من معلمة تصنع الأجيال إلى بائعة كنافة متجولة في أسواق كمبالا.. قصة حواء عثمان زكريا.. رحلة نزوح داخل السودان انتهت باللجوء إلى يوغندا

كمبالا / سمر سليمان

لم تكن حواء عثمان زكريا تتخيل أن يأتي يوم تحمل فيه جردل الكنافة وتتجول بها في أسواق مدينة كمبالا (التاون) تبحث عن زبائن لتوفر ثمن الطعام والإيجار واحتياجات أسرتها.

كانت حياتها قبل الحرب مختلفة تمامًا.

حواء معلمة بالدرجة الثانية، عملت في التعليم لسنوات، وكانت تشغل منصب وكيلة في مدرسة الأميرية. كانت تقضي يومها بين الطلاب والمعلمين، تؤدي رسالتها في تعليم الأجيال، وتعود إلى منزلها وهي تعرف أن لديها وظيفة وراتبًا وحياة مستقرة رغم بساطة الظروف.

كانت تقيم في منطقة دار السلام مربع 6 بمحلية جبل أولياء جنوب الخرطوم، حيث كانت تعيش وسط أسرتها وابنتها.

لكن الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023 لم تترك لها مساحة لتكمل حياتها كما كانت.

تحولت منطقة جبل أولياء إلى منطقة عمليات، وأصبح صوت الرصاص والقصف جزءًا من الحياة اليومية. لم يعد المنزل مكانًا آمنًا، ولم تعد المدرسة التي تعمل فيها قادرة على أن تمنحها الشعور نفسه بالاستقرار.

كان عليها أن تختار بين البقاء والموت أو الرحيل بحثًا عن مكان أكثر أمانًا.

اختارت النزوح.

لكن النزوح بالنسبة للأستاذة حواء لم يكن رحلة واحدة.

كان سلسلة طويلة من الرحلات المتواصلة، كل محطة فيها تبدأ بالأمل في الأمان وتنتهي بالحاجة إلى الرحيل مرة أخرى.

خرجت من جبل أولياء وانتقلت إلى مناطق أخرى داخل السودان، من جبل أولياء إلى القطينة ثم القراصة وسنجة والدمازين، ثم وصلت إلى الرنك.

كل مرة كانت تحمل ما تستطيع حمله وتترك خلفها جزءًا من حياتها.

في كل منطقة كانت تحاول أن تجد مكانًا تستقر فيه.

لكنها كانت تواجه السؤال نفسه: هل المكان آمن؟ وهل يمكن البقاء فيه؟

ومع استمرار الحرب أصبح النزوح داخل السودان بلا نهاية.

تقول حواء إن الحرب كانت تدفعها من منطقة إلى أخرى، فكلما شعرت أن المكان الذي وصلت إليه أصبح خطرًا كانت تضطر إلى التفكير في الرحيل من جديد.

لم يكن لديها رفاهية الانتظار.

كانت أمًّا ومسؤولة عن أسرة، وكانت تفكر في الطعام والماء والسكن، وفي كيفية حماية ابنتها وتأمين أبسط احتياجات الحياة.

ومع طول رحلة النزوح بدأت الحياة التي كانت تعرفها تتفكك شيئًا فشيئًا.

الوظيفة لم تعد موجودة.

البيت لم يعد موجودًا كما كان.

والاستقرار أصبح مجرد ذكرى.

حتى راتبها الذي كان يمثل مصدر دخل ثابتًا توقف.

تقول حواء إن راتبها أوقف لأنها لم تعد إلى السودان، لكنها لا تستطيع أن تفهم كيف يمكنها العودة وهي لا تملك حتى تكاليف الرجوع.

تسأل بحسرة:

(أنا أرجع كيف؟ ما عندي قروش رجوع).

ثم تضيف:

(نحن أسرة وين القروش النرجع بيها)؟

كانت أمامها معضلة قاسية: العودة تعني مواجهة واقع الحرب، والبقاء خارج السودان يحتاج إلى مصدر دخل لا تملكه.

ومع استمرار النزوح لم تعد الرحلة داخل السودان كافية.

كان عليها أن تغادر البلاد.

من الرنك عبرت إلى جوبا في جنوب السودان لتبدأ مرحلة أخرى من حياتها، مرحلة اللجوء خارج الوطن.

في جوبا لم تجد الاستقرار الذي كانت تبحث عنه، واستمرت رحلة البحث عن الأمان حتى وصلت إلى أوغندا.

هنا في كمبالا بدأت الأستاذة حواء حياة جديدة تمامًا.

لكن اللجوء لم يكن نهاية المعاناة.

كان بداية نوع آخر منها.

في السودان كانت تعاني من الحرب والنزوح والخوف من القصف والقتال، أما في كمبالا أو دولة يوغندا أصبحت المعركة مع تكاليف الحياة والإيجار والطعام والماء واحتياجات الأسرة.

تقول إن الحياة في كمبالا صعبة من دون عمل، وإن اللاجئ يحتاج إلى الحركة والعمل حتى يستطيع توفير أبسط احتياجاته.

لكن حواء لم تصل إلى أوغندا وهي بكامل صحتها وقدرتها على الحركة.

هي مصابة بالسكري، والتجوال والعمل لساعات طويلة ليس أمرًا سهلًا بالنسبة لها.

صعود السلالم، على سبيل المثال، يمثل تحديًا، وأحيانًا تضطر إلى الجلوس في مكان واحد عندما يتعبها السير قبل أن تستعيد قدرتها على مواصلة العمل.

ومع ذلك لم تسمح للمرض ولا ظروف اللجوء بأن يجعلاها تنتظر المساعدة فقط.

بحثت عن وسيلة تستطيع من خلالها إعالة نفسها وابنتها وأسرتها.

ومن هنا جاءت فكرة الكنافة.

بدأت المعلمة حواء في إعداد الكنافة وبيعها، وتحولت من معلمة ووكيلة مدرسة إلى بائعة متجولة في أسواق كمبالا، تتنقل بين الأماكن التي يوجد فيها السودانيون، تحمل معها ما أنتجته وتبحث عن زبون.

قد يراها البعض في السوق امرأة تبيع حلوى سودانية، لكن خلف هذه الصورة تختبئ قصة طويلة من الحرب والنزوح واللجوء.

كل خطوة تخطوها حواء في السوق تختصر سنوات من فقدان الاستقرار.

تقول إن المشروع ليس دائمًا مربحًا (لكن أفضل من راتب معلم في السودان).

(مرات السوق كويس ومرات ترجع بتبور).

لكن حتى الأيام التي تحقق فيها ربحًا بسيطًا تعني لها الكثير.

فالمال الذي تحصل عليه من بيع الكنافة يساعدها في توفير الطعام ودفع الإيجار وشراء احتياجات ابنتها ومساندة أخواتها.

تقول:

(هي بتعيني على مصاريفي أنا وأخواتي وبتي، أفضل من راتبي).

بالنسبة لحواء لم تعد قيمة المال تقاس بحجمه، وإنما بما يستطيع أن يوفره لها من احتياجات أساسية.

تقول:

(نحن قروشنا واقعة في الأرض، أفضل الشلن الأنا بتجول بيهو).

كل شلن تحصل عليه من تعبها له قيمة.

وكل قطعة كنافة تبيعها تعني أنها استطاعت أن تؤمن شيئًا من احتياجات اليوم.

ورغم صعوبة العمل فإنها تفضّل أن تعمل على أن تجلس بلا مصدر دخل.

فهي اعتادت طوال حياتها أن تكون امرأة عاملة.

كانت تقف أمام الطلاب وتعلمهم وتتحمل مسؤوليات المدرسة، واليوم تقف في الأسواق وتتحمل مشقة التجوال.

المهنة تغيرت، لكن فكرة الاعتماد على النفس لم تتغير.

تقول حواء إن الحرب أجبرتها على التجوال من منطقة إلى أخرى داخل السودان، ثم أجبرتها على عبور الحدود واللجوء إلى بلد آخر.

لم تكن تريد أن تغادر وطنها.

لكنها كانت تبحث عن مكان آمن تستطيع فيه أن تعيش هي وابنتها.

من جبل أولياء إلى القطينة، ومن القراصة إلى سنجة، ومن سنجة إلى الدمازين، ثم الرنك، فجوبا، وأخيرًا كمبالا.

هذه ليست مجرد أسماء على خريطة.

إنها محطات في حياة امرأة أخذتها الحرب بعيدًا عن بيتها ومدرستها وعملها.

في السودان كانت حواء نازحة.

وفي خارج السودان أصبحت لاجئة.

وفي الحالتين ظلت تحمل المسؤولية نفسها: كيف توفر الطعام والسكن وتواصل الحياة؟

اليوم لا تزال فكرة العودة إلى السودان حاضرة في ذهنها، لكنها تصطدم بالواقع.

راتبها متوقف، ولا تملك المال الذي يمكنها من العودة، كما أن مستقبلها الوظيفي غير واضح.

وتقول إن العودة إلى الوظيفة نفسها لن تعني بالضرورة العودة إلى الحياة التي كانت تعرفها قبل الحرب.

تقول:

(لو رجعنا نرجع للمرتب التعبان، تمن تعبئة أنبوبة غاز فقط).

وكأنها تقول إن الحرب لم تأخذ منها مكان العمل فقط، بل جعلت قيمة الدخل نفسه عاجزة عن مواجهة احتياجات الحياة.

ثم تقول بحزن:

(وجعنا بقى كتير).

لكن رغم كل ذلك لا تزال حواء متمسكة بالأمل.

لا تتحدث عن نفسها باعتبارها امرأة هزمتها الحرب، بل باعتبارها امرأة تحاول أن تبدأ من جديد من مشروع صغير في سوق بعيد عن وطنها.

تقول:

(أمرق على باب الله في الرزق وراضية بقسمة ربنا والحمد لله).

هذه الجملة تلخص شيئًا كبيرًا في حكايتها.

فحواء التي كانت تعلم الأطفال في السودان أصبحت اليوم تتجول في أسواق كمبالا بالكنافة.

لم تختر هذه الحياة ولم تكن تحلم بها.

لكن الحرب جعلتها تبحث عن الأمان وتبدأ حياة اللجوء من الصفر.

من الفصل الدراسي إلى السوق.

من دفتر التحضير إلى جردل الكنافة.

من وظيفة ثابتة إلى رزق يومي.

ومن وطنها السودان إلى حياة اللجوء في يوغندا.

ومع ذلك ما زالت حواء تمشي.

قد تتعب من السلالم والعمارات العالية، محل تواجد السودانيين، وقد تضطر إلى الجلوس قليلًا، وقد تمر عليها أيام يكون فيها السوق جيدًا، لكنها في اليوم التالي تحمل كنافتها وتخرج مرة أخرى.

فهي لا تبحث عن الثراء.

إنها تبحث فقط عن يوم يمر دون أن تحتاج فيه أن تمد يدها لأحد.

تبحث عن ثمن الإيجار.

عن طعام ابنتها.

عن دوائها.

وعن فرصة تمنحها القدرة على الاستمرار.

حواء عثمان زكريا.. معلمة سودانية كانت تعلم أجيالًا في وطنها، فأجبرتها الحرب على النزوح داخل السودان ثم اللجوء خارجه، لتبدأ في كمبالا حياة جديدة ببيع الكنافة، وهي تقول ببساطة: (أكابس في الحياة).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى