هل تحوّل استمرار الحرب إلى مشروع سلطة

حيدر المكاشفي
لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين يتنازعان النفوذ والسلطة، بل تحولت إلى منظومة كاملة لإعادة تشكيل الدولة والاقتصاد والمجتمع على نحو يجعل المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر، بينما تتسع في المقابل دوائر المستفيدين من اقتصاد الحرب وسلطة الحرب وامتيازاتها. فبعد قرابة الأربع سنوات من القتال والخراب والدمار، أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: من المستفيد من هذه الحرب ولا يريد لها أن تتوقف؟ فالحرب ابتلعت المدن والقرى والأسواق والمزارع والمؤسسات، وأجبرت الملايين على النزوح واللجوء، ودمرت البنية التحتية، وأضعفت العملة الوطنية، ورفعت الأسعار، ودفعت قطاعات واسعة من السودانيين إلى حافة الجوع والفقر. ورغم ذلك لا يبدو أن حجم الكارثة الإنسانية والاقتصادية كان كافياً لإقناع المصرّين على الحرب بأن استمرارها ليس انتصاراً لأحد وإنما خسارة للسودان كله. لقد نشأ حول الحرب اقتصاد له قواعده الخاصة، جبايات ورسوم، تجارة عملة، تهريب، احتكار، أسواق موازية، امتيازات مرتبطة بالنفوذ والسلاح، ومصالح تتغذى على الفوضى وانهيار الرقابة. وفي مثل هذه البيئة يصبح السلام بالنسبة لبعض المستفيدين تهديداً لمصالح تراكمت في زمن الحرب. أما المواطن المسكين فلا يملك سوى دفع الفاتورة. يدفعها عندما يشتري رغيف الخبز، وعندما يبحث عن دواء، وعندما يعجز عن إرسال أبنائه إلى المدرسة، وعندما يغادر منزله تحت القصف، وعندما يقف على أبواب المعابر، وعندما يبيع ما تبقى من مدخراته ليؤمّن احتياجات أسرته. ويدفعها التاجر بالرسوم والجبايات، والمزارع بتعطل الإنتاج، والموظف بانهيار قيمة راتبه، والنازح بفقدان منزله، والشاب بضياع مستقبله، والمرأة بما تتحمله من أعباء الحرب والنزوح والفقر. وهكذا أصبح المواطن السوداني أمام مفارقة قاسية، فكلما طال أمد الحرب اتسعت خسائره، بينما تتسع في المقابل مصالح بعض الذين يعيشون ويتكسبون من استمرارها. والأخطر من ذلك أن الحرب بدأت تنتج خطاباً سياسياً يجعل السلام يبدو أحياناً وكأنه تنازل أو هزيمة، بينما الحقيقة أن استمرار القتال هو الذي يدفع السودان نحو مزيد من التفكك والاستنزاف. والمطلوب ليس سلاماً شكلياً يعيد إنتاج الأزمة، ولا تسوية تتجاهل جذور الأزمة، ولا اتفاقاً يقسم النفوذ بين المسلحين ويترك المدنيين خارج المعادلة. المطلوب هو سلام ينقل السودان من منطق البندقية إلى منطق الدولة، ومن اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الإنتاج، ومن شرعية القوة إلى شرعية المؤسسات والمواطن. لقد آن الأوان لدحض المقولة التي تزعم أن السودان يستطيع أن يحتمل حرباً أطول. فواقع السودان اليوم يكشف بوضوح أنه لا يحتمل، فالمجتمع يتآكل، والاقتصاد ينهار، والتعليم يتراجع، والصحة تدفع الثمن، والنسيج الاجتماعي يتعرض لزلزلة خطيرة، وأجيال كاملة تنشأ وهي تعرف الحرب أكثر مما تعرف السلام. ولهذا فإن استمرار الحرب لم يعد مجرد قرار عسكري، إنه قرار يتعلق بمستقبل وطن كامل. ومع استمرار هذا الحال البائس والتعيس، حق للسودانيين أن يسألوا بوضوح: لماذا تستمر الحرب؟ ومن المستفيد من استمرارها؟ ومن يدفع تكلفتها؟ ومن يملك قرار إيقافها؟ فالسودان ليس غنيمة لأحد، وليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، وليس ملكاً للجيوش أو الجماعات المسلحة والمليشيات أو النخب السياسية. إنه بلد الملايين الذين يريدون فقط أن يعيشوا في سلام وأمان. والخطر الأكبر ليس أن تستمر الحرب عاماً آخر فقط، وإنما أن يتحول استمرارها إلى أمر طبيعي، وأن يصبح الموت خبراً يومياً عادياً، والنزوح قدراً دائماً، والفقر سياسة اقتصادية، والفوضى شكلاً جديداً من أشكال الحكم. عندها لن تكون الحرب قد هزمت السودانيين فقط، بل ستكون قد هزمت فكرة السودان نفسها. ولذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس هو من سينتصر في الحرب، بل هل سيبقى السودان نفسه إذا استمرت الحرب..
يبدو أن صارت للحرب الآن وظيفة تتجاوز القتال نفسه. فهي لم تعد مجرد معركة بالرصاص والمدافع، وإنما أصبحت عند بعض المستفيدين منها مشروعاً سياسياً واقتصادياً مفتوحاً، ولذلك يكون السؤال الأكثر إزعاجاً وإقلاقاً لهؤلاء هو: ماذا سيحدث لنا وما مصيرنا إذا انتهت الحرب؟ هذا السؤال وحده كفيل بإفساد كثير من الخطب الحماسية عن النصر والحسم والمعركة المصيرية. فالحرب بالنسبة للمواطن العادي كارثة، أما بالنسبة للبعض المستفيد فهي فرصة. فالمواطن البسيط يرى في الحرب مدينة مدمرة، بينما يراها المستفيدون سوقاً جديدة. والمواطن يرى انهيار الجنيه، بينما يراه تجار الأزمات فرصة للمضاربة. والمواطن يرى الجبايات تنهش ما تبقى من دخله، بينما يراها أصحاب القرار الاقتصادي مورداً مالياً لا يحتاج إلى برلمان ولا موازنة ولا كثير من الأسئلة. والمواطن يريد أن تنتهي الحرب لكي يعود إلى بيته وعمله ومدرسته ومزرعته. أما الذين بنوا نفوذهم على الحرب، فقد تكون عودتهم إلى الحياة الطبيعية هي أسوأ خبر. وهكذا أصبح المواطن السوداني البسيط مطالباً بالصبر على الحرب، والصبر على الغلاء، والصبر على الجبايات، والصبر على انعدام الخدمات، والصبر على النزوح واللجوء، والصبر على انهيار العملة، وربما الصبر حتى يفارق الدنيا. لكن السؤال الذي لا يريد البلابسة سماعه هو: إلى متى يمكن إدارة بلد كامل بمنطق الطوارئ؟ فالحرب التي كان يفترض أن تكون حالة استثنائية تحولت إلى واقع دائم، والواقع الدائم بدأ ينتج مصالح دائمة للبعض، حيث نشأ اقتصاد حرب له تجاره وسماسرته وطرق تمويله وأسواقه، وتوسعت مساحات الاقتصاد غير الرسمي، وأصبحت الجبايات مورداً يسهل تحصيله من مواطن لا يستطيع الهروب من الرسوم حتى لو هرب من القصف. فالتاجر الذي يغلق متجره احتجاجاً على الرسوم لا يفعل ذلك لأنه يعادي الدولة، كما يحاول البعض تصوير الأمر، وإنما لأنه وصل إلى النقطة التي يصبح فيها الاستمرار في العمل يعني خسارة مؤكدة. أما المواطن فقد أصبح في أسفل السلم تماماً. فهو الذي يدفع ثمن الحرب مرتين، مرة عندما تدمر الحرب منزله ومصدر رزقه، ومرة أخرى عندما يدفع كلفة الحرب في صورة أسعار وجبايات ورسوم وتضخم ونقص في الخدمات. والسؤال الأهم هنا هو: من يملك المصلحة في استمرار الحرب؟ فالحروب لا تستمر بالرصاص وحده، بل تستمر أيضاً عندما تصبح هناك مصالح سياسية واقتصادية واجتماعية مرتبطة ببقائها. ولهذا فإن الدعوة إلى السلام لا ينبغي أن تكون مجرد نداء أخلاقي، وإنما مشروعاً لتفكيك اقتصاد الحرب الذي جعل استمرار النزاع مربحاً لبعض الأطراف ومكلفاً لجميع السودانيين. ولا يكفي أن يجلس المتحاربون إلى طاولة تفاوض إذا كانوا سيتركون خلفهم الشبكات التي تعيش على الحرب، أو إذا كان السلام سيعيد إنتاج السلطة القديمة بوجوه جديدة. إن السودان اليوم لا يحتاج إلى هدنة مؤقتة تعيد ترتيب مواقع المتقاتلين استعداداً لجولة جديدة، وإنما يحتاج إلى سلام يضع المدنيين في مركز المعادلة، ويعيد بناء الدولة، ويفتح الاقتصاد للإنتاج، ويضع حداً للجبايات غير القانونية، ويخضع المال العام والموارد للمساءلة، ويمنع تحويل الحرب إلى وسيلة للتكسب السياسي والثراء الاقتصادي. أما الاستمرار في بيع السودانيين شعارات (النصر) بينما يبيع المواطن أثاث منزله ليشتري الطعام، فهذه جريمة من الجرائم ضد الإنسانية. لقد آن الأوان لأن نقول الأشياء بأسمائها، فهذه الحرب لا تقتل الناس فقط، إنها تخلق مستفيدين من موت الناس وانهيار الدولة. وكل يوم إضافي من الحرب يعني مزيداً من الثروة لمن يستطيعون تحويل الفوضى إلى فرصة، ومزيداً من الفقر لمن لا يملك سوى راتبه أو متجره أو مزرعته. لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطارد كل خطاب رسمي وكل مؤتمر صحفي وكل تصريح عسكري هو: إذا كانت الحرب من أجل السودان، فلماذا يدفع المواطنون السودانيون وحدهم ثمنها؟ وإذا كان الهدف هو إنقاذ الدولة، فلماذا كلما طال أمد الحرب أصبحت الدولة أضعف، والمواطن أفقر، والاقتصاد أكثر انهياراً؟ وإذا كانوا يريدون (النصر)، فمن الذي سينتصر عندما لا يبقى شيء يستحق الاحتفال به..





