لزاماً على والد الطالب ألا يستخدم سلطته العسكرية لاستعباد.
واستنكر العبارات غير اللائقة التي تفوه بها أمام المعلمين، وقال: «نرفض أسلوب المعلم في ضرب الطالب إذا صحيح تم ضربه حتى تورم جسمه، ويجب أن تكون العقوبة، الغرض منها التهذيب، عقوبة تربوية من أجل الإصلاح والتقويم، جهة أنه من أمن العقوبة أساء الأدب». وكان في الزمن السابق ولي أمر التلميذ يردد مقولة: «ليك اللحم ولينا العظم»، وهذا الغرض منه أن يحترم الطالب المعلم.
وتابع الدنقلاوي بالقول: «أنا ضد القرار بمنع العقوبة، نحن لا نمنع العقوبة، ولكن نمنع العقوبة غير الموجودة في محلها. ممكن أن تكون العقوبة بأن يتم أمر الطالب أن يقف زمناً من الوقت أو أي عقوبة تربوية، وأن لا تكون العقوبة دائماً بأسلوب الضرب، بل بتقويم السلوك، والمدرسة عندما لا تكون فيها عقوبة تكون مدرسة غير منضبطة.
رد والد الطالب
حول اعتدائه على المعلم، والذي اعتبره تربويون «عذراً أقبح من الذنب»، وتداولته الوسائط، دوّن والد الطالب، اللواء الركن م. عادل الطيب الأمين محمد، رده على الحادثة.
وابتدر حديثه بأن الرأي العام يتابع أحياناً بعض الحوادث التي يتم اجتزاؤها عن سياقها الحقيقي، أو تُروى بطريقة تحجب الحقيقة وتخدم أغراضاً في نفس يعقوب. ودفعاً لأي لبس وإجلاءً للحقيقة أمام الجميع، رأيت لزاماً عليَّ أن أضع بين يدي الرأي العام التوضيح الكامل لما جرى في مدرسة التدريب المتوسطة بمحلية كرري.
تفاصيل الحادثة
في يوم الأربعاء الموافق 6 أغسطس 2026م، تلقى والد الطالب اتصالاً هاتفياً مروعاً من ابنه عثمان، البالغ من العمر أربعة عشر عاماً، والذي يدرس في الصف الثاني المتوسط بالمدرسة ذاتها. وأبلغه، وهو في حالة من الحزن ويبكي من شدة الألم، أن أحد المعلمين، ويدعى «الأمين»، اعتدى عليه بالضرب المبرح والتعنيف الشديد، مسدداً إليه ضربات قوية على ساقه اليسرى ويده اليسرى، فضلاً عن لطمه بقوة على وجهه أمام مرأى ومسمع من الجميع، ما أدى إلى إصابته بندوب وكدمات واضحة ورضخ في إبهام يده اليسرى.
قال الأب إنه، «بتلقائية الأب المفجوع في سلامة ابنه»، توجه إلى المدرسة وطلب من ابنه أن يدله على المعلم المذكور، وبالفعل أشار إليه، وكان يقف برفقة عدد من زملائه الأساتذة في صالة مطلة على ساحة المدرسة.
وتابع الأب أنه، «وطأة صدمة رؤية آثار الاعتداء على طفل»، توجه إلى المعلم وقام بصفعه على وجهه. وما إن حدث ذلك حتى فوجئ بالأساتذة يتهجمون عليه، محاولين الاعتداء عليه جسدياً، إذ أقدم بعضهم على الإمساك بتلابيبه، بينما قام آخرون بلكزه على صدره.
وأضاف أنه لم يكن منه في تلك اللحظة سوى ممارسة «حقه المشروع في الدفاع عن النفس»، فأخرج سلاحه الشخصي (الطبنجة) وقام بتعميرها، محذراً إياهم من ضرورة الابتعاد عنه، ومعرباً عن أن الأجدر بهم، بدلاً من الاصطفاف لحماية زميلهم المخطئ، في مخالفة صريحة لقوانين منع ضرب الطلاب، المبادرة إلى حل المشكلة وعلاج ابنه.
وأوضح والد الطالب أنه داخل مكتب المدير، وفي تلك اللحظة المتوترة، تدخل مدير المدرسة بحكمة لتهدئة الأجواء، طالباً منه التوجه معه إلى مكتبه لاحتواء الموقف.
وأضاف أنه عندما شرعوا في إرسال ابنه للعلاج في مركبة تخص المدرسة، طلب منهم تركه لتولي علاجه بنفسه، مشدداً على أن مطلبه الأساسي كان إقرار المعلم بخطئه.
لا لعسكرة المدارس
أصدرت لجنة المعلمين بياناً قالت فيه إنها تابعت، ببالغ الغضب والاستنكار، ما تعرض له أحد معلمي مدرسة التدريب النموذجية بنين بالحارة الثالثة بمحلية كرري من اعتداء داخل حرم المدرسة، وما صاحب ذلك، وفق إفادة المعلمين، من إشهار للسلاح والتهديد بإطلاق النار، والإساءة للمعلمين وتهديدهم، في مشهد يمثل انتهاكاً خطيراً لحرمة المؤسسة التعليمية وكرامة المعلم وأمن التلاميذ.
وأوضحت، في إشارة إلى إفادة أحد المعلمين، أن الواقعة بدأت إثر تعامل أحد المعلمين مع تلميذ بسبب سلوك داخل المدرسة، قبل أن يحضر ولي أمر التلميذ، وهو ضابط سابق برتبة لواء معاش ومعتمد سابق لمحلية كرري، ويعتدي على المعلم بالصفع أمام المعلمين والتلاميذ، ثم يشهر سلاحه ويهدد من يحاول التدخل، إلى جانب توجيه عبارات مهينة للمعلمين.
وأدانت لجنة المعلمين السودانيين بأشد العبارات أي اعتداء على المعلمين، وأكدت أن المدرسة ليست ساحة لتصفية الحسابات ولا مكاناً لاستعراض القوة والسلاح، كما أن صفة الضابط السابق أو المسؤول السابق لا تمنح صاحبها حصانة من القانون، ولا تبرر استخدام القوة أو التهديد بالسلاح داخل مؤسسة تعليمية.
وأشارت إلى أن ما حدث في مدرسة التدريب النموذجية يكشف مرة أخرى عن واحدة من أخطر نتائج غياب الدولة وسيادة حكم القانون، وهي عسكرة الحياة العامة وتحويل السلاح إلى وسيلة لحسم الخلافات داخل المؤسسات المدنية.
وقال البيان إنه عندما يصل السلاح والتهديد إلى المدرسة، فإن الخطر لا يطال المعلم وحده، وإنما يهدد البيئة التعليمية وسلامة التلاميذ وهيبة المؤسسة التعليمية بأكملها.
وطالبت اللجنة السودانيين بفتح تحقيق عاجل ومستقل وشفاف في ملابسات الحادثة، والاستماع إلى المعلمين والتلاميذ وأولياء الأمور والشهود، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المعتدي، أياً كانت صفته السابقة أو الحالية، وعدم السماح بأي حصانة خارج إطار القانون، والتحقيق بصورة خاصة في واقعة إشهار السلاح والتهديد بإطلاق النار داخل المؤسسة التعليمية، باعتبارها واقعة بالغة الخطورة تستوجب المساءلة القانونية.
كما طالبت بتوفير الحماية القانونية والأمنية للمعلمين والتلاميذ، وضمان عدم تكرار الاعتداءات داخل المؤسسات التعليمية، ومنع دخول السلاح إلى المؤسسات التعليمية، والتعامل مع المدارس باعتبارها مساحات آمنة للتعليم والتربية، لا ساحات للتهديد واستعراض القوة، ووقف كل أشكال الإفلات من العقاب، وإعلاء سلطة القانون على سلطة الرتبة والسلاح والنفوذ.
وأكدت اللجنة أن كرامة المعلم ليست قابلة للمساومة، وأن الاعتداء على المعلم داخل مدرسته هو اعتداء على العملية التعليمية والمجتمع بأسره.
وأشارت إلى أنه قد دفع المعلمون ثمناً باهظاً جراء انهيار مؤسسات الدولة وانتشار السلاح وعسكرة الحياة العامة. ولن نقبل أن تتحول المدارس إلى أماكن يشعر فيها المعلم أو التلميذ بالخوف من صاحب سلطة أو سلاح.
وهددت بتصعيد غير مسبوق حتى يتم اتخاذ إجراءات فعلية ضد هذا الشخص المعتدي، ورفعت شعارات: «لا للسلاح داخل المؤسسات التعليمية، لا للإفلات من العقاب»، لا لعسكرة الحياة المدنية.





