الهروب من الخوف إلى الخوف .. جميلة عثمان.. امرأة أكلت ثيابها

سمر سليمان
جميلة عثمان آدم تملك، قبل الحرب، ما يظنه الناس أشياء عادية لا تستحق أن تُروى: بيتاً له سقف، وثوباً آخر حين يُغسل الثوب الأول، ووجبة تأتي في موعدها، وفراشاً تنام عليه دون أن تفكر في المطر، وزوجاً وطفلاً صغيراً تحيط بهم كما تحيط الأم بيتها بالخوف الجميل.
كانت تعيش في عد بابكر، بمحلية شرق النيل، حياة متواضعة لكنها مستقرة. لم تكن غنية، ولم تكن تحلم بالكثير. كان يكفيها أن يكون بيتها آمناً، وأن ينام طفلها وضاح، الذي لم يتجاوز الثانية عشرة، شبعاناً، وأن تستيقظ صباحاً وهي تعرف كيف سيمضي يومها.
ثم جاءت الحرب. لم تأتِ الحرب إلى جميلة في صورة خبر بعيد، ولا في صورة أرقام تتناقلها الشاشات. جاءت إلى عتبة بيتها، ثم دخلت..
تقول: لما الحرب اندلعت في السودان أنا كنت آمنة ومستقرة في بيتي وسط أسرتي في عد بابكر. ما كنت متخيلة إنو يوم من الأيام حأطلع من بيتي وأمشي كل المشوار ده».
لم تكن تعرف أن الجملة الأخيرة ستصبح اختصاراً لحياة كاملة. حين دخلت الحرب البيت. في البداية كانت أصوات الدانات بعيدة. ثم اقتربت ثم لم تعد هناك مسافة بين الحرب والبيت.
صارت الأسلحة والدانات جزءاً من يوم الناس، وصار الطعام والماء أصعب، وتحول الخوف من شعور عابر إلى شيء يقيم في البيت مع أصحابه.
تقول جميلة: «الدانات والأسلحة بقت وسطنا عديل. والأكل والشرب بقوا صعبين. خفت على أسرتي وطفلي وقلت لازم نطلع
خرجت من عد بابكر وفي يدها ما استطاعت حمله، وفي قلبها شيء لم تكن تعرف اسمه آنذاك: الحنين إلى مكان لم تكن تعرف أنها ستشتاق إليه بهذه القسوة. ذهبت الأسرة إلى الجزيرة، حيث يوجد أهلها. كانت تظن أن المسافة ربما تكون كافية للنجاة.
لكن الحرب كانت أسرع من قدرتهم على الهرب. عادوا إلى الخرطوم. وهناك اكتشفوا أن المكان الذي عادوا إليه لم يعد هو الخرطوم التي خرجوا منها. فقرروا الرحيل مرة أخرى..
هذه المرة جنوباً من الخرطوم إلى النيل الأبيض، ومن النيل الأبيض إلى الرنك. تقول:
. كانت تظن أنها تبتعد عن الحرب «قررنا نطلع من الخرطوم. مشينا النيل الأبيض، ومن النيل الأبيض طلعنا الرنك”
لكنها كانت في الحقيقة تدخل، إلى حرب أخرى، وخطوة بعد أخرى، إلى امتحان آخر للبقاء في الرنك لم يكن هناك بيت.
ولا عمل ولا مال مسجد، وبعض الماء، والكثير من الانتظار..
تقول: لما وصلنا الرنك الحياة ضاقت علينا شديد. كل يوم كان أصعب من اليوم القبلو. كنا بنفتش الموية عشان نشرب ونفتش الأكل عشان نعيش هنا، لم يعد الطعام شيئاً يوضع على المائدة أصبح معركة.
وكان عليهم أن يخوضوا معركة أخرى كي يصلوا إلى الضفة الأخرى من النيل. استقلوا القارب، «البوت»، باتجاه أدوك، الواقعة بين الرنك وملكال في ولاية أعالي النيل..
لم يكن القارب يحملهم فقط. كان يحمل خوفهم أيضاً. “عبرنا بالبوت وكانت مغامرة ومخاطرة بحياتنا”. وفي منتصف الرحلة سقط أشخاص في الماء. كان النيل يأخذهم، والقارب يمضي. «في ناس وقعوا في الموية والبوت كان ماشي»
لا تعرف جميلة ماذا حدث لهم بعد ذلك. لكن بعض المآسي لا تحتاج إلى نهاية كي تبقى في الذاكرة.
تقول: «الحسرة والألم كانوا جوانا. ما كنا عارفين الرحلة دي حتنتهي كيف”..
بعد الرحلة جاء الجوع . ليس الجوع الذي يعرفه الإنسان حين يتأخر الغداء. بل ذلك الجوع الذي يجعل اليوم كله سؤالاً واحداً: هل سنجد ما نأكله؟.
مر يوم . ثم آخر.” يومين ما أكلنا”. كان الماء موجوداً، لكنه لم يكن كما ينبغي للماء أن يكون
حتى طعمه كان غريباً. لكن الإنسان حين يصل إلى حافة الجوع وسدرة منتهى العطش لا يعود شديد التدقيق في الأشياء.
كان عمر، زوج جميلة، ينظر حوله بحثاً عن شيء يمكن أن يتحول إلى طعام.«شربناها جبر عشان نقدر نعيش».
لم يكن لديهم مال. لكن كانت معهم الملابس التي حملوها من البيت. وهكذا بدأوا يأكلون ما كان يمكن ارتداؤه.
باع عمر جزءاً من الملابس قطعة مقابل وجبة . ثم قطعة أخرى مقابل يوم آخر.
حتى لم يعد في الحقائب إلا الفراغ . عندما نفدت الملابس، لم يبقَ شيء يمكن بيعه «ملابسنا كلها انتهت».
«بقينا كل يوم نبيع عشان ناكل».
فباعت جميلة شيئاً آخر: وقتها، وصحتها، وقوتها. وجدت عملاً في مطعم. تخرج في الصباح، وتعود في المساء.
لكنها لم تكن تعمل من أجل راتب، ولا من أجل مستقبل، ولا من أجل أن تدخر شيئاً.
كانت تعمل كي تأكل هي وزوجها وطفلها في ذلك اليوم.
«اشتغلت من الصباح للمساء عشان تمن وجبة لي أنا وزوجي وولدي».
«كنت مريضة لكن لازم أشتغل». فالمرض في حياة الجائع ليس سبباً للتوقف.
جملة قصيرة، لكنها تختصر مسافة طويلة من الانكسار.

كانت جميلة تعود متعبة، وربما كانت تتمنى أن تنام.
لكن الجوع لا ينام.
كان عليها أن تستيقظ في اليوم التالي لتعمل من جديد.
ثم انتهت الأشياء.
لم تعد هناك ملابس للبيع.
لم يبقَ سوى البطاطين.
«ما فضل لينا شيء غير البطاطين».
لكن البطاطين لم تكن ثروة يمكن تحويلها إلى طعام.
كانت آخر ما يقي الأسرة برد الليل.
«كنا محتاجينها عشان نتغطى بيها من البرد».
احتفظوا بها.
وللمرة الأولى ربما، أصبح الفقر شيئاً يمكن عده: ثوب واحد، بطانية، وطفل يجب حمايته.
ثم حدث شيء لم تكن جميلة تتوقعه.
فاعل خير تكفل بنقل مجموعة من الفارين جواً إلى جوبا.
«لقينا فاعل خير تبرع لينا بالطائرة لجوبا نحن مجموعة».
كانت الطائرة، بالنسبة لجميلة، أكثر من وسيلة نقل.
كانت نافذة صغيرة فتحت فجأة في جدار طويل من اليأس.
لكنها لم تكن نهاية الرحلة.
يوغندا.. نجاة أخرى مؤجلة
في جوبا قيل لهم إن يوغندا قد تكون أرحم
هناك معسكر كبير يمكن أن يأويهم.
«قال لي تمشي يوغندا أرحم ليكم من جوبا، في معسكر كبير هناك».
لم تفكر جميلة طويلاً.
حين يكون الإنسان هارباً من الجوع والحرب، تصبح كلمة «أرحم» كافية لاتخاذ القرار.
«ما اترددنا. طوالي مشينا نمولي إلى معسكر نيومانزي». ومنه إلى كريانديتقو.
المعسكر لم يكن بيتاً.
كان عليهم أولاً أن يقيموا في الاستقبال.
والمطر لا ينتظر اكتمال إجراءات النازحين.
«قعدنا في الاستقبال فترة والمطر يصب فينا».
ثم نقلوا إلى إحدى مناطق المعسكر، وأُعطيت لهم مشمعات وحطب وبعض مواد البناء التقليدية.
وهكذا بدأت حياة أخرى.
السقف الذي لا يحمي
كان المشمع بيتهم.
لكن المشمع لا يصنع بيتاً.
كان المطر يجد طريقه من كل جانب.
«المطر كان يصب فينا لحدي الصباح».
زوجها وطفلها يمسكان المشمع من أطرافه، كأنهما يحاولان أن يصنعا بأيديهما سقفاً من لا شيء.
«ولدي وراجاي ماسكين المشمع من الأطراف».
في تلك اللحظة، ربما كانت جميلة تتذكر بيت عد بابكر.
ذلك البيت الذي كانت تراه عادياً.
البيت الذي لم تكن تعرف قيمته إلا بعدما أصبح سقفاً مستحيلاً.
كانت تظن أن يوغندا ستكون نهاية المتاعب.
لكن النجاة نفسها كانت تحتاج إلى نجاة أخرى.
«كنت مفتكرة يوغندا أفضل لكن الحال صعب شديد».
ومع توقف دعم بعض المنظمات، ضاقت الحياة أكثر.
وعاد السؤال الذي رافقها من الرنك إلى المعسكر:
ماذا سنأكل؟
ثوب واحد لامرأة كاملة
تقول جميلة:
«غير التوب ده ما عندي. أغسلو وألبسو تاني».

امرأة كاملة تختصر حياتها في قطعة قماش واحدة.
تغسله، ترتديه، ثم تغسله مرة أخرى.
ولأنها تعرف ثمن الثوب، فهي تعرف أيضاً معنى أن يكون لديك ثوب آخر.
تعرف أن الثياب التي باعتها ذات يوم كانت في حقيقتها وجبات، وأن ما ترتديه الآن ليس مجرد قماش، بل آخر ما تبقى من مظهر الحياة الطبيعية.
حين تصبح الأرض مائدة
وحين لم تعد المساعدات تكفي، بحثت جميلة عن طريق آخر.
وجدته في الأرض.
زرعت البامية والذرة.
«أزرع البامية والعيش الريف».
الذرة لا تبقى ذرة في بيت جميلة.
تطحنها حتى تصبح دقيقاً.
«نطحنو عشان يبقى لينا دقيق».
ثم تأكل الأسرة الدقيق مع البامية.
لا شيء فاخر في الوجبة.
لكنها وجبة صنعتها يداها، ولم تضطر إلى بيع شيء في مقابلها.
ولهذا تقول:
«ناكل بالبامية ونقول الحمد لله».
الحمد لله، كأنها آخر ما تملكه حين تنفد الأشياء كلها.
حين تحاول جميلة أن تختصر ما فعلته الحرب بها، لا تجد قاموساً يكفيها.
تقول:
«الحرب دي عملت فينا عمايل حداد في الحديد ما يعملها».
والحرب لم تأخذ منها بيتاً فقط.
أخذت منها الطريق إلى البيت.
أخذت منها الأمان.
جعلت الطعام رحلة، والثوب رأس مال، والعمل ضرورة حتى في المرض، والنهر اختباراً للموت، والمشمع سقفاً، والبطاطين آخر ما لا يمكن بيعه.
ومع ذلك، لا تزال جميلة تريد العودة.
تقول:
«ربنا يوقفها عشان نرجع».
ثم يأتي السؤال الذي ربما لا تستطيع الحرب نفسها أن تجيب عنه:
«حق الرجوع نلقاه وين؟»
تريد جميلة أن تعود.
لكنها تعرف أن البيت ربما تغير، وأن الجدران ربما سقطت، وأن المكان الذي خرجت منه قد لا ينتظرها بالصورة التي تركته بها.
ومع ذلك، تظل العودة حلماً.
ليس لأنها تريد شيئاً عظيماً.
بل لأنها تشتاق إلى الأشياء التي لم تكن تراها عظيمة قبل الحرب.
تقول:
«أنا زمان كنت مرتاحة».
وهذه الكلمة، في قصتها، تبدو الآن كأنها اسم لزمن كامل.
زمن كان فيه للإنسان سقف.
وثوبان.
ووجبة.
وفراش.
وطفل ينام دون أن يعرف معنى النزوح.
أما الآن:
«هسه غير نرقد في الفرشة والحصير».
ثم تقول:
«اشتقنا لنوم المراتب والراحة».
المرتبة التي لم تكن حلماً.
السرير الذي لم يكن أمنية.
النوم الذي كان يحدث ببساطة، كل ليلة، دون أن تحتاج إلى أن تمسك مشمعاً حتى الصباح.
ما الذي تريده جميلة؟
ربما أكثر ما يوجع في قصة جميلة أنها لا تطلب المستحيل.
لا تريد بيتاً فاخراً.
ولا مالاً كثيراً.
ولا حياة فوق ما كانت تعيشه.
تريد فقط أن تتوقف الحرب.
أن تعود إلى السودان.
أن تجد بيتاً يمكن أن يغلق بابه.
أن يكون لديها ثوب آخر.
أن تأكل دون أن تعمل حتى المساء وهي مريضة.
أن تنام على مرتبة.
أن يستيقظ طفلها وهو شبعان.
أشياء صغيرة إلى الحد الذي يجعل فقدانها فادحاً.
فالحرب لا تنتزع من الناس الأشياء الكبيرة فقط.
أحياناً تنتزع منهم الأشياء التي لم يكونوا يتخيلون يوماً أنها يمكن أن تصبح حلماً.
ثوباً.
مرتبة.
وجبة.
سقفاً.
و«بالاً مرتاحاً».
واليوم، تقف جميلة في مكان بعيد عن بيتها، بين أرض تحاول أن تستخرج منها قوت أسرتها، ومشمع تحاول أن تجعله بيتاً، وبلد تركته خلفها وهي لا تعرف ماذا بقي منه.
تنتظر نهاية الحرب.
وتنتظر الرجوع.
لكنها لا تعرف، إذا توقفت الحرب غداً، هل ستجد البيت الذي خرجت منه؟
وهل ستعرف الطريق إليه؟
وهل سيعرفها البيت؟
أم أن الحرب، بعد كل ما أخذته، ستترك لها شيئاً واحداً فقط:
ذكرى امرأة كانت ذات يوم تجلس في بيتها في عد بابكر، وتقول دون أن تعرف أن الأيام ستكذب عليها:
«أنا زمان كنت مرتاحة وبالي مرتاح».





