سودان الحرب.. يعيش عقوبة وينتظر أخرى

أفق جديد

في وقت يواجه فيه السودان اتهامات أمريكية باستخدام الجيش سلاحًا كيميائيًا في حربه ضد الدعم السريع، قال قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان إنه يتوقع أن تصدر ممن أسماهم «أعداء السودان» عقوبات جديدة عليه وعلى السودان.

من أحد مساجد مدينة المناقل بولاية الجزيرة، وفي مخاطبة جماهيرية، توقع قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان عقوبات جديدة عليه وعلى السودان، ممن رمز إليهم بأعداء السودان الراغبين في تركيعه. لكن الرجل سرعان ما يستدعي لغة وعيد ما قبل ثورة ديسمبر، ويحسمها بأن السودان لن يركع.

العقوبات التي يتوقع البرهان إقرارها لا تبدو الأولى، وإنما هي عقوبات تضاف إلى العقوبات التي تلاحق المسؤولين عن حرب السودان وسلطة الأمر الواقع «شرقًا وعربًا».

منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، تصاعدت العقوبات الدولية على أطراف النزاع، خصوصًا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، فيما ظل نظام العقوبات الأممي قائمًا بصورة أساسية في دارفور.

الولايات المتحدة اتجهت إلى فرض عقوبات على قادة وقيادات عسكرية وشركات وشبكات مالية مرتبطة بطرفي الحرب. وشملت العقوبات شركات مرتبطة بالقوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، إضافة إلى شخصيات متهمة بتمويل الحرب أو شراء السلاح. وفي يناير 2025 فرضت واشنطن عقوبات على قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، ثم على قائد القوات المسلحة عبد الفتاح البرهان.

وفي مخاطبته، لم يحدد البرهان الجهة التي ستصدر العقوبات المتوقعة، بينما نقلت قناة الشرق عن اعتزام مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس تقديم مقترح لمجلس الأمن بحظر الطيران في كامل السودان، في خطوة تستهدف تحجيم الصراع الذي يمضي نحو عامه الرابع.

بدا البرهان في مخاطبته وكأنه يطالب السودانيين بشد الأحزمة لمجابهة العقوبات المتوقعة، وكان الرجل الذي ينفي على الدوام ارتباطه بالنظام المعزول بعد الثورة، مرددًا عبارة «ما عدا المؤتمر الوطني»، يرتدي نفس قميصه طوال سنوات حكمه ويقود الشعب في مواجهة المجتمع الإقليمي والدولي.

تلويح قائد الجيش بعودة السودان إلى نادي العقوبات يعيد طرح السؤال حول قدرة السودانيين على مقابلتها، وبالطبع قدرة الدولة على مجابهة «عزلة» جديدة. وتمتد الأسئلة لتنقب في طبيعة العقوبات الجديدة وامتداداتها، وبالطبع مصدرها، مع التأكيد على حقيقة أنها عقوبات خارجية، المحرك الأساسي لها هو الحرب والإصرار على استمرارها.

لكن بعيدًا عن انتظار العقوبات القادمة من الخارج، يبقى السؤال: ماذا عن العقوبات السودانية على السودان؟

في مدينة المناقل، التي توقع فيها رئيس مجلس السيادة العقوبات القادمة من الخارج، لا تبدو المدينة استثناءً عن مدن سودان الحرب، وهي تدفع فاتورة عقوبة الحرب المتعلقة بتوفر الخدمات الأساسية: كهرباء ومياه وتعليم وعلاج.

وبعيدًا عن استخدام العالم العقوبات لتركيع السودانيين، وفقًا لقول البرهان، والمنتظر من الشعب مقاومتها، يقول سعد عبد القادر، التاجر بسوق الكلاكلة: «نحن نواجه العقوبات بشكل يومي، ومن مؤسسات السلطة المحلية نواجه عقوبات الجبايات القانونية وغير القانونية والتعسف في استخدام السلطة، وهي عقوبات يعرفها حتى البرهان، الذي طالب والي الخرطوم بعدم التضييق على الناس وأرزاقهم. نحن الآن حققنا الاكتفاء الذاتي من العقوبات».

في مشهد العقوبات الممارسة على السودانيين في بلادهم، يمكنك النظر إلى ملف الكهرباء وقطوعاتها، وإلى الأزمة المنتظرة في الوقود، وإلى دور المؤسسات الرسمية، وبالطبع التمعن في مشهد التزاوج بين السلطة ومتنفذي الاقتصاد، ليضعك ذلك في مواجهة الصورة كاملة، وبالطبع كامل العقوبة.

وفي انتظار عقوبات من الخارج، يعايش السودانيون عقوبات بشكل يومي بفعل الحرب؛ عقوبات تأتي محشوة بطلقات الموت في كردفان والنيل الأزرق، وعقوبات حملها أهالي قيسان فوق ظهورهم وهم يغادرون ديارهم في رحلات نزوح سبقهم إليها سودانيون في مناطق أخرى.

بينما يواجه الناس في الخرطوم وأم درمان حملة السلاح من المليشيات التي تمتلئ بها المدينة، كأحد مخرجات «حرب الكرامة»، فلا يجدون ما يقولونه لقائد الجيش وهو يخبرهم باقتراب العقوبات من الخارج، غير قولهم إن الحرب هي العقوبة الأكبر التي يواجهونها ويدفعون فاتورتها.

فالعقوبات التي يخشاها البرهان قد تأتي من الخارج، وقد تحملها قرارات دولية أو إجراءات اقتصادية، لكن السودانيين يعيشون بالفعل عقوباتهم اليومية؛ عقوبة الحرب، وعقوبة انقطاع الكهرباء، وشح المياه، وغلاء المعيشة، وتعطل التعليم والعلاج، وعقوبة النزوح والخوف.

وبين عقوبات الخارج و«العقوبات المعاشة» في الداخل، يبقى السؤال الأثقل: كم عقوبة أخرى يستطيع السوداني أن يحتمل، قبل أن تصبح الحرب نفسها هي العقوبة التي لا تحتاج إلى قرار دولي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى