هل لا يزال حميدتي ميتًا؟

د.وجدي كامل

عادةً ما تنتج الحروب حاجتها الخاصة إلى الأخبار. وفي ذلك، لا يبحث الجمهور دائماً عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن خبر يفسر له ما يحدث أو يمنحه أملاً. لذلك تجد الشائعة بيئتها الخصبة، خصوصاً عندما تكون المعلومات قليلة ومصادرها تكاد تكون منعدمة.

ولكن أين المشكلة في ذلك؟

إنَّ واحدةً من أشياء عديدة، وبحيث تكاد تشكل منظومة متكاملة من عاداتنا أو عيوب تفكيرنا، هي قابليتنا على تصديق الشائعات. فنحن لا نوصف الظواهر، ونكتفي بالتعليق عليها ثم ننتظر التقدير من الآخر كنتيجة لذلك فقط. بل نراكم الأخطاء دون مراجعة لاحقة أو تقديم اعتذار، حتى كاد أن يصبح قاموس المعرفة أو المعارف السياسية عندنا خالياً من كلمة “آسف” أو “آسفين”، أو “لقد أخطئنا” أو “كنا مخطئين”. وتلك الملاحظات إذا ما صحت، فإنها لا تساعد في بناء الحقيقة أو إنتاجها، بل في بناء التضليل بأصالة رفيعة وبالغة، دون تصحيح للمعلومات الكاذبة.

فنحن تجدنا نتشدد في الجهر بامتلاك الحقيقة، والدفاع عنها في الوقت نفسه. فتجد الرجال يحلفون بالطلاق إذا كان الشيء، مثلاً، هكذا. ولكننا لا نشهد، في الغالب، أي حركة طلاقات بائنة أو مخفية نتيجة لتلك «الحليفة». ولا يحدث اعتذار عن رميها.

والنساء يصلن في «الحليفة» إلى مراحل أبعد، فيحلفن بقطع «شطورهن» إذا ما حدث كذا وكذا. ولكننا، مع ذلك، لا نشهد امرأة واحدة فعلت ذلك بعد حدوث ما كانت تخشاه، أو اعتذرت عن صيغة المبالغة في عقاب نفسها.

وأحياناً تأخذ القصة أبعاداً رمزية، فيحلف الأب أو الأم بأنهما لن يكونا أباً أو أماً لفلان إذا كان الأمر كذلك. ولكن الأمر يكون كذلك فعلاً، دون أن تنزع عنهما علاقتهما بأبنائهما.

كل ذلك يتم، وكأننا نبالغ في اليقين، دون تحمل تبعاته حين نكتشف أننا أخطأنا. وهكذا وقعنا، ومنذ تفجر هذه الحرب، في معلومة أن “محمد حمدان حميدتي” قد مات و”شبع” موتاً، وأن ما نراه أمامنا ليس أكثر من روبوت أو كائن قام بتصنيعه الذكاء الاصطناعي. فقد خرجت لنا كتيبة إعلام “نعم للحرب” بذلك، مدعومة بدهاقنة صناع الكذب من السياسيين والدبلوماسيين المناصرين لاستمرار الحرب. لقد سخروا منا ومن “عقولنا الصغيرة” التي لا تريد أن تقبّل تلك “الحقيقة المجردة”. ولكن، وبعد مضي الوقت، وتكرر خروج “حميدتي الحقيقي” إعلامياً، خفت صوت أولئك، وأصبح يكتب رداً عليه عند التصريح أو التهديد بشيء ما. ما عادوا مرة أخرى إلى استراتيجيتهم القديمة بقتله وهو حي. بل صاروا يجتهدون في إعادة هندسة ذاكرتنا ومحو أنهم قالوا ذلك في يوم من الأيام.

تلك لم تكن مشكلة المواطن الذي يصدق الإشاعة على وسائل التواصل فقط، بل مشكلة الخبير أو الإعلامي المرسل لها بثقة، فتكتسب صفة المعرفة. وهنا تصبح عبارة مثل «حميدتي مات» أكثر من شائعة، حين تصبح معلومة سياسية متداولة.

أما المفارقة فتكمن في ظهور حميدتي لاحقاً، دون أن نجد اعتذارات أو مراجعات واسعة من الذين أعلنوا موته. فبدلاً من ذلك، انتقل الخطاب إلى مرحلة جديدة، هي الرد على حميدتي، وتحليل تصريحاته، وتوقع موته مستقبلاً أو محاكمته، مثلاً. يحدث ذلك وكأن شيئاً لم يحدث.

إنهم لا يصححون المعلومة القديمة، بل يمحونها من الذاكرة. إنهم لا يعترفون بالقول: لقد كنا مخطئين، وبأن ما فعلوه كان خطأ. فالاعتراف لا يعني فقط قول «كنت مخطئاً». الاعتراف يعني أيضاً سقوط جزء أو جانب من السلطة التي اكتسبها صاحب الرأي باعتباره عارفاً ومطلعاً. لذلك يصبح الصمت أكثر راحة من الاعتذار، وإعادة صياغة الخطاب أسهل من مراجعة الماضي.

إن ما شهدناه في ذلك العرض الدرامي إعلامياً، وبعد مضي وقت طويل عليه، لم يكن في الواقع عرضاً عن قتل حميدتي بالسلاح الإعلامي، وإنما عوضاً عن قتل المعلومة. فقد قتلنا المعلومة ثم رفضنا الاعتراف بأنها كانت حية في يوم من الأيام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى