حين تعبر الأسرة حدود العالم الثالث

رضوان بلال
بحذر واحترام أكتب عن هذا الموضوع المهم جداً، وهو ليس مُعمَّماً، لأنني لا أملك أن أدّعي تجربة لم أعشها.
أنا لم أهاجر إلى بلاد العالم الأول، ولم أعش داخل أسرة سودانية اختبرت الحياة الزوجية هناك، لكنني عرفت كثيرين عاشوا هذه التجربة؛ بعضهم حكى، وبعضهم اكتفى بالصمت، وبعضهم احتفظ بأسراره لنفسه.
وكثير من الأسرار لا تحتاج إلى أن تُحكى؛ فكثير من آثارها تكون واضحة في الوجوه، وفي العلاقات، وفي المسافات التي صنعتها الغربة بين زوج وزوجة، وبين الأب وأطفاله، وبين الإنسان وأهله.
القصة، في رأيي، ليست أن المرأة عندما تصل إلى العالم الأول «تتمرد»، ولا أن الرجل دائماً ضحية؛ القصة أعقد من ذلك.
امرأة جاءت من مجتمع اعتاد أن تكون الأسرة فيه شبكة واسعة من الواجبات والروابط والرقابة الاجتماعية، ثم وجدت نفسها في مجتمع يعطيها استقلالاً قانونياً واقتصادياً ومساحة واسعة لاتخاذ قراراتها.
ورجل جاء من مجتمع كانت فيه الرجولة مرتبطة أحياناً بالسلطة والكلمة الأخيرة، ثم وجد نفسه أمام قانون لا يعترف بهذه السلطة إذا تعارضت مع حقوق الزوجة والأطفال.
هنا تبدأ المعركة. بعض الرجال لا يستطيعون الانتقال من ثقافة «أنا الزوج» إلى مفهوم «نحن شريكان».
وبعض النساء، بعد أن يكتشفن مساحة الحرية الجديدة، قد ينتقلن من الخضوع إلى القطيعة، ومن الاستقلال إلى الاستغناء الكامل، حتى يصبح الزوج وأهله وامتداداته الأسرية جزءاً من ماضٍ تريد أن تغلق بابه.
وبين الطرفين تضيع أشياء كثيرة؛ تضيع صلة الرحم، ويضيع الاحترام، وأحياناً تضيع صورة الأب في عيون أبنائه.
ثم يأتي القانون، وهنا السؤال المحير: هل لمّ الشمل فعلاً هدف أساسي أم فخ لتفريق الشمل وتفكيك الأسرة؟!
لكنني أعتقد أن منظومة تقوم على الفرد وحقوقه واستقلاله، إذا دخلتها أسرة تحمل ثقافة مختلفة دون استعداد، قد تنتج نتائج لم تكن الأسرة تتوقعها.
وقانون لمّ الشمل نفسه قد يكون جسراً عظيماً لإنقاذ أسرة فرقتها الحرب أو الفقر أو الهجرة، لكنه لا يستطيع وحده أن يصلح علاقة مكسورة.
قد يجمع الأجساد تحت سقف واحد، لكنه لا يضمن أن القلوب ستلتقي.
ولهذا أرى أن مسؤولية الرجل كبيرة.
إذا حمل الرجل معه عقلية السيطرة، واعتبر القانون عدواً، واعتبر استقلال زوجته إهانة لرجولته، فهو بنفسه يدفع بيته نحو الهاوية.
ومسؤولية المرأة أيضاً كبيرة.
فمعرفة الحقوق لا تعني إسقاط الواجبات، والاستقلال لا يعني قطع الأرحام، ولا نسيان فضل الرجل الذي عبر بها وبأحلامهم، والقانون ليس أداة للانتقام من الزوج.
الأسرة التي تعبر الحدود تحتاج إلى شيء أكبر من جواز السفر ولمّ الشمل.
تحتاج إلى لمّ شمل ثقافي وإنساني.
أن يتعلم الرجل أن الرجولة مسؤولية وليست سلطة، وأن تتعلم المرأة أن الحرية ليست قطيعة.
وأن يفهم الاثنان أن الطفل ليس ورقة في معركة، وأن أهلهما ليسوا أعداء بالضرورة.
وربما أكثر ما يؤلمني في هذه الحكايات أن بعض الذين عاشوا التجربة لا يتحدثون عنها، فقط يصمتون ويحتفظون بالتفاصيل لأنفسهم، والصمت أبلغ من الكلام.
لا أقصد من كتابتي إدانة المرأة، ولا أبرئ الرجل، ولا أتهم الغرب.
أكتب لأنني أرى حولي تجارب كثيرة، وأسمع من أصحابها ما يكفي لأطرح السؤال:
هل نستطيع أن نعبر إلى العالم الأول دون أن نفقد الأسرة التي حملناها معنا من العالم الثالث؟
ربما الإجابة لا تكون في العودة إلى الماضي، ولا في رفض الحاضر.
بل في أن نتعلم كيف نأخذ معنا أجمل ما في ثقافتنا، ونترك ما كان فيها من ظلم، ونفهم قوانين المجتمع الجديد، ونبني أسرة تستطيع أن تعيش بين عالمين دون أن تتمزق بينهما.





