خزان جديد.. حين يحاول المزارعون إنقاذ موسمهم بأيديهم

نمارق الجاك

في أقصى شرق دارفور، تبدو منطقة خزان جديد بولاية شرق دارفور وكأنها تعيش على هامش الحرب، لكنها في الواقع تواجه واحدة من أكثر صور الحرب قسوة: معركة يومية من أجل البقاء، تبدأ من الأرض ولا تنتهي عند توفير الطعام والوقود والبذور.

تقع خزان جديد ضمن محلية شعيرية الإدارية التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، وتفصل بحيرة المنطقة إلى نصفين، في مشهد يعود إلى سنوات الإدارة البريطانية، حين ابتكر الأهالي قوارب من الزنك المجوف لتسهيل العبور بين الضفتين. ومن الشمال تحدها عديلة، ومن الجنوب بحر العرب، ومن الشرق الضعين، فيما ظل النشاط الاقتصادي فيها يعتمد بصورة أساسية على الرعي والزراعة.

لكن الحرب غيّرت طبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة. ومع اتساع دائرة الاحتياجات وتراجع الموارد، بدأ المجتمع المحلي يبحث عن وسائل جديدة لتنظيم قدرته على الصمود. ظهرت غرف الطوارئ، والمطابخ، والسلاسل الغذائية، والمبادرات المجتمعية، بينما يحاول الشباب والشابات توفير احتياجات أسرهم ومجتمعهم في بيئة يزداد فيها سعر الوقود، وتشح التقاوي، وتتغير فيها مواسم الأمطار.

وسط هذا الواقع ظهرت جمعية الفلاح الزراعية بخزان جديد، كمحاولة لتنظيم الجهد المحلي حول الزراعة، باعتبارها المورد الأكثر أهمية بالنسبة إلى سكان المنطقة.

مبادرة المزارعين

يقول مسؤول الإعلام بالجمعية هاشم إبراهيم إن الجمعية تكونت في أبريل 2026 بمبادرة من صغار المزارعين، ولم يتم تسجيلها لدى المفوضية حتى الآن.

ويضيف أن الفكرة بدأت من الحاجة إلى تدريب صغار المزارعين، لكن وضع خطة العمل كشف عن احتياجات أكبر من مجرد التدريب، الأمر الذي دفع الجمعية إلى التركيز على دعم مئة مزارع ومزارعة.

ويقول هاشم إن مشكلة التمويل تظل العقبة الأكبر، في وقت يصعب فيه حتى تحديد العدد الفعلي للمزارعين، في ظل ظروف الحرب وسيطرة الأمر الواقع.

 

ورغم محدودية الإمكانات، بدأت الجمعية في بناء هيكلها الداخلي وتنظيم عملها. فهي تعقد اجتماعات رسمية وجلسات أسبوعية للتفاكر، تُقام كل يوم سبت، فيما شهدت الفترة الماضية تشكيل المكتب وتنفيذ ورشتين لصغار المزارعين في 27 يونيو، استهدفتا مئة مزارع ومزارعة.

ولا تقتصر هذه الاجتماعات على الجوانب التنظيمية، بل تتحول إلى مساحة لقراءة الموسم الزراعي ومحاولة استباق مشكلاته.

موسم مختلف

الموسم الزراعي المقبل يأتي في ظروف مختلفة عن السنوات السابقة. فالتغيرات المناخية جعلت المزارعين غير قادرين على الاعتماد على التوقيتات المعتادة للخريف، بينما تشير التقديرات المحلية إلى أن الأمطار قد تأتي متأخرة، الأمر الذي يفرض البحث عن بدائل عملية.

ويقول هاشم إن جلسات الجمعية التفاكرية تبحث في شكل الموسم الزراعي وكيفية التعامل مع تأخر الخريف، ومن بين الحلول المطروحة الزراعة المبكرة، والبدء في عمليات النظافة الزراعية في وقت مبكر.

لكن المشكلة لا تبدأ بالمطر وحده.

التقاوي أصبحت أزمة قائمة بذاتها. ويقول هاشم إن إنتاج العام الماضي كان ضعيفاً، بينما ارتفعت أسعار البذور والأسمدة والوقود بصورة كبيرة.

ويصل سعر برميل الجاز إلى ما بين ثلاثة ملايين وثلاثة ملايين وستمئة ألف جنيه، مع توقعات بزيادته، وهو ما دفع المزارعين إلى الاتجاه نحو الحرث اليدوي والآليات التقليدية بدلاً من الاعتماد الكامل على الميكنة الزراعية.

وبحسب تقديرات الجمعية، يبدأ الموسم في 15 نوفمبر، على أن تبدأ زراعة الفول في 22 نوفمبر، ويُستكمل حصاده في حدود 20 ديسمبر، فيما تمتد زراعة الذرة حتى العاشر من أغسطس.

هذه الحسابات الزمنية تبدو بسيطة على الورق، لكنها في الواقع تمثل معركة مع المطر والمال والبذور.

المطر والمخاطرة

المزارع في خزان جديد لا يواجه فقط احتمال ضعف المطر، وإنما يخشى أيضاً غزارته.

يقول هاشم إن الجمعية تتوقع احتمال أن تأتي الأمطار بكميات هائلة أو شحيحة، وفي كلتا الحالتين يمكن أن يكون الموسم كارثياً.

إذا كانت الأمطار غزيرة، ستزيد الجمعية من زراعة الماريق، أي الذرة، وتقلل المساحات المخصصة للفول، لأن الفترة الافتراضية لنضج الفول تبلغ نحو تسعين يوماً، بينما يمتد الموسم المطري في أقصى تقدير حتى العاشر من أكتوبر.

وبالتالي فإن زراعة محصول يحتاج إلى فترة أطول تصبح مخاطرة أكبر.

أما تعويض النقص المتوقع في الفول، فتراه الجمعية ممكناً من خلال التوسع في الخضروات والفواكه، مثل البطيخ والشمام والعجور والطماطم، إلى جانب ما يعرف محلياً بالحقول الأرضية أو الشتوية.

الفكرة في جوهرها هي تقليل الخسارة، لا البحث عن موسم مثالي.

فالمزارع الذي يعمل وسط حرب لا يستطيع أن يراهن بكل ما يملك على محصول واحد أو على توقعات مناخية غير مؤكدة.

 

التقاوي أولاً

تستعد جمعية الفلاح لتنفيذ مشروع لخريف 2026، تسعى من خلاله إلى توفير تقاوي الذرة المحسنة عالية الجودة للمزارعين قبل بداية موسم الخريف.

ويستهدف المشروع دعم مئة مزارع صغير، بهدف رفع إنتاجية الفدان بنسبة لا تقل عن عشرين في المئة، إلى جانب تعزيز الوعي بالممارسات الزراعية الجيدة وإدارة التقاوي.

وتقدر الجمعية احتياجات تنفيذ المشروع بعشرة آلاف دولار أمريكي، من دون احتياطي للطوارئ.

هذا الرقم، رغم أنه يبدو محدوداً مقارنة بحجم أزمة الزراعة في المنطقة، يمثل بالنسبة إلى جمعية محلية حديثة التكوين تحدياً كبيراً.

ولهذا تعتمد الجمعية في جزء من نشاطها على الجهد الذاتي، وتحاول في الوقت ذاته البحث عن شركاء ومنظمات يمكن أن توفر التمويل والدعم الفني.

ولا تستبعد الجمعية النساء من هذا النشاط، بل تعتبر المزارعات جزءاً من عضويتها، وتسعى إلى مساعدتهن على الوصول إلى الخدمات الزراعية بصورة عادلة، والعمل على تطوير السياسات الزراعية بحيث تكون أكثر استجابة لاحتياجات المزارعات والأسر الريفية.

الذرة غذاء ودخل

تركز جمعية الفلاح بصورة أساسية على الذرة، باعتبارها واحدة من أهم المحاصيل الغذائية والنقدية في المنطقة.

فالذرة بالنسبة إلى المزارعين ليست مجرد محصول زراعي، وإنما مصدر للغذاء والدخل في الوقت ذاته. ولهذا فإن ضعف الحصول على التقاوي المحسنة وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية ينعكسان مباشرة على الأمن الغذائي للأسر.

وترى الجمعية أن تحسين جودة التقاوي يمكن أن يمثل مدخلاً عملياً لزيادة الإنتاجية، خصوصاً في ظل تراجع قدرة المزارعين على شراء المدخلات الزراعية وارتفاع تكلفة الزراعة التقليدية.

لكن التمويل المتاح للجمعية حتى الآن لا يتناسب مع حجم الاحتياجات.

يقول هاشم إن بعض التمويل جاء عبر غرف الطوارئ ومنظمات تدعم بعض الجمعيات الزراعية وصغار المزارعين، لكنه دعم غير كافٍ.

ومن هنا يوجه نداءً إلى الجهات المعنية بالزراعة، وفي مقدمتها منظمة الأغذية والزراعة، للوصول إلى المنطقة ودعم المزارعين.

ويقول: «المساحات متوفرة، لكن الإمكانات شحيحة».

ما قبل الحرب

بالنسبة إلى المزارع عبد الله، فإن الحديث عن دعم المزارعين لم يكن ضرورياً قبل الحرب بالصورة التي أصبح عليها الآن.

يتذكر أن المزارعين قبل الحرب لم يكونوا بحاجة إلى هذا النوع من الدعم. ففي نهاية الموسم كان المزارع يختار أجود ما أنتج من الفول والبطيخ ويحتفظ به كتقاوي للموسم التالي.

وكان الإنتاج وفيراً، ويصل في بعض الحالات إلى أربعمئة شوال.

لكن الحرب أدخلت المزارعين في وضع اقتصادي مختلف تماماً.

يقول عبد الله إن توفير رأس المال أصبح صعباً، وأصبح القليل فقط قادراً على شراء التقاوي. أما إنتاج العام الماضي فكان ضعيفاً، بينما ظل السوق يغطي الاحتياجات بصعوبة، مع وصول بعض البضائع من الدبة وعطبرة على مدى يقارب العام، في وقت يعاني فيه التجار أنفسهم من عجز كبير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى