حين يصبح الطريق عائقا.. حكايات حمدون الزمزمي ومني قاسم عن اللجوء والإعاقة في أوغندا

كمبالا / سمر سليمان
في العاصمة كمبالا قد تبدو الرحلة من المنزل إلى المستشفى أو مكان العمل مجرد مسافة قصيرة. لكن بالنسبة لشخص من ذوي الإعاقة الحركية يمكن أن تتحول هذه المسافة إلى سلسلة طويلة من الأسئلة: كيف أصل؟ أي وسيلة نقل أستطيع استخدامها؟ من سيساعدني في الصعود والنزول؟ وهل أملك المال الكافي للرحلة والعودة؟
بالنسبة للاجئ السوداني حمدون الزمزمي، لم يعد الطريق مجرد وسيلة للوصول إلى مكان آخر، بل أصبح جزءًا من التحديات اليومية التي فرضها عليه اللجوء والإعاقة معًا.
أما منى قاسم، فبدأت قصتها من داخل السودان متنقلة من الخرطوم إلى عطبرة ثم حلفا، قبل أن تقودها الحرب إلى أوغندا. وبين رحلة نزوح وأخرى لم تكن تبحث فقط عن مكان آمن، بل عن مكان تستطيع فيه أن تتحرك وتصل إلى الخدمات وتعيش باستقلالية.
يتحرك حمدون ومنى باستخدام العصي، وهي وسيلة تساعدهما على الحركة، لكنها لا تلغي الحواجز التي تفرضها الطرق غير المهيأة ووسائل النقل والازدحام والتكلفة. وفي قصتيهما تتقاطع الحرب مع اللجوء والإعاقة، لكنهما لا يقدمان نفسيهما بوصفهما عاجزين يحتاجان إلى الشفقة.
ما يطالبان به أبسط وأعمق: إزالة الحواجز التي تمنعهما من الوصول ومنحهما القدرة على عيش حياتهما بكرامة واستقلال.
حمدون الزمزمي.. حين لا تكون المسافة قصيرة
كان حمدون في أوغندا قبل اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023. كان يعرف المكان وشوارع المدينة وطبيعة الحياة فيها، لكن الحرب غيرت حياة السودانيين ودفعت أعدادًا كبيرة منهم إلى البحث عن الأمان خارج البلاد.
بالنسبة لحمدون لم يكن الانتقال إلى واقع اللجوء وحده هو التحدي. فقد كان عليه أن يتعامل مع مدينة مزدحمة، وهو يتحرك باستخدام عصا، ما يجعل تفاصيل الحركة اليومية أكثر تعقيدًا.
في كمبالا أصبحت «البودا بودا»، وهي الدراجات النارية المنتشرة في المدينة، واحدة من وسائل النقل الأساسية بالنسبة إليه. فهي متوفرة وسريعة وتساعد على تجاوز الازدحام والمسافات الطويلة.
لكن ما يبدو حلًا سريعًا للآخرين قد يتحول إلى تحدٍّ جديد بالنسبة لحمدون.
الصعود إلى الدراجة ليس سهلًا دائمًا، والنزول منها وسط شارع مزدحم يحتاج إلى حذر ومساعدة. وحتى الوصول إلى الدراجة قد يكون بحد ذاته مهمة صعبة عندما تكون الطرق والممرات غير مهيأة لشخص يتحرك باستخدام عصا.
بالنسبة لحمدون لا تتعلق المسألة بمجرد العثور على شخص يساعده، المهم أن تتم المساعدة بطريقة تحفظ كرامته وخصوصيته، وألا تتحول الحاجة إلى المساعدة إلى مصدر للإحراج أو إلى شعور بفقدان الاستقلال.
وهنا تكمن إحدى المشكلات التي لا تظهر في أرقام النقل والازدحام: كيف تساعد شخصًا من ذوي الإعاقة دون أن تجعله يشعر بأنه فقد قدرته على إدارة حياته؟
عندما يصبح الازدحام أكثر من مجرد ازدحام
في كمبالا الازدحام جزء من الحياة اليومية. لكن بالنسبة للشخص الذي يواجه صعوبة في الحركة قد يعني الازدحام وقتًا أطول في الطريق، وخطرًا أكبر أثناء العبور، وحاجة متكررة إلى المساعدة.
وأحيانًا لا تكون النتيجة مجرد التأخر عن موعد.
قد يؤجل الشخص زيارة إلى المستشفى أو يتخلى عن مشوار ضروري أو يفكر أكثر من مرة قبل الذهاب إلى مكان العمل أو الحصول على خدمة لأنه يعرف أن الوصول إليها سيكون مكلفًا أو مرهقًا.
وهكذا لا تعود الإعاقة مرتبطة بالحركة وحدها، بل تبدأ في التأثير على الصحة والعمل والتعليم والعلاقات الاجتماعية.
منى قاسم.. من النزوح إلى اللجوء
أما قصة منى قاسم فتبدأ قبل وصولها إلى أوغندا.
تنقلت داخل السودان من الخرطوم إلى عطبرة ثم حلفا في رحلة حملت معها آثار الحرب وعدم الاستقرار، قبل أن تقودها الظروف الأمنية إلى اللجوء في أوغندا.
كل انتقال كان يعني مكانًا جديدًا وطريقًا جديدًا واحتياجات جديدة.
لكن بالنسبة لشخص من ذوي الإعاقة الحركية لا يعني الانتقال فقط جمع الأمتعة والبحث عن الأمان، هناك أسئلة أخرى تفرض نفسها في كل محطة:
هل المكان الجديد مهيأ؟
كيف سأتحرك؟
هل أستطيع الوصول إلى المستشفى أو مكان العمل؟
هل توجد وسيلة نقل مناسبة؟
وهل أستطيع تحمل تكلفتها؟
في أوغندا وجدت منى نفسها أمام تحديات جديدة، فهي تتحرك باستخدام عصا، ما يجعل طبيعة الطرق والممرات عاملًا أساسيًا في قدرتها على التنقل باستقلالية.
التضاريس والممرات غير المهيأة والأمطار في بعض الأوقات، كلها عوامل يمكن أن تجعل الحركة اليومية أكثر صعوبة.

حتى المطر، الذي قد يكون بالنسبة للآخرين مجرد تغير في الطقس، يمكن أن يحول الطريق بالنسبة لمن يستخدم عصا إلى مساحة أكثر خطورة، خصوصًا عندما تصبح الأرض زلقة أو تمتلئ الممرات بالمياه.
«البودا بودا».. الحل المتاح والمشكلة في الوقت نفسه
مثل حمدون تعتمد منى في بعض تنقلاتها على وسائل النقل المتاحة، وفي مقدمتها «البودا بودا».
لكن هذه الوسيلة، رغم انتشارها وسرعتها، ليست دائمًا مناسبة للأشخاص ذوي الإعاقة الحركية.
فالمشكلة لا تتعلق بالمركبة وحدها، وإنما بالبيئة المحيطة بها أيضًا: الأرصفة والممرات ومعابر المشاة وطريقة الصعود والنزول ومدى وعي العاملين في قطاع النقل باحتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة.
بالنسبة لمنى لا يكفي أن تكون وسيلة النقل متوفرة. فالمعيار الحقيقي هو ما إذا كانت تتيح لها الوصول إلى وجهتها بأمان وبأقل قدر ممكن من الاعتماد على الآخرين.
وتصبح البدائل الأكثر أمانًا، مثل سيارات الأجرة الخاصة أو خدمات النقل عبر التطبيقات، خيارًا أكثر كلفة مقارنة بوسائل النقل الشعبية.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح:
الوسيلة الأقل تكلفة قد لا تكون الأكثر ملاءمة، والوسيلة الأكثر ملاءمة قد لا تكون في متناول الجميع.
عندما تصبح تكلفة الطريق جزءًا من تكلفة الإعاقة
لا تنتهي تكلفة الرحلة عند ثمن التذكرة أو أجرة الدراجة.
الشخص ذو الإعاقة قد يحتاج إلى مرافق أو إلى مساعدة إضافية أثناء التنقل، وقد يضطر في بعض الحالات إلى تحمل تكاليف مرتبطة بنقل وسيلة المساعدة على الحركة.
وبالنسبة للاجئ تصبح هذه التكاليف أكثر ثقلًا، خصوصًا عندما يكون الدخل محدودًا وفرص العمل غير مستقرة.
وهكذا تتشكل دائرة صعبة:
صعوبة الحركة تجعل الوصول إلى العمل أصعب، وقلة الدخل تجعل الوصول إلى وسيلة نقل مناسبة أكثر صعوبة.
والنتيجة أن الطريق بدل أن يكون وسيلة للوصول إلى الفرص قد يصبح حاجزًا أمامها.
الخدمة موجودة.. لكن الوصول إليها ليس مضمونًا
قد يكون المستشفى موجودًا، لكن الوصول إليه يحتاج إلى وسيلة نقل مناسبة.
وقد تكون هناك فرصة عمل، لكن الطريق إليها غير مهيأ.
وقد تكون المدرسة أو المؤسسة متاحة، لكن أبوابها وممراتها لا تراعي احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة.
لهذا فإن الحديث عن إتاحة الخدمات لا يتعلق بوجود الخدمة فقط، وإنما بقدرة الشخص على الوصول إليها واستخدامها باستقلالية وكرامة.
وفي حالة اللاجئين ذوي الإعاقة تتراكم الحواجز: تكلفة النقل وصعوبة الحركة والحواجز اللغوية والتمييز وضعف الوصول إلى بعض الخدمات.
اللجوء لا يلغي الإعاقة.. والإعاقة لا تلغي الحقوق
مع استمرار الحرب في السودان، ارتفع عدد السودانيين الذين لجأوا إلى أوغندا. وخلف أرقام اللاجئين الكبيرة، توجد قصص لأشخاص يواجهون تحديات إضافية بسبب الإعاقة.
حمدون ومنى ليسا مجرد رقمين في إحصاءات النزوح.
هما شخصان يحاولان بناء حياة جديدة في بلد لم يختارا الذهاب إليه بالضرورة، ويحاولان في الوقت نفسه التعامل مع احتياجات حركية لا تختفي بمجرد عبور الحدود.
فاللجوء لا يلغي الإعاقة، والإعاقة لا تلغي الحقوق.
العزلة.. الوجه الآخر لصعوبة الحركة
حين تصبح الحركة صعبة، لا يتأثر الوصول إلى المستشفى أو العمل فقط.
تتأثر الحياة الاجتماعية أيضًا.
الشخص الذي يحتاج إلى ترتيب خاص لكل مشوار قد يبدأ في تقليل خروجه من المنزل. ومع الوقت، يمكن أن تتراجع مشاركته في الأنشطة الاجتماعية والمجتمعية ويزداد اعتماده على الآخرين.
وتنظر منى إلى القضية باعتبارها أكبر من مجرد تقديم المساعدة الإنسانية. فالأشخاص ذوو الإعاقة يريدون أن يكونوا جزءًا من المجتمع وأن يشاركوا في المنظمات والنقاشات والقرارات التي تمس حياتهم.
«لا تتحدثوا عنا من دوننا»
من أهم ما تكشفه تجربة منى أن الأشخاص ذوي الإعاقة لا يريدون أن يكونوا مجرد مستفيدين من القرارات التي تتخذ نيابة عنهم.
يريدون أن يكونوا على الطاولة.
أن يقولوا للمسؤولين والمنظمات أين تكمن المشكلة وما الحلول التي يرونها مناسبة.
أن يشاركوا في تصميم المواصلات والخدمات.
وأن يسألوا قبل تنفيذ البرامج التي تستهدفهم.
ولا يتوقف الأمر عند تفاصيل الحياة اليومية. فبالنسبة لمنى يجب أن يمتد صوت الأشخاص ذوي الإعاقة إلى قضايا أكبر، من السلام إلى إعادة الإعمار في السودان.
فإذا كان السودان سيبدأ يومًا مرحلة جديدة بعد الحرب، فلا يمكن أن يكون الأشخاص ذوو الإعاقة خارج هذه المرحلة.
السلام الذي يشمل الجميع
الحرب قد تهدم بيتًا أو تدفع عائلة إلى النزوح، لكنها لا تترك الأثر نفسه على الجميع.
الأشخاص ذوو الإعاقة قد يواجهون مخاطر إضافية أثناء النزوح وحواجز أكبر في الوصول إلى الخدمات وصعوبات أكبر في الحركة والعمل والتعليم.
لذلك، فإن السلام بالنسبة لحمدون ومنى لا يعني فقط توقف إطلاق النار.
السلام يعني أيضًا أن يتمكنا من العودة إلى الحياة.
أن يصلا إلى المستشفى.
أن يعملا.
أن يتعلما.
أن يتحركا دون خوف.
وأن تكون لهما القدرة على المشاركة في تقرير مستقبل بلدهما.
ليست قصة شفقة

قصة حمدون الزمزمي وقصة منى قاسم ليستا حكايتين عن العجز.
إنهما حكايتان عن شخصين يحاولان الاستمرار رغم حواجز لم يصنعاها.
حمدون يريد أن يتحرك ويعمل ويعيش باستقلالية، لكنه يصطدم بوسائل نقل غير مهيأة وطرق مزدحمة، وتكاليف قد لا يستطيع تحملها.
ومنى بعد رحلة نزوح طويلة داخل السودان ثم اللجوء إلى أوغندا لا تزال تطالب بأن يكون للأشخاص ذوي الإعاقة صوت في المجتمع وفي صناعة القرار.
الرسالة ليست «ساعدونا لأننا ضعفاء». نحن أقوياء.
الرسالة أبسط وأكثر وضوحًا:
أزيلوا الحواجز واتركوا لنا فرصة أن نعيش حياتنا بأنفسنا.
فحين تكون الطريق مهيأة، ووسيلة النقل آمنة، والخدمة قابلة للوصول، يصبح الشخص ذو الإعاقة أكثر قدرة على العمل والمشاركة وأقل اعتمادًا على الآخرين.
من كمبالا إلى السودان.. طريق آخر للعدالة
تجربة حمدون ومنى في أوغندا تفتح سؤالًا يتجاوز المواصلات.
إذا كانت الطريق اليومية في بلد اللجوء قادرة على عزل الشخص ذي الإعاقة عن العمل والتعليم والصحة والمجتمع، فكيف يمكن أن تكون إعادة بناء السودان فرصة لتغيير هذا الواقع؟
الإجابة تبدأ من إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في التخطيط.
من تصميم طرق ومبانٍ ومواصلات قابلة للوصول.
من ضمان حصولهم على الخدمات.
ومن الاعتراف بأن الإعاقة ليست سببًا لاستبعاد الإنسان من الحياة العامة.
حمدون ومنى لا يطلبان طريقًا خاصًا بهما.
إنهما يطلبان طريقًا يستطيعان الوصول عبره مثل الآخرين.
ويطلبان أن تكون المواصلات وسيلة للوصول لا حاجزًا جديدًا.
ويطلبان أن تسمع أصواتهما عندما يجري الحديث عن المستقبل.
فالسودان الذي سيخرج من الحرب لن يكون كاملًا إذا بقي الأشخاص ذوو الإعاقة خارج طاولة السلام وإعادة الإعمار.
وكما تقول تجربتهما، فإن السلام العادل لا يبدأ فقط من إسكات السلاح، بل من إزالة الحواجز التي تمنع الناس من العودة إلى الحياة.





