حوار على مقاس حلم البرهان

أفق جديد
تعيد سلطة الفريق أول عبد الفتاح البرهان ترميم القصر الجمهوري في الخرطوم، ذلك القصر الذي يطلق عليه البعض وصف «مضخة الدم السوداني»، ليس فقط لأنه ظل عنواناً للسلطة المركزية في البلاد، وإنما لأن معظم حروب الدولة السودانية خرجت من تحت الكرسي، أو كان هدفها النهائي الوصول إلى ذلك الكرسي القابع في مبنى قصر «غردون».
وبعد غياب أكثر من ثلاث سنوات، يعود البرهان إلى القصر الجمهوري في الخرطوم لممارسة مهامه من هناك، واعتماد سفراء الدول في السودان، بحسب ما جاء في الأنباء وما نشره مجلس السيادة الانتقالي.
لكن خطوة عودة السلطة إلى الخرطوم، وعودة البرهان إلى القصر، تبدو أكبر من مجرد إجراء بروتوكولي هدفه اعتماد سفراء جدد. إنها، في نظر كثيرين، خطوة أخرى ضمن محاولات جادة هدفها الرئيسي اعتماد البرهان رئيساً لجمهورية سودان ما بعد الثورة، ومؤكد رئيساً لسودان الحرب المشتعلة، وتنفيذ ما يطلبه من يطلق عليهم البعض «رجال حول البرهان»، عبر منحه شرعية سياسية باعتباره رئيساً للجمهورية.
وحلم رئاسة البرهان للسودان لم يكن وليد اللحظة، ويمكن التوثيق له منذ اللحظات الأولى التي أعقبت الإطاحة بنظام عمر البشير. وحين خاطب البرهان الثوار بعبارته الشهيرة: «الراستات والسانات والواقفين قنا»، كانت تلك الكلمات، في ذلك الوقت، واحدة من مقدمات صعود الرجل إلى منصب رئيس مجلس السيادة، وفقاً لما أفضت إليه الوثيقة الدستورية.
لكن الرجل، الذي يصفه جعفر حسن، الناطق الرسمي باسم تحالف «صمود»، بأنه «لا عهد له»، سرعان ما انقلب على الوثيقة الدستورية في أكتوبر 2021، تحت عنوان «إصلاح المسار»، متحالفاً مع حميدتي، الذي يخوض ضده الآن حرباً كانت، في جانب منها، انقلاباً آخر على تعهداته بالمضي قدماً في الاتفاق الإطاري.
وفي السبت، أعلن عبد الفتاح البرهان بدء حوار مع ما أسماها «القوى الوطنية» بغرض إشراكها في استكمال مؤسسات الحكم، مؤكداً في الوقت ذاته انفتاحه على أي مبادرة سلام «صادقة» لا تفضي إلى عودة «قوات الدعم السريع» إلى السلطة.
وقال البرهان، في كلمة بثتها وكالة الأنباء السودانية بمناسبة الذكرى الثانية والسبعين لتأسيس الجيش، إنه بدأ حواراً مع القوى الوطنية لتشكيل المجلس التشريعي، معتبراً ذلك «استحقاقاً دستورياً».
إعلان بدء الحوار السوداني ـ السوداني كان قد استبقه محمد سيد أحمد «الجاكومي»، بتسريب ما قال إنها قرارات من البرهان تمهّد الطريق للحوار، من بينها الإعلان عن إلغاء البلاغات ضد قيادات تحالف «صمود». وهو الإعفاء الذي سرعان ما أثار جدلاً بين الرفض والقبول، قبل أن تحسم قيادات التحالف الجدل بسؤالها: «من يعفي من؟».
ويقول خالد عمر يوسف، القيادي في «صمود»، إن خطاب البرهان جاء ليثبت ما هو معلوم بالضرورة، وهو عزم الرجل وجماعته على المضي في الحرب دون توقف، وسعيهم الحثيث لشرعنة سلطة عسكرية واجهتها البرهان وقلبها النظام البائد، مع استيعاب بعض الوجوه المدنية بغرض استخدامها لإخفاء طبيعة هذا المشروع.
وبحسب خالد عمر يوسف، فإن الخطاب تمت صياغته داخل أروقة المؤتمر الوطني، وهو تلخيص لورقة أحمد هارون التي أصدرها في فبراير 2025 تحت عنوان «أجندة المستقبل». ويقول إن اللمسات الأخيرة وُضعت في اجتماعات تركيا التي انعقدت مؤخراً بحضور عدد من تيارات الحركة الإسلامية، والتي ناقشت تطوير استراتيجية مشتركة للتعامل مع تضييق الخناق الذي ازداد مؤخراً على الحركة بعد تصنيفها كجماعة إرهابية.
وبينما ينظر كثيرون إلى دعوة الحوار التي أطلقها البرهان باعتبارها أقل شأناً من «وثبة» البشير التي قادت في نهاية المطاف إلى إنهاء سلطته، يرى هؤلاء أن الحوار الجديد مفصل على مقاس البرهان، وأن غايته الرئيسية هي تنصيبه رئيساً للجمهورية؛ حوار يكرّس لشمولية عسكرية جديدة في كل البلاد، أو في الجزء الذي يسيطر عليه الجيش، بما يعزز في الوقت نفسه فرضية حدوث انقسام في كامل البلاد.
وفي الوقت الذي يمضي فيه البرهان نحو حوار تنصيبه، ينطلق سؤال آخر يتعلق بمغازي الحوار نفسه، وبالمشاركين فيه، وبقدرته على تسوية الأوضاع في السودان وإنهاء حربه.
فهل الحوار المقترح قادر فعلاً على فتح الطريق أمام تسوية سياسية تنهي الحرب، أم أنه مجرد إعادة ترتيب للمشهد السياسي بما يخدم سلطة الأمر الواقع؟
وبالتزامن مع دعوة البرهان للحوار، ينطلق داعمو «الدعم السريع» في اتجاه آخر، ويحددون أدوات الحوار بالاستناد إلى البندقية باعتبارها آلية حسم الجدل والصراع. وفي الوقت نفسه، تبدو المعارك التي تجري في النيل الأزرق وكردفان هي طاولات الحوار التي يعرفونها، والتي يرون أنها ستحسم الأمر في نهاية المطاف.
ومن هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل الدعوة إلى الحوار هي عتبة من عتبات إنهاء الحرب، أم خطوة أخرى للاصطفاف من أجل مواصلتها؟
بالنسبة إلى عضو مجلس السيادة المنقلب عليه، محمد الفكي سليمان، فإن الأمر لا يعدو كونه محاولة لتنصيب البرهان، باستخدام ذات الآليات والشخوص القديمة؛ أولئك الذين «زينوا الأمر للمخلوع» يفعلون الشيء ذاته الآن مع البرهان.
وتبدو دعوة البرهان للحوار، في ظل استمرار الحرب، بلا قيمة، وفقاً لرؤية ود الفكي، الذي يرى أن من يحيطون بالبرهان الآن هم الأفضل في السير باتجاه الحرب وفي ممارسة التطبيل له.
ويسخر الفكي من فكرة الحوار مع من يساند الدولة وفقاً لتعريف البرهان، الذي يراه رئيساً لسلطة أمر واقع، ورئيساً لمنطقة جغرافية تتغير باستمرار وفقاً لخارطة الحرب. كما يقلل ود الفكي من فكرة «كل السودانيين ما عدا المؤتمر الوطني»، قائلاً إن المؤتمر الوطني هو «صاحب الجلد والرأس» في المعادلة برمتها.
ويصف ود الفكي ما سيجري بأنه تظاهرة ستنتهي بتنصيب البرهان رئيساً لرقعة جغرافية محددة، وستساهم، للأسف، في استمرار الحرب، وتؤكد في الوقت نفسه على قصر نظر ووعي قائد الجيش بالمخاطر التي تحيط بالسودان، وبمآلات المعاناة التي تنتظر شعبه.
واستباقاً لحوار التنصيب، وفي إعادة لمشاهد السلطة والذين يجملون لرئيسها الممشى، يظهر البرهان وهو يتناول وجبة «البوش» في أحد المطاعم الشعبية، في خطوة تبدو وكأنها محاولة لرسم صورة الرئيس المحبوب شعبياً، والتي تجعل من خطوة قاعات الحوار مجرد تأكيد للمؤكد.
لكن المؤكد، في نظر منتقدي الخطوة، ليس فقط صورة الرئيس الذي يتناول طعاماً شعبياً وسط الناس، وإنما سؤال الشرعية نفسه: رئيس يدعو شعبه اللاجئ إلى العودة إلى دياره، فيما تلك الديار بلا أمان، ولا علاج، ولا كهرباء.
وهنا يعود القصر الجمهوري إلى واجهة المشهد السوداني، لا باعتباره مجرد مبنى تستعيده السلطة بعد غياب، وإنما باعتباره رمزاً للكرسي الذي ظلت تتصارع حوله النخب والجيوش والحركات، بينما ظل السوداني العادي يدفع ثمن الصراع، مرة بالدم، ومرة بالنزوح، ومرة بالانتظار الطويل لعودة حياة لم تعد تعرف طريقها إلى البيوت.
وبين قصر يجري ترميمه، وسلطة تعود إلى الخرطوم، وحوار يُطرح تحت هدير الحرب، يبقى السؤال الأكبر معلقاً خارج أسوار القصر: هل تعود الدولة أولاً، أم يعود الكرسي أولاً؟ وهل يكون الحوار طريقاً إلى إنهاء الحرب، أم طريقاً آخر لإعادة إنتاج السلطة نفسها التي قادت البلاد إلى هذه اللحظة؟





