العودة إلى سنار.. مرة أخرى ولكن إلى المستقبل

عادل يعقوب أحمد نور

لم تكن «العودة إلى سنار» مجرد قصيدة طويلة في تاريخ الشعر السوداني الحديث، ولم تكن استعادة عابرة لمدينة غارقة في الذاكرة. كانت، في جوهرها، محاولة جريئة لإعادة اكتشاف الذات السودانية من خلال التاريخ والأسطورة والتراث، والبحث عن نقطة يمكن عندها أن يلتقي الماضي بالمستقبل، والقديم بالجديد، والهوية المحلية بالأفق الإنساني الرحب.

حين كتب الدكتور محمد عبد الحي «العودة إلى سنار»، كان السودان يعيش أسئلة الحداثة والهوية والانتماء، وكانت النخب الثقافية تبحث عن إجابة لسؤال شديد التعقيد: كيف يمكن أن نكون حديثين دون أن نقطع جذورنا؟ وكيف نستفيد من منجزات الحضارة الحديثة دون أن نفقد ذاكرتنا ومذاقنا الخاص؟

جاءت «العودة إلى سنار» في قلب هذه الأسئلة.

لم يكن عبد الحي يريد العودة إلى الماضي بوصفه زمناً ذهبياً ينبغي استعادته، بل كان يبحث في الماضي عن طاقة رمزية تساعد الإنسان السوداني على بناء مستقبله. فسنار عنده ليست مجرد مكان جغرافي، وإنما علامة ثقافية وحضارية؛ مدينة تختزن لحظة تأسيس السودان في صورته السلطانية والثقافية، ومكان تتقاطع فيه روافد متعددة من التاريخ واللغة والدين والأسطورة والموسيقى والذاكرة الشعبية.

ومن هنا تأتي أهمية العنوان نفسه، فالعودة ليست بالضرورة رجوعاً إلى الوراء. أحياناً لا يستطيع الإنسان أن يتقدم إلا بعد أن يعرف من أين جاء.

سنار بوصفها رمزاً

اختار محمد عبد الحي سنار لأنها تمثل في المخيال السوداني لحظة التقاء وتكوين. إنها فضاء سناري تتجاور فيه روافد عربية وأفريقية وإسلامية ومحلية، وتتفاعل فيه الثقافات لتنتج شخصية سودانية لا يمكن اختزالها في عنصر واحد.

وهذا ما جعل سنار في القصيدة أكبر من المدينة،

إنها رمز للسودان نفسه.

سودان يبحث عن صورته بين النهر والصحراء، بين أفريقيا والعالم العربي، بين التصوف والأسطورة، بين الثقافة الشعبية والثقافة العالمية، وبين الموروث والحداثة.

ولذلك فإن قراءة «العودة إلى سنار» اليوم، بعد كل ما مر به السودان من أزمات وحروب وانقسامات، تبدو أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

 

فالسؤال الذي طرحه عبد الحي بصورة شعرية ما زال قائماً بصورة سياسية واجتماعية: من نحن؟

واحدة من أهم أفكار عبد الحي أنه لم ينظر إلى الحداثة باعتبارها قطيعة كاملة مع التراث.

كان يدرك أن الحداثة الحقيقية ليست ارتداء ثوب الآخر، ولا استيراد أشكال جاهزة من الخارج، وإنما القدرة على إنتاج خطاب جديد من داخل التجربة الخاصة.

ولهذا استفاد من التراث السوداني والعربي والأفريقي، ومن الشعر الصوفي والأساطير والرموز الشعبية والتاريخ الإسلامي، لكنه لم يستخدمها كزينة لغوية.

كان يعيد إنتاجها، وهنا تكمن حداثة التجربة.

فالتراث عند محمد عبد الحي ليس متحفاً نذهب إليه لنتفرج على ما تبقى من أسلافنا، وإنما مادة حية يمكن إعادة تشكيلها لكي تتحدث عن أسئلة الحاضر.

إنه لا يقول لنا: عودوا إلى الماضي.

بل يقول، بصورة أكثر تعقيداً: اعرفوا ماضيكم كي تستطيعوا أن تذهبوا إلى المستقبل دون أن تفقدوا أنفسكم.

ارتبط اسم محمد عبد الحي أيضاً بمشروع «الغابة والصحراء»، الذي كان من أبرز المحاولات الفكرية والشعرية للتعبير عن التركيب الثقافي السوداني.

وكان هذا المشروع في جوهره محاولة للخروج من الثنائية الصلبة التي حاول البعض من خلالها تفسير السودان باعتباره إما عربياً أو أفريقياً.

لكن السودان، في حقيقته التاريخية والثقافية، أكثر تعقيداً من هذه الثنائية.

هو فضاء تداخل.

لغة وثقافة وذاكرة وأجناس بشرية وطرق صوفية وأسواق وأنهار وصحارى وممالك قديمة وهجرات متعاقبة.

ومن هنا يمكن فهم «العودة إلى سنار» باعتبارها نصاً شعرياً يرفض الاختزال.

إنها قصيدة تبحث عن السودان المركب، لا السودان المصنوع من لون واحد أو ذاكرة واحدة.

لماذا نقرأ عبد الحي الآن؟

ربما تبدو العودة إلى قصيدة كتبت قبل عقود أمراً أدبياً بحتاً، لكن الحقيقة أن اللحظة السودانية الراهنة تجعل النص أكثر حضوراً.

لقد دفع السودان ثمناً باهظاً بسبب عجزه عن إدارة تنوعه.

تحولت الاختلافات الثقافية والجهوية إلى أدوات للصراع السياسي، وتحولت الهوية من مساحة للتعارف إلى ساحة للمواجهة، وصار السؤال: «من نحن؟» في كثير من الأحيان مدخلاً إلى سؤال آخر أكثر خطورة: «من يحق له أن يكون سودانياً؟»

هنا تصبح «العودة إلى سنار» نصاً معاصراً رغم عمره.

 

فالقصيدة تذكرنا بأن الهوية ليست جداراً مغلقاً، وإنما عملية تاريخية مستمرة من التفاعل والتكوين.

سنار نفسها لم تكن نتاج ثقافة واحدة.

كانت نتاج التقاء.

والسودان الذي يحتاجه المستقبل هو أيضاً سودان الالتقاء، لا سودان الإقصاء.

كان محمد عبد الحي من الشعراء الذين لم يتعاملوا مع القصيدة باعتبارها مجرد لعبة لغوية.

كانت القصيدة عنده مشروعاً معرفياً.

وكانت اللغة وسيلة لاستعادة أسئلة الإنسان والتاريخ والمكان.

ولهذا جاءت تجربته مختلفة عن كثير من التجارب الشعرية التي انشغلت بالحداثة بوصفها شكلاً فقط.

لقد حاول أن يجعل الحداثة السودانية نابعة من الداخل، من الذاكرة، من النيل، من الصحراء، من التصوف، من الأسطورة، من الموروث الشعبي، ومن التاريخ السوداني الطويل.

وهذا ربما هو سر بقاء «العودة إلى سنار» حاضرة في الذاكرة الثقافية السودانية.

فالنصوص الكبيرة لا تعيش لأنها تقول كلاماً جميلاً فقط، وإنما لأنها تطرح أسئلة لا تنتهي صلاحيتها.

سنار التي نحتاج إليها

 

ربما لا تكون حاجتنا اليوم إلى «العودة إلى سنار» عودة أدبية فقط.

 

نحن بحاجة إلى العودة إلى الفكرة التي تقف خلف سنار: فكرة التكوين المشترك.

 

نحتاج إلى السودان الذي لا يخاف من تعدده، ولا يرى في اختلاف الثقافات تهديداً لوجوده.

 

نحتاج إلى سودان يستطيع أن يكون أفريقياً وعربياً في آن، مسلماً ومسيحياً وأصحاب معتقدات محلية، حضرياً وريفياً، نوبياً وفورياً ونوباويّاً وإنقسناوياً وشايقياً وجعلياً ودنقلاوياً وكل ما صنعته الجغرافيا والتاريخ من هويات متداخلة.

 

فالهوية السودانية لم تُصنع في كتاب واحد، ولا في قبيلة واحدة، ولا في مدينة واحدة.

 

لقد صنعتها قرون من التفاعل.

 

وهنا تظل سنار رمزاً بالغ الدلالة.

 

إنها تقول لنا إن السودان كان دائماً مشروعاً للتكوين، وإن المشكلة ليست في تعدده، وإنما في عجزنا عن تحويل هذا التعدد إلى مصدر قوة.

 

العودة ليست إلى الوراء

 

ولعل أجمل ما يمكن أن نستخلصه من تجربة محمد عبد الحي أن «العودة» لا تعني الانكفاء.

 

فالإنسان الذي يعود إلى جذوره لا يفعل ذلك لكي يسكن الماضي، وإنما لكي يستمد منه القوة اللازمة لمواصلة الطريق.

 

وهذا هو الفرق بين التراث الذي يتحول إلى قيد، والتراث الذي يتحول إلى طاقة.

 

محمد عبد الحي لم يكن شاعراً للماضي.

 

كان شاعراً للمستقبل، لكنه أراد لهذا المستقبل أن يكون سودانياً.

 

ولذلك فإن «العودة إلى سنار» ليست دعوة إلى إغلاق الأبواب أمام العالم، بل دعوة إلى الدخول إلى العالم ونحن نعرف أنفسنا.

 

بعد عقود من كتابة القصيدة، وبعد أن تغير السودان كثيراً، وربما تغيرت سنار نفسها، ما تزال القصيدة قادرة على أن تضع أمامنا المرآة.

 

مرآة تسألنا عن أصل الحكاية، وعن معنى الوطن، وعن علاقتنا بالتاريخ، وعن قدرتنا على أن نصنع من الاختلاف جسراً لا خندقاً.

 

وربما كان السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس:

 

كيف نعود إلى سنار؟

 

وإنما:

 

أي سنار نريد أن نبني في المستقبل؟

 

فالمطلوب ليس أن نعود إلى مدينة في الماضي، وإنما أن نستعيد المعنى الذي جعلها رمزاً للتكوين والتفاعل.

 

أن نعود إلى السودان الذي لم يكن يخاف من تعدده.

 

إلى السودان الذي تتجاور فيه الغابة والصحراء، والنهر والبادية، والقرية والمدينة، والأسطورة والتاريخ، والماضي والمستقبل.

تلك هي «العودة» التي لم تكتمل بعد.

وتلك هي، ربما، المهمة التي تركها لنا محمد عبد الحي مفتوحة في قصيدته، وفي مشروعه الشعري والفكري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى